تحتمت المعرفة أن تظل راسخة في هياج عنفوان الجهل متى تفاقم ومتى صار في دروب العقل بلا رادع أو حتى حدود له، فهؤلاء مَنْ هم بعيدون عما يقاسيه ويكابده الآخرون ينظرون في مرآة ذواتهم وكأن الحكمة قد استراحت عند أقدامهم دون غيرهم، يدلون بما لا يفهمونه ويتفوهون بما لم يختبروه، تتقاذف ألسنتهم الاتهامات والحروف الزائفة التي تختال بين أسطر البهتان وسطور عدم الحق، بأن هؤلاء مَنْ ارتأوا واختاروا وآثروا القبوع في حيزهم، والذين فضَّلوا وحدتهم على صخب الجموع وهديرها، هم مَنْ وضعوا أنفسهم فوق الجمع وصاروا رمزًا للـ (أنا)، تعالوا وتكابروا على ذويهم وأندادهم، وفي غفلة من الزمان، حين أغمضت أعينهم وتفتحت: حينها لم ينظروا أحدًا غيرهم ولم يشخصوا شخصًا سواهم….، وكان هؤلاء –في نظر المدعين– هم مَنْ فضَّلوا وحدتهم على جمعهم وفردانيتهم على التماهي بين الحشود والفرِق والتجمعات.
ولكن ها هو نظرهم وقد تقصر وتكسر بين استقامة الفهم ورجاحة البصيرة متى فطنت ومتى حذت حذو الحكمة والحنكة والذكاء، فإلى أين تطرحنا تطرحهم أفكارهم وآراؤهم؟ وإلى ماذا تودي بهم وبنا؟ أإلى قاع الجحيم أم إلى قمة القصور والغباء؟ أإلى وهدة جهنم النار أم إلى ذُرى السخف والانحطاط البلاهة….؟! لا نعلم ولكن كان وسيظل عدم علمهم هو الكارثة والنكبة والبلاء.
فلم تكن الوحدة هي الهروب من الأنفس لكنها هروب إلى النفس، لم تكن إطلاقًا هي الاستعلاء على الجمع ولكنها التستر بين ثنايا الذات والتخفي بين طيات الروح متى رأت من الوحدة ملاذًا آخر أخيرًا، حيث الاستكانة من عصف الصروف وخذلان المواقف! هي ليست بالملجأ الشاغر لكنها الحصن المكتنز بالأحرف والكلمات السابحة في أعماق الكتب حيث الفلسفة وعزاؤها والحكمة وسلوانها! إنها – الوحدة – التي إذا عانقت غروب النهار كانت النجوم خلاياها وسواد الليل دماءها وصمت الكل هو بدنها حيث الاستجداء والوجود والتواجد، فهي الوسادة لمن تصحرت له الحياة، كما الغطاء المحكم من صقيع الأيام وأنهُرها الغائمة الباردة القارسة!!! إنها الوحدة الوحيدة والمتوحدة في لملمة الأرواح المشتتة والنفوس المتشرذمة، أيضًا والأفئدة المتناثرة…. الوحدة!
وهكذا كلَّت الأعين وضَعُفَ بصرها وقت أن عانينا ما عانيناه في البحث عمن يرى في الناس وما اختصهم واختصوه هم لأنفسهم محرابًا مقدسًا، يُنظَر له ولا يُشخَص إليه، يُلتفت صوبه حين العبور دون أن يُرمَق وتُرَاقب طقوسه ونواميسه. فاحترام الغير من احترام النفس، واحترام النفس هو جسر نعبر عليه إلى تقدير ذاتنا من الآخرين قبل تقديرنا نحن لأنفسنا. فليس أرقى ولا أسمى من أن يحد المرء نفسه بحدود غيره، وليس أمثَل من أن يجابه الشخص فضوله الرديء دائم النهج فيما لا يعنيه ولا يمت له بصلة بكل فضيلة عفيفة وعفة فاضلة. فليتنا نكتفي بأنفسنا حتى لا نتطلع لسرائر الغير، وحبذا الانكباب على دوائرنا وما يموج بها كما الانكفاف بحثًا في محيط الغير وما يجول فيه، ولنذكر ونتذكر هذا ما حيينا: أن تقديسنا لتلك المسافات التي وضعها الآخرون بيننا وبينهم فيه من الهيبة والتقديم والتعظيم ما يجعلنا أولًا وليس أحدًا من جمع، كما قيمة وقامة وليس ظلاً باهتًا في زحام الجموع.