جوشوا بارو
لقد حل علينا عصر الذكاء الاصطناعي (AI). فهل أنت من المتفائلين به الذين يرونه “أفضل ما حدث على الإطلاق”، أم من المتشائمين الذين يصرخون: “يا للمصيبة! الذكاء الاصطناعي سيستولي على العالم؟”
سواء كنت من هواة الذكاء الاصطناعي أم لا، فالأغلب أنك تستخدمه كل يوم تقريبًا. فمن “جوجل” و”شات جي بي تي” إلى مجلد الرسائل غير المرغوب فيها (Spam)، كلها تطبيقات تعتمد على الذكاء الاصطناعي. بل إن تطبيقات طلب سيارات الأجرة، مثل “أوبر”، تستخدم التعلم الآلي للتسعير الديناميكي، والتنبؤ بالمسارات، ومطابقة السائقين بالركاب.
إذًا، نعم، لقد حل علينا عصر الذكاء الاصطناعي بالفعل، وبات واقعًا راسخًا.
والذكاء الاصطناعي ليس تقنية واحدة، بل مصطلح شامل يندرج تحته عدد من التقنيات المترابطة. وما يجمع هذه التقنيات هو قدرتها على التعلم من البيانات. وسواء كنت تطور أنظمة الذكاء الاصطناعي، أو تدرب البيانات التي تشغلها، أو مجرد مستخدم لها، فإن واجبك المسيحي هو أن تتجاوز الضجيج المحيط بها، وتنظر في كيفية العيش بحسب دعوة الله في عصر الذكاء الاصطناعي.
فيما يلي ستة تأملات تساعدنا على الاقتراب من الذكاء الاصطناعي بمنظور كتابي:
أولًا: مجد الله
“فإن كنتم تأكلون أو تشربون، أو تفعلون شيئًا، فافعلوا كل شيء لمجد الله” (1كو10: 31).
عندما أوصانا الله، على لسان الرسول بولس، أن نفعل كل شيء لمجده، حتى أبسط الأمور كالأكل والشرب، فلا شك أن ذلك يشمل تعاملنا مع الذكاء الاصطناعي أيضًا. أليس هو الإله العليم بكل شيء، الذي “يخبر منذ البدء بالأخير” (إش46: 10)؟
إن نقطة البداية الجيدة هي أن نتذكر الوصية الأولى: “لا يكن لك آلهة أخرى أمامي” (خر20: 3). فبمجرد أن نقرّ بأن الله، كما أعلن عن نفسه في الكتاب المقدس، هو وحده المستحق للعبادة، سنفكر مليًا قبل أن نمنح الذكاء الاصطناعي مكانة تشبه العبادة.
وفي المقابل، يجب ألا نصف عطية صالحة بأنها شر. فالذكاء الاصطناعي عطية صالحة من الله (يع1: 17)، وهو ثمرة من ثمار نعمة الله العامة العاملة في الخليقة، شأنه شأن سائر التقنيات التي ينتفع بها البشر. ومن ثم فإن أحد أوجه تمجيد الله في عصر الذكاء الاصطناعي هو تجنب الوقوع في فخين متقابلين: تأليهه من جهة، أو شيطنته من جهة أخرى.
ثانيًا: صورة الله
“فخلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه. ذكرًا وأنثى خلقهم” (تك1: 27).
الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي خُلق على صورة الله.
أنا شخص متحمس للذكاء الاصطناعي، ليس فقط لأنني أعمل في شركة متخصصة في هذا المجال، بل أيضًا لما تمتلكه هذه التقنية من قدرة هائلة على تعميم المعرفة وإتاحتها للجميع. فأنا قادر اليوم على تعلم الكيمياء التحليلية من خلال روبوت الدردشة المفضل لدي. ولم يكن هذا ممكنًا في أي حقبة سابقة من التاريخ. بل إن عصر الإنترنت نفسه يبدو محدودًا مقارنة بهذا التحول.
ومع ذلك، يجب ألا نقع في خطأ الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي قد خُلق على صورة الله. وحتى لو بلغنا يومًا ما مرحلة الذكاء الاصطناعي العام أو ما يسمى بالذكاء الاصطناعي الفائق، فلن تستطيع هذه التكنولوجيا أن تنتزع من الإنسان مكانته الفريدة بوصفه موضوع محبة الخالق.
