لم يكن الإعلان الأمريكي عن التوجه لتصنيف فروع تنظيم الإخوان كـ”منظمات إرهابية أجنبية” مجرد قرار إداري يصدر عن البيت الأبيض، بل كان تعبيرًا عن تحوّل طويل التراكم في رؤية الولايات المتحدة لهذه الجماعة، خاصة منذ صعود دونالد ترامب إلى السلطة عام 2017. القرار حمل في طياته رسائل سياسية موجهة للمنطقة العربية، ولحلفاء واشنطن، ولخصومها، وللشبكات العابرة للحدود التي لطالما مثّلها التنظيم.
تأثير القرار لم يكن تقنيًا أو قانونيًا فحسب؛ بل أحدث صدى واسعًا في دوائر الحكم العربي، خصوصًا في مصر التي تواجه التنظيم منذ 2013، والسعودية التي تصنّفه منذ سنوات، وقطر التي تمثل أبرز الحواضن الإعلامية والمالية له، ولبنان حيث يتموضع الإخوان ضمن تشابك حزبي وطائفي شديد الحساسية.
هذا التحقيق يحاول تتبّع خلفيات القرار، أبعاده، تأثيراته، والجدل المحيط به، مع قراءة معمقة في الجذور الأيديولوجية للتنظيم، ومسار علاقته بالولايات المتحدة، وأسباب التحول في موقف إدارة ترامب.
ماذا يعني “تصنيف فروع تنظيم الإخوان كمنظمات إرهابية أجنبية”؟
القرار لا يستهدف الجماعة الأم فقط، بل الفروع النشطة المرتبطة بمصادر تمويل، أو بنشاط سياسي، أو بخلفية عسكرية.
أبرز الفروع التي يشملها التصعيد الأمريكي:
الإخوان في مصر
حركة النهضة في تونس (خاضعة للفحص)
الإخوان في اليمن (التجمع اليمني للإصلاح)
الإخوان في سوريا
فروع في لبنان والأردن والسودان
النقاط الأساسية للقرار:
تجميد أصول مالية مرتبطة بفروع التنظيم.
مراقبة مراكز دينية وتعليمية مرتبطة به داخل أمريكا.
حظر تواصل مسؤولين حكوميين أمريكيين مع ممثلي التنظيم.
وضع قيود على الإقامات والتأشيرات لأعضاء بارزين.
فتح ملفات جماعات فرعية مرتبطة بالنشاط المسلح.
من «شركاء محتملين» إلى «تهديدات محتملة» – تطور العلاقة بين واشنطن والإخوان
2011 – 2012: لحظة الوهم الأمريكي
عقب ثورات الربيع العربي، اعتقدت واشنطن -تحديدًا إدارة أوباما- أن الإخوان قادرون على تشكيل “نموذج إسلامي معتدل” قادر على الاندماج في اللعبة الديمقراطية.
هذا التصور كان قائمًا على ثلاثة افتراضات خاطئة:
أن التنظيم جماعة إصلاحية لا تتبنى العنف المباشر.
أن لديه قبولًا شعبيًا واسعًا في بلدان المنطقة.
أنه قادر على إدارة الدولة الحديثة بمنطق مؤسساتي.
سرعان ما انهارت هذه الافتراضات مع تجربة حكم الإخوان في مصر، حيث انفجرت التوترات مع القضاء والجيش والإعلام والأزهر والكنيسة ومؤسسات الدولة كافة.
2013 – 2016: مرحلة التوجس الأمريكي
بعد سقوط حكم الإخوان في مصر، بدأت واشنطن — حتى في عهد أوباما — تنتبه لوجود:
شبكات تمويل عابرة للحدود.
أجنحة مسلحة في غزة وليبيا وسوريا.
خطابات تحريضية تصدر من منصات متعددة.
لكن هذا التوجس لم يصل إلى حد التصنيف الإرهابي.
2017 – 2020: لحظة ترامب وبداية التحول
مع وصول ترامب إلى البيت الأبيض، تغيّر المشهد جذريًا.
عدة عوامل غذّت هذا التحول:
ضغط مصري – إماراتي قوي للإقرار بخطر التنظيم.
ازدياد نفوذ جماعات العنف المنبثقة من الإخوان (حسم – لواء الثورة).
دور قطر وتركيا في تأمين منصة دبلوماسية وإعلامية للتنظيم.
تقارير استخباراتية أمريكية أشارت إلى علاقات بين أفراد في الإخوان وتنظيمات أشد تطرفًا.
في هذا السياق جاءت خطوة ترامب باتجاه تصنيف فروع الإخوان كمنظمات إرهابية أجنبية.
جدول زمني – متى وكيف تغير الموقف الأمريكي؟
2013: سقوط حكم الإخوان في مصر.
2014: السعودية والإمارات ومصر تصنف التنظيم كإرهابي.
2015: تسريبات حول اتصالات بين الإخوان ومسؤولين أمريكيين.
2017: وصول ترامب للبيت الأبيض وبداية التحول.
2018: تقارير أمنية أمريكية تتحدث عن “شبكات خطيرة” مرتبطة بالإخوان.
2020: البيت الأبيض يعلن التحرك لتصنيف فروع الإخوان منظمات إرهابية أجنبية.
لماذا يشكل تنظيم الإخوان تهديدًا؟ وما الذي ينتظر المنطقة؟
وفق تقارير دولية:
1500 جمعية مرتبطة بالإخوان في 40 دولة.
ميزانيات سنوية تقدّر بمليارات الدولارات.
ارتباطات مع جماعات مسلحة في 6 دول عربية.
أكثر من 20 مؤسسة إعلامية مؤثرة ترتبط بالجماعة مباشرة أو عبر وسطاء.
قرار ترامب ليس نهاية المشهد، بل بدايته. هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة في المنطقة:
1- تضييق شديد على التنظيم: تجفيف منابع التمويل، وتراجع النفوذ السياسي، وإغلاق منصات متعددة في دول غربية
2- إعادة تشكيل التنظيم نفسه: سيناريو الاندماج في أحزاب محلية، أو الذوبان في تيارات أخرى، أو تأسيس واجهات جديدة بشعارات مدنية.
3- اضطرابات داخلية داخل الفروع: خلافات بين “جناح المصالحة” و”جناح التصعيد”، انقسامات مشابهة لما حدث في السبعينيات
السيناريوهات المحتملة للعلاقة التركية-الأميركية بعد القرار
قرار ترامب الجديد يُمثّل عامل ضغط مهم على تركيا: ليس فقط في البعد السياسي أو الأمني، بل أيضًا في البعد الرمزي-الإيديولوجي. أنقرة قد تجد نفسها مضطرة لإعادة حساباتها بشأن دعم تيارات إسلامية (مثل الإخوان) أو على الأقل إعادة ضبط علاقاتها مع بعض الفروع.
لكن من غير المرجّح أن تنهي تركيا علاقاتها مع الولايات المتحدة بالكامل بسبب هذا القرار – لأن العلاقات بين البلدين أكبر من قضية واحدة، وتضم عناصر إستراتيجية وتاريخية أعمق.
وستأخذ العلاقة بين أمريكا وتركيا سناريو من الأربعة سيناريوهات التالية:
السيناريو الأول، تراجع تركي واضح عن أي ارتباط بإخوان، ومراجعة شبكات داخل تركيا مما يساعد على أن تكون العلاقات الدبلوماسية-والأمنية مستقرة، وبالتالي تعاون أمريكي-تركي مستمر في القضايا المعنية بالأمن الإقليمي.
السيناريو الثاني، تركيا تحافظ على مراعاة مصالحها الإقليمية (سوريا، ليبيا، شرق المتوسط) وتبتعد عن الإخوان جزئيًا وتلجأ لعلاقة براغماتية: تعاون في بعض الملفات، توتر في ملفات أخرى (إيران – قطر – الإسلام السياسي)
السيناريو الثالث: تركيا ترفض القرار علنًا، وتستمر في دعم تيارات إسلامية مرتبطة بالإخوان مما يؤدي ألى توتر كبير، ضغوط أمريكية محتملة (دبلوماسية أو اقتصادية)، تراجع ثقة من الحلفاء في واشنطن تجاه أنقرة.
السيناريو الرابع: أنقرة تحاول لعب دور “وسيط” بين الغرب والعالم الإسلامي- توازن بين مواقفها والمصالح الأمريكية علاقة هشة لكنها قابلة للإدارة: صراعات سياسية/ دبلوماسية متقطعة حسب الملف.
لماذا “فجأة” في نوفمبر 2025؟
السبب الجوهري الذي يفسر التعجيل بالقرار في نهاية عام 2025، ويجعله يبدو “مفاجئًا”، هو التطورات في ملف الصراع الإقليمي وما يرتبط بإعادة الإعمار والاستقرار، ويمكن إجمال الأسباب في الآتي:
المحرك السياسي: تلبية طلب التحالف الإقليمي (السعودية والإمارات ومصر) التي ترى في التصنيف أداة لشرعنة مواجهتها مع التنظيم.
الدافع الأمني: القلق من دور الإخوان في زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط، خاصة في لبنان والأردن، واستغلالهم للأزمات الإقليمية. هناك قناعة في الإدارة الأمريكية بأن الإخوان يمكن أن تستغل أموال المساعدات وعمليات إعادة الإعمار، ولهذا أصبح التصنيف أداة ضرورية لتجفيف أي تمويل محتمل للجماعة في هذه المرحلة الحساسة. التصنيف يستهدف منع الجماعة من أن تكون طرفًا مؤثرًا في مستقبل إدارة مناطق التوتر
العامل التكتيكي: استغلال التزامن مع زيارة ولي العهد السعودي، والتأكيد على الانتهاء من العمل التحضيري القانوني (الذي بدأ قبل سنوات) لإخراج القرار بأقصى سرعة ممكنة.
مصر وقرار ترامب
تعتبر القاهرة المستفيد الأكبر من القرار الأمريكي، للأسباب الآتية:
تعزيز شرعية الدولة في حربها ضد التنظيم.
تضييق الخناق على القيادات الهاربة في الخارج.
تقليص قدرة التنظيم على استخدام أمريكا كمنصة ضغط دولية.
دعم الرواية المصرية أمام الاتحاد الأوروبي والمنظمات الدولية.
ماهر فرغلي: التصنيف الأمريكي سيُضعف كثيرًا من قدرات الجماعة على التمويل والحشد
وصف ماهر فرغلي الخبير في الجماعات الإسلامية، الخطوات الأمريكية الأخيرة بأنها «جادة لأول مرة» نحو تصنيف الإخوان رسميًا، وليس مجرد تهديد أو استعمال موقف تكتيكي كما في السنوات الماضية.
واعتبر أن هذا التصنيف يُمثّل «بداية العقد الجديد» في التعاطي الدولي مع الإخوان – أي ليس مجرد إجراء رمزي، بل بداية لسلسلة إجراءات تستهدف الأصول، الأموال، والشبكات المرتبطة بالجماعة.
وأشار إلى أن الجماعة لها علاقات مع جماعات إرهابية مسلحة، وإن بعض فروعها في الخارج استُخدمت كواجهة لدعم أنشطة متطرفة – ما، في رأيه، يجعل القرار الأميركي مبرّرًا من ناحية أمنية.
من وجهة نظره، التصنيف الأمريكي سيُضعف كثيرًا من قدرات الجماعة على التمويل والحشد، خصوصًا عبر الخارج – وهو ما يجعله خطوة استراتيجية مهمة في مكافحة ما وصفه بـ «الإرهاب الفكري والتنظيمي».
مع ذلك -وفق تحليله- الجماعة «لم تمت إكلينيكيًا»؛ أي أن رغم الضغوط ستبقى هناك شبكات ومحاولات لإعادة الهيكلة، لكن القرار يعطي فرصة كبيرة لتجفيف منابع قوتها وإضعافها – بحسب فرغلي.
ضاحي خلفان يقترح “مصادرة” أموال جماعة الإخوان المسلمين لإعادة إعمار غزة
قال نائب رئيس الشرطة في دبي، ضاحي خلفان، إنه يقترح “مصادرة” أموال جماعة الإخوان المسلمين واستخدامها في إعادة إعمار قطاع غزة، وسط تفاعل.
وقال ضاحي خلفان في تدوينات نشرها عبر حسابه الرسمي على منصة “إكس”، تويتر سابقًا: “اقترح مصادرة أموال جماعات الإخوان المسلمين واستخدامها في إعادة إعمار غزة”.
وأضاف نائب رئيس الشرطة في دبي في تدوينة أخرى: “الله يعين أهل غزة… إسرائيل تدمر بيوتهم والإخوان يأكلون أموالهم”، حسب قوله.
وأردف خلفان في تدوينة آخرى: “هـؤلاء الذين يسرقون أموال أهل غزة… من الإخوان أنذل لصوص العالم على ظهر المعمورة”، طبقًا لوصفه.
وكتب أحد المعلقين على منشور خلفان: “هل هذا الاقتراح شرعي يا بو فارس؟ هم لا شك أنهم جماعة منحرفة، لكن من الناحية الشرعية هل تجوز مصادرة أملاكهم؟”.
ليرد عليه نائب رئيس الشرطة في دبي بقوله: “لأنهم سرقوا أموال الصدقات والتبرعات لأهل غزة.. المتحصلات من جريمة تُصادر”.
وكان ضاحي خلفان كتب في تدوينة سابقة عبر حسابه على “إكس”: “مليار وثمانمائة وأربعين مليون درهم سرقوها (هوامير الإخوان) من مساعدات الناس لأهل غزة… صحيح.. والا أكثر.. أنا أقول أكثر.. هذا المكشوف”.
التأثير المالي لتصنيف الإخوان على الجمعيات الخيرية في لبنان
يعتمد تأثير التصنيف الأمريكي كـ “منظمة إرهابية أجنبية” (FTO) على ثلاث آليات رئيسية تعمل على عزل هذه الفروع وشبكاتها المالية عن النظام المالي العالمي، حتى لو كانت هذه الجمعيات تقدم خدمات خيرية ظاهرة.
1. آليات التجميد المباشر (دور الخزانة الأمريكية): بمجرد إصدار القرار التنفيذي (كما حدث في نوفمبر 2025)، يتم تفعيل صلاحيات مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية:
حظر الأصول: يتم تلقائيًا تجميد جميع الأصول والممتلكات الخاصة بالكيان المُصنَّف (الجمعيات أو الأفراد) الموجودة تحت الولاية القضائية الأمريكية. ويشمل ذلك أي حسابات مصرفية بالدولار الأمريكي، أو أي تعاملات تمر عبر البنوك الأمريكية أو فروعها حول العالم.
تصنيف الأفراد: يتم إدراج القادة والمسؤولين والمانحين الرئيسيين في هذه الفروع على قائمة المواطنين المحددين خصيصًا.
أي شخص أو كيان يتعامل مع هؤلاء الأفراد المدرجين يصبح معرضًا لعقوبات أمريكية ثانوية.
تحديد واجهات التمويل: يبدأ “الأوفاك” في البحث عن “الواجهات” التي تستخدمها الجماعة لتلقي الأموال (الجمعيات الخيرية، المدارس، المؤسسات الإعلامية). يتم تجميد أصول هذه الواجهات بمجرد إثبات ارتباطها بالتنظيم المصنَّف.
2. العزل عن النظام المالي العالمي: التأثير الأقوى ليس في التجميد المباشر لأموال الإخوان في أمريكا، بل في عزلهم عن الشبكة المصرفية العالمية، وهو ما يُعرف بـ “التأثير المُخيف”:
الخوف من الدولار: تفرض الولايات المتحدة سيطرتها على النظام المالي العالمي من خلال الدولار وشبكة SWIFT (نظام التحويلات البنكية). لا يمكن لأي بنك في لبنان أو تركيا أو قطر أن يتجاهل تصنيف OFAC دون المخاطرة بفقدان قدرته على التعامل بالدولار.
إغلاق الحسابات البارجمتي: تدفع هذه المخاطر البنوك اللبنانية والدولية إلى إغلاق حسابات الجمعيات والأفراد المرتبطين بالجماعة الإسلامية في لبنان بشكل استباقي وفوري، حتى لو لم تصدر الولايات المتحدة أمرًا مباشرًا بهذا الخصوص. الهدف هو تفادي الغرامات الهائلة التي قد تفرضها واشنطن.
وقف التبرعات الدولية: لا يستطيع المانحون الأفراد أو المؤسسات في دول الخليج أو أوروبا (حتى غير المصنّفة للإخوان) إرسال أي تحويلات بنكية إلى هذه الكيانات، خوفًا من تعرضهم للملاحقة الأمريكية بتهمة “دعم الإرهاب”.
3. تقييد شبكات الحشد والتحويل (التأثير على المصادر)
كما أشار التقرير، تعتمد فروع الإخوان على شبكات تمويل عابرة للحدود (دولية):
استهداف الدعم من تركيا/قطر: تستطيع واشنطن استخدام التصنيف للضغط على تركيا وقطر (اللتين توفران منصات مالية وإعلامية للإخوان) لتجميد أصول الجماعة التي تمر عبر أراضيها، وذلك تحت مظلة مكافحة تمويل الإرهاب.
“ضربة مالية”.. كيف يؤثر قرار ترامب على اقتصاد الإخوان؟
يشكل إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تصنيف جماعة الإخوان كمنظمة إرهابية، ضربة قوية للجماعة على المستويين السياسي والمالي، إذ يعد القرار نقطة تحول ستنعكس مباشرة على شبكات التمويل التي اعتمدت عليها الجماعة لعقود.
فالإخوان، رغم تراجع حضورهم التنظيمي في دول عربية عدة، لا يزالون يمتلكون منظومة مالية واسعة تمتد عبر واجهات خيرية وتعليمية وشركات استثمارية وشبكات تحويل غير رسمية، ما يجعل أي خطوة أمريكية ذات طابع عقابي مؤثرة بشكل غير مسبوق على قدرتهم على البقاء في المشهد.
ويرى خبراء اقتصاديون ومراقبون أن القرار الأمريكي يتجاوز كونه خطوة سياسية، ليؤسس لمرحلة جديدة من الرقابة المالية الدولية على الجماعة، بالنظر لكون الولايات المتحدة تملك نفوذًا واسعًا على النظام المالي العالمي، بما في ذلك حركة التحويلات عبر المصارف الدولية، والمؤسسات الرقابية التي تربط بين أوروبا والشرق الأوسط.
وبحسب مختصين، فإن المنظومة المالية للجماعة ستكون الأكثر عرضة للتأثر، فالإخوان، تاريخيًا، استفادوا من فروع في أوروبا وأمريكا الشمالية تمثل نقاط ارتكاز اقتصادية، سواء من خلال جمع التبرعات أو تأسيس مؤسسات غير ربحية تدار تحت غطاء اجتماعي أو ديني، إلا أن القرار الأمريكي سيعيد وضع هذه الكيانات تحت مجهر التدقيق.
وفي حال صدور تصنيف رسمي، ستعامل المؤسسات المرتبطة بالإخوان بالطريقة نفسها التي تعامل بها الكيانات المدرجة على قوائم الإرهاب، ما يعني تجميد أصول، وتعطيل حسابات، ومنع تعاملات مباشرة أو غير مباشرة مع مصارف دولية.
ووفق المادة 219 من قانون الهجرة والجنسية الأمريكي، فإن الآثار القانونية المباشرة داخل الولايات المتحدة لهذا التصنيف يشمل: تجميد فوري لجميع الأموال والممتلكات التي تملكها الجماعة أو تسيطر عليها داخل الولايات المتحدة أو في أي مكان يخضع للولاية القضائية الأميركية، وتجريم تقديم أي دعم مادي أو موارد للجماعة، وتصل العقوبة إلى السجن 20 سنة أو مدى الحياة إذا أدى الدعم إلى وفيات، وإمكانية إغلاق أي جمعية أو مؤسسة أو مركز ديني يثبت تقديمه دعما للإخوان أو تجميد أمواله.
ضربة عابرة للحدود
واعتبر مستشار المركز العربي للدراسات والباحث في الاقتصاد السياسي، أبوبكر الديب، الأمر التنفيذي الذي وقّعه الرئيس ترامب بتصنيف بعض فروع الإخوان كمنظمات إرهابية، بأنه “أقوى ضربة مالية تتعرض لها الجماعة منذ تأسيسها قبل نحو قرن، وتحولًا جذريًا في تعامل واشنطن مع الشبكات المالية العابرة للحدود المرتبطة بها”.
وقال “الديب”، إن “القرار يفتح الباب أمام أكبر عملية تجفيف محتملة لمصادر التمويل التي تعتمد عليها الجماعة في نشاطاتها الداخلية والخارجية، سواء كانت هذه التمويلات مباشرة أو عبر واجهات اقتصادية وخيرية وشركات عابرة للدول، وإدراج فروع الإخوان في مصر ولبنان والأردن يضع مجمل النشاط الاقتصادي للجماعة تحت التدقيق، حين تعتبرها الولايات المتحدة شبكات مالية قد تُسهم في زعزعة الاستقرار أو تقديم دعم غير مباشر لأطراف مسلحة في الإقليم”.
وأوضح إن “اقتصاد الإخوان يعتمد منذ عقود على شبكة مالية غير مركزية تتوزع بين شركات، جمعيات خيرية، استثمارات عقارية، مدارس، أنشطة تجارية، وشركات خدمات، إلى جانب استثمارات أفراد يدينون بالولاء التنظيمي، وقد بني هذا النموذج خصيصا ليكون قابلا للتكيف، وصعبا على الملاحقة المباشرة”.
وشدد الباحث في الاقتصاد السياسي على أن “أهم ما يترتب على القرار هو إمكانية تجميد أي أصول ترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بفروع الإخوان أو المنظمات المشتبه بارتباطها بها داخل الأراضي الأمريكية أو ضمن النظام المالي الأمريكي، بما في ذلك حسابات أفراد ورجال أعمال، أو شركات لها تعاملات بالدولار، بما يجعل أي كيان يدخل ضمن نطاق التصنيف عُرضة لإجراءات شديدة مثل رفض البنوك الدولية التعامل معه، وإغلاق الحسابات المشبوهة، وصعوبة الحصول على تمويلات أو قروض، وتعطيل الأنشطة التجارية التي تعتمد على استيراد أو تصدير عبر بنوك مراسلة أمريكية”.
وأكد أن “هذه الإجراءات ستُحدث اختناقًا ماليًا شديدًا لأن جزءًا كبيرًا من نشاط الإخوان الاقتصادي يعتمد على التحويلات عبر مصارف دولية وليس على النقد المحلي فقط”، معتبرًا أن “العقوبات المالية عادة ما تكون أقوى من العقوبات السياسية، لأنها تعطل الحركة وتكشف الواجهات وتربك الحسابات وتُضعف القدرة على التنظيم”.
قطع الشرايين الاقتصادية
ويرى الباحث المتخصص في الجماعات الإسلامية والإرهاب، منير أديب، أن “التنظيم يواجه حالة أفول تؤثر بشكل مباشر على وجوده السياسي وقدرته على النشاط والفعالية، ليس فقط داخل الولايات المتحدة وأوروبا، بل أيضًا في منطقة الشرق الأوسط، وبالأخص في بلد المنشأ مصر”.
وأوضح “أديب”، أن “تأثير القرار الأمريكي سيمتد ليشمل الشبكة الاقتصادية التي يمتلكها التنظيم، خاصة أن الولايات المتحدة وأوروبا وفرتا حتى وقت قريب ملاذًا آمنا للتنظيمات المتطرفة، وفي مقدمتها جماعة الإخوان، والقرار التنفيذي الذي أصدره ترامب يترجم من خلال إجراءات تصدرها وزارة الخارجية والخزانة الأمريكية، بما في ذلك مصادرة أموال وممتلكات الجماعة والواجهات التابعة لها، مثل مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية كير في واشنطن وباقي الولايات الأمريكية بعد تكساس”.
وأشار الباحث إلى أن “قطع شرايين التنظيم الاقتصادية” سيكون له أثر بالغ على نشاطه وحضوره في الشرق الأوسط، خاصة إذا تبنت دولًا أوروبية أخرى إجراءات مشابهة للقرار الأمريكي المتوقع.