35.5 C
Cairo
الخميس, يوليو 2, 2026
الرئيسيةفكر مسيحيهل خُلق يسوع؟

هل خُلق يسوع؟

لاري نيف

قبل ألفي عام ولد يسوع المسيح كإنسان على الأرض. لكن ماذا عن الفترة السابقة لهذا الحدث العظيم؟ هل كان موجودًا منذ الأزل؟ أم أن الله الآب خلقه في وقت ما؟ وإن كان قد خلق، فمتى كان ذلك؟ هل قبل خلق الأرض والكون؟ أم قبل الطوفان؟ أم عند التجسد عندما ولد إنسانًا؟

هل يجيب الكتاب المقدس عن هذه الأسئلة؟

ترتبط هذه التساؤلات ارتباطًا مباشرًا بقضية ألوهية المسيح. وكما سنرى، يوضح الكتاب المقدس أن يسوع لم يُخلق، بل هو الله الأزلي الموجود منذ الأبد.

يتناول العهدان القديم والجديد هذا الموضوع في مواضع كثيرة، وسننظر إلى عدد من هذه النصوص لفهم ما تعلنه بدقة.

الكلمة (اللوغوس).

تعد الآيات الأولى من إنجيل يوحنا من أهم النصوص التي تكشف هوية المسيح قبل التجسد: “في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله. هذا كان في البدء عند الله. كل شيءٍ به كان، وبغيره لم يكن شيء مما كان» (يو1: 1-3).

ولكي لا يبقى أي شك في هوية «الكلمة»، يضيف يوحنا: “والكلمة صار جسدًا وَحل بيننا» (يو1: 14).

إن عبارة «كان عند الله» تدل على أن الكلمة كان يتمتع بوجود شخصي واع ومتميز عن الآب، وفي الوقت نفسه كان في شركة كاملة معه.

وهنا تظهر نقطة بالغة الأهمية: تقول الآية إن كل شيء به كان، وإنه بغيره لم يكن شيء مما كان. فإذا كان المسيح مخلوقًا، لكان قد اضطر أن يخلق نفسه! لكن النص يعلن بوضوح أن كل ما خلق قد خلق بواسطته، مما يعني أنه ليس ضمن دائرة المخلوقات.

إذًا فالآب والكلمة، الذي تجسد لاحقًا في شخص يسوع المسيح، موجودان منذ الأزل.

معنى “اللوغوس”

كلمة «الكلمة» ترجمت عن اللفظ اليوناني لوغوس (Logos)، وهو مصطلح يعني: الكلمة، أو الفكر، أو العقل، أو الإعلان، أو التعبير عن الفكر. وقد استخدم يوحنا هذا المصطلح بطريقة فريدة، ليس للإشارة إلى فكرة أو صفة مجردة، بل إلى شخص إلهي حي كان موجودًا مع الآب منذ البدء. ويؤكد يوحنا ذلك بقوله: “فيه كانت الحياة، والحياة كانت نور الناس» (يو1: 4).

فالكلمة ليس مجرد فكرة أو نطق إلهي، بل كائن حي يمتلك الحياة في ذاته. ومن هنا نرى أن يوحنا يربط بالمسيح ثلاثة أمور أساسية:

الوجود: كان موجودًا منذ البدء.

العلاقة: كان في شركة مع الآب.

الهوية: هو «الكلمة» الذي صار جسدًا.

كما أن المسيح هو المتحدث باسم الآب، إذ أعلن فكر الله وكلمته للبشر بقوة الروح القدس (يو3: 34؛ عب1: 1-2). فالكتاب المقدس هو كلمة الله المكتوبة، أما المسيح فهو كلمة الله الحية المتجسدة.

“أنا هو”

يقدم إنجيل يوحنا دليلاً آخر على أزلية المسيح في قوله: “الحق الحق أقول لَكم: قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن» (يو8: 58).

هنا يشير يسوع بوضوح إلى الاسم الإلهي الذي أعلن لموسى في العليقة المشتعلة: “أهيه الذي أَهيه” (خر3: 14).

ويعني هذا الاسم «الكائن» أو «الموجود بذاته»، أي الأزلي الذي لا يعتمد وجوده على أحد. ويرتبط هذا المعنى أيضًا باسم يهوه (YHWH)، الذي يترجم غالبًا في العهد القديم إلى “الرب”.

ويعبر هذا الاسم عن الحقيقة نفسها التي يعلنها الكتاب في: “يسوع المسيح هو هو أمسًا واليوم وإلى الأبد» (عب13: 8).

فعندما قال يسوع: «قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن»، لم يكن يقصد أنه وجد قبل إبراهيم فحسب، بل كان يعلن أنه الأزلي الموجود قبل إبراهيم وقبل كل الخليقة. فإبراهيم بدأ وجوده في لحظة معينة من الزمن، أما المسيح فلم يبدأ وجوده قط، لأنه الكائن الأزلي.

الخلاصة

يعلن الكتاب المقدس بوضوح أن يسوع المسيح:

لم يخلق.

كان موجودًا منذ الأزل مع الآب.

هو «الكلمة» الذي به خلقت جميع الأشياء.

هو «أنا هو» الإلهي الذي أعلن لموسى.

يمتلك الحياة في ذاته.

هو الله الظاهر في الجسد.

لذلك فإن الإيمان المسيحي لا يرى في المسيح مجرد مخلوق عظيم أو كائنًا سماويًا رفيعًا، بل يؤمن بأنه الابن الأزلي، كلمة الله المتجسد، والرب والمخلص الذي لا بداية لأيامه ولا نهاية لملكه.

مقالات أخرى

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا