في الثاني والعشرين من يونيو الماضي، قرعت أجراس كنيسة مار إلياس للروم الأرثوذكس بدمشق للصلاة وفي داخلها أبرياء مسالمون خاشعون في صلواتهم وعيونهم شاخصة للسماء وترتفع أصواتهم بالترانيم، يصلون لله طالبين أن يباركهم الرب وأيضًا من أجل سلام شعب وقادة سوريا وطنهم، وإذ بتفجير إرهابي خسيس للكنيسة يحصد أرواح 25 من الأبرياء من الأطفال والنساء والكبار والعائلات ويصاب 60 شخصًا كل جريرتهم أنهم مسيحيون ويصلون لله. وللأسف غاب المسئولون في قيادة الحكومة والدولة عن موقع الجريمة وغابوا عن المشاركة في العزاء وغابوا عن أن يعلنوا الحداد (إلا وزيرة مسيحية حضرت) واكتفى أحمد الشرع بالاتصال بوكيل البطريركية (وليس بالبطريرك) وحاولت الحكومة أن تنسب التفجير إلى داعش وقالت إنها قبضت على البعض وذلك لامتصاص الغضب العارم محليًا وعالميًا، مما دعا سرايا أنصار السنة ان يكذبوهم ويعلنوا مسئوليتهم عن التفجير. كما كانت الحكومة غائبة قبل التفجير الإرهابي حين كانت تمر سيارات دعوية إسلامية تستخدم مكبرات الصوت وتجوب أمام الكنيسة. والفكرة التي تطرح نفسه هي أنه أيًا كانت الجهة المسئولة عن التفجير الارهابي فهي لا تختلف في عقيدتها وأيديولوجيتها الفكرية عن هؤلاء الممسكين بزمام الأمور في قيادة الدولة ونظام الحكم والقابضين على مقاليد السلطة. والشيء الملفت للنظر والدهشة هو أن يصف بيان الرئاسة ضحايا الكنيسة بأنهم “قضوا” أي قُتلوا ولم يقل إنهم شهداء. ولنكشف الازدواجية لدى هؤلاء، في فبراير الماضي كان قد وقع تفجير في مدينة منبج بحلب فماذا قال وقتها بيان الرئاسة: “تفجير إرهابي غادر بأهلنا مما أسفر عن سقوط 20 شهيدًا”، بينما في التفجير الإرهابي الذي أصاب كنيسة مار إلياس قال عن الضحايا الأبرياء الذين سقطوا إنهم “قضوا” أي قُتلوا ولم يصفهم بالشهداء، فهذا إن كان يعبِّر عن شيء إنما يعبِّر عن العقيدة الراسخة أيديولوجيًا في عقل أحمد الجولاني ومَنْ معه من تابعية منذ كان عضوًا في جبهة النصرة وتنظيم داعش. “هل يغير الكوشي جلده أو النمر رقطه.” وتتوالى الأحداث في عهد أحمد الجولاني والذي غيَّر اسمه إلى أحمد الشرع، فمنذ منتصف يوليو تشهد محافظة السويداء في سوريا اعتداءات رهيبة على الدروز وتدور حرب أهلية بين البدو والدروز الذين اضطروا للدفاع عن أنفسهم مما أسفر ذلك عن مقتل 100 شخص وإصابة العشرات وتدخل جيش الشرع وردت إسرائيل بالتدخل لحماية الأقلية الدرزية.
