مسيَّر بالأعمال أم مخيَّر للأفعال؟!

6

أشرف ونيس

تأخذنا المفاجأة ويعترينا الانبهار وقد تتخللنا بعض من أطياف الدهشة أو ربما الحيرة المرتبكة، وكذلك الارتباك السابح في بحر من الحيرة المتسائلة فعلاً وقولاً، عند التطلع إلى أمرين بل حقيقتين أو قل واقعين، أحدهما منزوٍ بأقصى الشمال بينما يكمن الآخر في زاوية ما أبعدها وأسحقها تُدعى اليمين، فكانت الإرادة وقت فعلها المريد، وكان التواكل وقت تقاعسه وتخاذله وارتداده إلى قلعة الركود وحصن الكمون والسكون! أين أنا بينهما وما فيهما ينطبق شكلاً وموضوعاً أزلاً فأبداً على الإنسان بل الحياة بأسرها؟ سؤال كل العصور وكافة الحقب والأزمان: هل أنا مسير أم مخير؟

تمخض الوجود و أرجاء الكون في علياء سماواته بصرخات البشر وإجاباتهم على طول الخط الذي بدأ عنده الخلق حتى نهايته، تشدق البعض بمن ترفع قدرةً واقتداراً عن الإرادة البشرية وفعلها، وقتما الإحجام عملاً أو الإقدام قولاً بأنه الباري والخالق – الله – مَنْ بيده تسيير الأشياء و تقويم الأفعال، تجري الأمور إلى حيث يريد وتسكن حيث لم يشأ أو يقصد، هو الأول لكل فعل والأخير لكل عمل، خالق الجميع بقوتهم وأرواحهم حيث المخ والذهن والفكر والإرادة، الشكل والهيئة، المسكن والرزق، القوة والملكات الطبيعية بتنوع أشكالها…..، فشخصوا قابعين مرتكنين إلى واحة التواكل في انتظار مَنْ يملي عليهم أفعالهم ، مناجياً فيهم إرادتهم التي يصدر إليها الأمر من عالم غير المنظور، ليتجسد حركةً وأداءً وعملاً في عالمنا المادي هذا و المنظور!!!

لكنهم – أنصار الحرية – تمردوا ولم يستكينوا إلى أن صدحت نبرات وصياح حناجرهم لتؤسس وترسي وترسخ قاعدة نظرهم ووجهتها، رافعين ألوية إرادتهم فوق الجميع وأعلى الكل، فكيف تكون الإرادة إرادة إن لم تريد ما تبغي وتشأ في تنفيذ عمله؟ كان سؤالهم وكانت إجابتهم المحمولة بين طيات وثنايا سؤالهم، منهم مَنْ آمن بالخالق كخالق الإرادة وحريتها، كما الحرية وإرادتها المطلقة، ومنهم مَنْ آمن بالإرادة بصفته البداية والنهاية والخالقة والموجدة لكل ما هو حولنا، فهي الفكر والتنفيذ، الفكرة والعمل بها……، وهكذا تأيدوا وتكبلوا بحريتهم المريدة، وكان اعتناقهم لمذهبهم هو القيد الوحيد في نظرهم ونظرتهم للعيش وللحياة وتفصيلاتها.

وهل يسيرنا الله عن دون إرادة منا وهو منشئ ومَنشأ حرية اختيارنا المنبثقة من عقل له من القدرة في أن يحكم ويفرز وينتخب ويقرر؟ وهل للإنسان حرية الإرادة المطلقة في أن يَسير ويُسيَّر ويجري وينفذ وينجز في حدود هي بلا حد أو سقف دون الالتزام بإرادة الله، مقاصده وأحكامه وقراراته وإجراءاته التي تفوق الإدراك والبصيرة البشرية؟ هكذا اعتقد أصحاب هذا المذهب الذي يأخذ بالحرية الإنسانية دون الخروج عن الحرية المطلقة العليا للوجود، وسلموا بعدم وجود جبرية مطلقة للبشر، مع عدم وجود حرية مطلقة أيضا لهم، فالله له أحكامه التي يقرها، والإنسان أيضاً له أحكامه – في نطاق ما يسمح به الخالق – التي يقرها، وهكذا يوجد ما يقر بحرية الله المطلقة في كل شيء، وهناك ما يجزم بحرية الإنسان المطلقة ولكن ليس في كل شيء، ففطرتنا كمثال يحددها الله في مطلق حريته، وشرنا هو ما نحدده أيضاً بمطلق حريتنا، وهكذا فالإنسان لا يخرج عن كونه مُسيَّراً ومخيَّراً في آن وحين ووقت واحد.

وهكذا هو سؤال كل العصور وكافة الأزمان، كثر فيه الجدال كما زاد فيه النقاش، تثبت وترنح فيه الشك، كما تأرجح وترسخ فيه اليقين! هو بحر بلا قرار، محيط بلا حد، كون بلا منتهى، تنبع منه أسئلة جمة وينتثر منه ألغاز بلا حد، فكم أدلى أصحاب العقول الباحثة دائماً وأبداً عن الحقيقة من المفكرين والفلاسفة بدلوهم فيه، لكنه ظل عظيماً متعاظماً، خرج من رحمه ألف سؤال وسؤال لا تعدو كونها نسلاً لأحجية ملء الدهور والأزمنة؛ هل أنا مسيَّر أم مخيَّر؟!

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا