فقدت السينما المصرية والعربية، المخرج الكبير داوود عبد السيد، الذي توفي عن عمر ناهز 79 عامًا بعد صراع طويل مع المرض، تاركًا خلفه إرثًا فنيًا وفكريًا يُعد من الأهم في تاريخ السينما العربية.
ونعت نقابة المهن التمثيلية المخرج الراحل في بيان رسمي، واصفة مسيرته بـ«الاستثنائية»، مؤكدة أنه قدم أعمالًا خالدة شكلت علامة فارقة في تاريخ السينما، وترك بصمة إنسانية وفكرية لا تُنسى.
وجاء في بيان النقابة: “ببالغ الحزن والأسى، تنعى نقابة المهن التمثيلية برئاسة النقيب وأعضاء مجلس الإدارة، المخرج الكبير داوود عبد السيد، الذي رحل عن عالمنا بعد مسيرة فنية استثنائية، قدّم خلالها أعمالًا خالدة شكّلت علامة فارقة في تاريخ السينما المصرية والعربية”.
كما تقدمت النقابة بخالص العزاء إلى أسرة الراحل ومحبيه وتلاميذه، وإلى الوسط الفني والثقافي كافة.
وأعلنت الكاتبة كريمة كمال، زوجة المخرج الراحل، خبر وفاته، وأقيم عزاء الراحل بكنيسة مارمرقس في مصر الجديدة.
صراع مع المرض
وكشفت مصادر مقربة أن داوود عبد السيد كان يعاني منذ عدة أشهر من أزمات حادة في الكلى، وصلت إلى مرحلة الفشل الكلوي، ما اضطره إلى الخضوع لجلسات غسيل منتظمة بالمستشفى، قبل أن تتدهور حالته الصحية خلال الأيام الأخيرة، ليفارق الحياة داخل منزله.
فيلسوف السينما
يُعد داوود عبد السيد أحد أبرز مخرجي السينما المصرية، ولقّبه النقاد بـ«فيلسوف الإخراج السينمائي»، لما تميزت به أعماله من عمق فكري وتأملات إنسانية وفلسفية.
بدأ مسيرته المهنية بالعمل مساعد مخرج في أفلام بارزة، من بينها «الأرض» ليوسف شاهين و«الرجل الذي فقد ظله» لكمال الشيخ، قبل أن يقرر خوض تجربته الخاصة، متجهًا إلى الأفلام التسجيلية الاجتماعية، التي أتاحت له احتكاكًا مباشرًا بالمجتمع المصري بمختلف طبقاته.
ومن أبرز أفلامه التسجيلية:
“وصية رجل حكيم في شؤون القرية والتعليم”، و”العمل في الحقل”، و”عن الناس والأنبياء والفنانين”.
أعمال خالدة وجوائز
قدم عبد السيد عددًا محدودًا نسبيًا من الأفلام الروائية، إلا أنها شكلت علامات بارزة في تاريخ السينما، من بينها:
“الكيت كات”، “أرض الخوف”، “البحث عن سيد مرزوق”، “الصعاليك”، “سارق الفرح”، “رسائل البحر”، و”مواطن ومخبر وحرامي”.
وقد أدرجت أفلام “الكيت كات” و”أرض الخوف” و”رسائل البحر” ضمن قائمة أهم 100 فيلم عربي، الصادرة عن مهرجان دبي السينمائي الدولي عام 2013.
حصل المخرج الراحل على العديد من الجوائز، أبرزها:
جائزة العمل الأول عن فيلم “الصعاليك” من مهرجان أسوان الأكاديمي 1985.
جائزة الهرم الفضي عن فيلم “أرض الخوف” من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي.
جائزة السيناريو من مهرجان البحرين السينمائي.
جوائز أفضل فيلم وأفضل إخراج وأفضل سيناريو عن فيلم “مواطن ومخبر وحرامي” عام 2001.
كما مُنح جائزة النيل، وهي أرفع جائزة تقدمها الدولة المصرية في مجال الفنون.
الاعتزال القسري
كان آخر أعمال داوود عبد السيد فيلم “قدرات غير عادية” عام 2015، وبعده ابتعد عن الإخراج، قبل أن يثار الجدل حول اعتزاله عام 2022.
وفي لقاء تلفزيوني سابق، أوضح الراحل أن الاعتزال لم يكن قرارًا مفاجئًا، قائلًا: “لم أعلن الاعتزال.. الأمر فُرض عليّ بشكل أو بآخر”، مشيرًا إلى غياب المناخ الذي يسمح له بتقديم السينما التي يؤمن بها، وعدم وجود جهات إنتاج راغبة في تبني مشروعاته.
وأضاف أن الفن يحتاج إلى حرية كاملة، مؤكدًا أنه كان يتمنى تقديم سينما جذابة وممتعة، لكنه لم يعد يرى الظروف مهيأة لذلك، معربًا عن قناعته بأن هذه الظروف لن تتغير في حياته.
إرث لا يُنسى
رحل داوود عبد السيد مكتفيًا بعدد قليل من الأفلام، لكنها كانت كافية لتضعه في مصاف كبار المخرجين، وليبقى اسمه حاضرًا كأحد أهم من صنعوا سينما تحمل الفكر والإنسان في قلب الصورة.