لقد تنفس السوريون الصعداء بعد سقوط نظام بشار الأسد الديكتاتوري في ديسمبر 2024 والذي حكمهم لعقود من الزمان وكانوا يأملون أن تبدأ حقبة جديدة وأن تكون المرحلة الانتقالية ينعمون فيها بالحرية والديمقراطية والعدالة والمواطنة وتؤسس لنظام أكثر عدلًا ومساواةً ومشاركةً. وتبددت تلك الآمال والأحلام وهم يرون نظامًا أكثر عنفًا ومؤسسات الدولة تتشكل على أسس جهادية وتفرض عليهم أنماطًا اجتماعية غريبة ومتشددة، إلى جانب استهداف فاضح للأقليات وعلى رأسهم المسيحيون والعلويون والدروز. فماذا يُنتظر من نظام حكم ديني ينطلق من مرجعية إسلامية جهادية لا يؤمن بالتعددية وقبول الآخر ولا بالمساواة والمشاركة والمواطنة بل يبتغي تأسيس دولة دينية في مواجهة الدولة المدنية التي ترتبط في أذهانهم بالعلمانية والتي تعني الكفر في مفهومهم الخاطئ المريض؟ فتلك الفسيفساء الطائفية الدينية والتي تضم مسلمين سنة ومسلمين شيعة وعلويين وسريانًا ومسيحيين ودروزًا، وكذلك المجموعات العرقية من أكراد وعرب وتركمان وأرمن، وهذا التنوع الثري الجميل لا يمكن أن تحتمله وتتعايش معه إلا دولة مدنية علمانية ديمقراطية.
لم ننخدع حينما وجدنا أحمد الشرع يتحدث عن الدولة والدستور والمشاركة والوحدة الوطنية للاستهلاك المحلي والدولي. إنه حديث شكلي لا يمت للواقع الفعلي بشيء، مجرد عبارات سياسية رنانة يخدع بها المجتمع الدولي، فحقيقة الأمر أن سوريا الآن في شرع الجولاني تسير بسرعة وبقوة نحو الدولة الدينية ذات المرجعية الجهادية. فما مصير الأقليات وعلى رأسهم المسيحيون. وهذا يجعلنا نطرح سؤالًا آخر: هل هناك مخطط يتم الإعداد له لتفريغ الشرق الأوسط من المسيحيين؟ سيناريوهات تتراءى أمام أعيننا من الماضي، فنتيجة ما حدث في الحرب الأهلية اللبنانية ودفعت الطائفة المارونية الثمن غاليًا وتقلص نفوذها باتفاق الطائف، ثم ما حدث في العراق من اعتداءات على الأشوريين وغيرهم فمنهم مَنْ غادر ومنهم مَنْ بقى، وتقلصت أعداد المسيحيين بصورة كبيرة. ومَنْ ينسى ما تعرض له الأقباط في مصر وخاصةً في الحقبة الساداتية وهجرة مئات الآلاف، وأيضًا ما تعرض له الأرمن من التطهير العرقي على يد الدولة العثمانية حيث راح ضحية تلك المذابح التركية بحق الأرمن إلى مليون ونصف أرمني. وفي الحاضر، يحدث الآن ضد المسيحيين والسريان في سوريا لمن تبقى منهم ولم يهاجر مثل أقرانهم. فماذا ينتظر مسيحيو الشرق في المستقبل؟ وهل يكتمل مخطط تفريغ الشرق الأوسط منهم؟
** مقتطفات في محطات
اقتطفتُ عبارات من حوار أجريته في بيروت منذ سنوات قلائل مع المفكر اللاهوتي اللبناني الشهير الدكتور غسان خلف لجريدة “الطريق والحق” الورقية.
* تمر المسيحية في أزمة علاقات بسبب التعصب الديني في أكثر من بلد عربي، فالمحروم من حقوقه المدنية الكاملة أينما كان يتزعزع ولاؤه نحو وطنه.
* في هذا الوقت العصيب التي تمر به الكنائس في الشرق العربي يجب أن تسعى ليكون لها صوت واحد تخاطب به محيطها والعالم.
* يكون مستقبل الكنيسة مضمونًا في أي موقع كانت فيه إذا كانت لصيقة ” أي شديدة الارتباط “بربها وإلهها وبالمجتمع حولها.
* الكنيسة يجب أن تكون سفيرة للمسيح وضمير العالم.
* أشجع كل مسيحي يشعر بدعوة الله وقيمة وجوده في هذا الشرق كنور للمسيح وملح في الأرض أن يبقى ولا يهاجر، وعلى المسيحيين أن يتجذروا في أرضهم ووطنهم.