ثالثًا: السقوط
عندما مد آدم وحواء أيديهما إلى الثمرة المحرمة، أدخلا البشرية كلها في دائرة السقوط. فقال الله: “بعرق وجهك تأكل خبزًا حتى تعود إلى الأرض التي أخذت منها. لأنك تراب وإلى تراب تعود” (تك3: 19).
وهذا يعني أن قدرًا من الزوال والعبثية يحيط بكل أعمالنا تحت الشمس، كما لاحظ كاتب سفر الجامعة.
كما يعني أن الأدوات التي نطورها ستعكس حتمًا طبيعتنا البشرية الساقطة. فالذكاء الاصطناعي ليس شريرًا في ذاته، لكننا نحن الذين نستخدمه أحيانًا بطرق شريرة. لذلك ينبغي أن تبدأ كثير من النقاشات حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي وسلامته من هذه الحقيقة الأساسية: أن ننظر أولًا في مرآة كلمة الله، ونعترف بتواضع أن الذكاء الاصطناعي يحمل آثار سقوطنا نحن.
رابعًا: النعمة العامة
“فإنه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين، ويمطر على الأبرار والظالمين” (مت5: 45).
يمكن فهم النعمة بصورة أوضح عندما نقارنها بالرحمة. فالنعمة هي نوال ما لا نستحقه، أما الرحمة فهي عدم نوال ما نستحقه من عقاب.
والذكاء الاصطناعي يعد إحدى صور النعمة العامة؛ عطية يمنحها الله للبشر جميعًا، مؤمنين وغير مؤمنين، بوصفها خيرًا غير مستحق.
لقد دبّر الله بطرق كثيرة أن يبلغ الذكاء الاصطناعي ما بلغه اليوم من انتشار وتأثير. ومن جون مكارثي إلى سام ألتمان، فإن الجميع، عن قصد أو غير قصد، يعملون ضمن مقاصد الله الذي يظل سيدًا على كل شيء.
وكما قال أبراهام كايبر: “لا يوجد شبر واحد في نطاق وجودنا البشري كله لا يصرخ فيه المسيح، المتسلط على الكل: هذا لي!”
فماذا يقول الله عن الذكاء الاصطناعي؟ يقول: “هذا لي”. ثم يمنحه، في نعمته العامة، للبار والظالم معًا لأجل منفعتهم وتمتعهم به.
خامسًا: النعمة المخلصة
يعلن الكتاب المقدس أن الله دعا البعض من العالم الساقط، ومنحهم قلوبًا جديدة، وأمرهم أن يحيوا له وبه ولمجده. فلم نعد نحيا لأنفسنا، بل لمخلصنا.
ورغم أننا ما زلنا نعيش في هذا العالم ونستخدم أدواته، بما فيها الذكاء الاصطناعي، فإننا نفعل ذلك بوصفنا غرباء ومواطنين للسماء.
إن المؤمن يتبرر على أساس حياة الرب يسوع المسيح وموته، ثم يدعوه الله إلى النمو في القداسة ليصير أكثر شبهًا بالمسيح، حتى يبلغ يوم المجد الكامل.
لذلك يأمر الله شعبه أن يكونوا قديسين لأنه قدوس (1بط1: 16).
فكيف يطبق المسيحي القداسة في استخدامه للذكاء الاصطناعي؟
يكون ذلك بتذكر أنه سواء كان يأكل أو يشرب أو يطور أنظمة الذكاء الاصطناعي أو يستخدمها، فعليه أن يفعل كل شيء لمجد الله، وفي إطار السعي المستمر ليصير أكثر شبهًا بالمسيح.
سادسًا: عودة المسيح
لا يحتاج المسيحي إلى ذكاء اصطناعي تنبؤي ليعرف المستقبل، لأن الله قد أعلن النهاية في كلمته.
لذلك يعيش المؤمنون على رجاء سماع تلك الكلمات المباركة عند عودة المسيح: “نعمًا أيها العبد الصالح والأمين… ادخل إلى فرح سيدك (مت25: 21).
وإلى أن يأتي ذلك اليوم، ننظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة أودعها الخالق بين أيدينا. نستقبلها بالشكر والامتنان، مع رفض استخدامها لتمجيد الذات أو لإلحاق الأذى بالآخرين.
إنها وسيلة لمحبة القريب وخدمته. ويجب ألا ننسى أنه عندما يعود المسيح، فإن البشرية -لا الذكاء الاصطناعي- هي التي ستقف أمام كرسي دينونة الله.