تحقيق: إيهاب قزمان
أثار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جدلاً واسعًا بعد تصريحاته الأخيرة بشأن سد النهضة الإثيوبي، وذلك خلال لقائه مع الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، في البيت الأبيض، واصفًا إياه بأنه يعيق تدفق مياه النيل إلى مصر، ومشيرًا إلى رغبته في “حل الأزمة بسرعة”.
قال ترامب أمام الصحفيين، وفي سياق حديثه عن عدد من المناطق الساخنة حول العالم التي يسعى إلى احتواء أزماتها، حسب تعبيره: “نحن وإثيوبيا أصدقاء لكنهم بنوا سدًا منع وصول المياه إلى نهر النيل”، مشيرًا إلى أن النيل منبع حياة ومورد دخل مهم للغاية بقوله: “إنه حياة مصر”.
وأضاف ترامب: “أعتقد أن الولايات المتحدة موَّلت السد، لا أعلم لماذا لم تُحل المشكلة قبل البناء. لكن من الجيد أن يكون النيل مليئًا بالمياه”.
وبعد ساعات من هذه التصريحات، رحب الرئيس عبد الفتاح السيسي بما ورد على لسان ترامب، معربًا عن تقديره لما وصفه بـ “جدية الإدارة الأمريكية تحت قيادته في حل النزاعات”، ومؤكدًا أن “مصر تثق في قدرة ترامب على إنهاء هذا الملف”.
وقال السيسي في تدوينة عبر حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي: “نُثمِّن حرص الرئيس ترامب على التوصل إلى اتفاق عادل يحفظ مصالح الجميع حول السد، وتأكيده على ما يمثله النيل لمصر كمصدر للحياة”.
وأضاف السيسي أن مصر تدعم رؤية ترامب في إرساء السلام والاستقرار في مناطق النزاع، سواء في أفريقيا أو أوكرانيا أو الأراضي الفلسطينية.
تأتي تصريحات ترامب قبل أسابيع من الموعد المقرر لافتتاح السد رسميًا في سبتمبر المقبل، وهو ما أعاد – بحسب متابعين – تسليط الضوء على أحد أكثر الملفات تعقيدًا في علاقات دول حوض النيل، في ظل فشل جميع جولات التفاوض الثلاثية السابقة في التوصل إلى اتفاق ملزم.
موقف ترامب ليس جديدًا ووزير خارجيته يتجاهل الأمر في اتصاله برئيس الوزراء الأثيوبي
انخراط ترامب في ملف سد النهضة ليس جديدًا، ففي أكتوبر 2020، وخلال ولايته الأولى، أدلى بتصريحات قال فيها إن مصر قد تكون مضطرة إلى “نسف السد”، وذلك خلال مكالمة هاتفية مع رئيس وزراء السودان حينها، عبد الله حمدوك.
حينها، لم يرد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد مباشرة، لكنه قال في بيان: “إن إثيوبيا لن ترضخ لأي عدوان من أي نوع. لم يركع الإثيوبيون يومًا أمام أعدائهم، بل احترموا أصدقاءهم. ولن نفعل ذلك اليوم ولا في المستقبل”. وأضاف أن التهديدات بشأن هذه القضية تُعد “مضللة، وغير مجدية، وانتهاكًا واضحًا للقانون الدولي”.
وفي بيان منفصل آنذاك، قالت وزارة الخارجية الإثيوبية إن “التحريض على الحرب بين إثيوبيا ومصر من قِبل رئيس أمريكي حالي لا يعكس الشراكة طويلة الأمد والتحالف الاستراتيجي بين إثيوبيا والولايات المتحدة، ولا يُقبل به في القانون الدولي الذي ينظم العلاقات بين الدول”.
وكانت إدارة ترامب قد قررت في عام 2020 قطع 100 مليون دولار من المساعدات الأمريكية لإثيوبيا، قبل أن يعيدها الرئيس جو بايدن بعد توليه السلطة.
وسبق واستضافت الولايات المتحدة في عام 2019، خلال الولاية الأولى لترامب، عدة جولات من المحادثات بين مصر والسودان وإثيوبيا بمشاركة البنك الدولي، لكنها فشلت أيضًا بعد اتهامات إثيوبية لواشنطن بالتحيز لموقف مصر.
وعقب عودته للبيت الأبيض مستهل العام الجاري، كان ملف السد أيضًا محور أول اتصال هاتفي بين ترامب والسيسي في فبراير من العام الجاري، بحسب بيان البيت الأبيض عقب الاتصال، دون توضيح بشأن ماهية ما تم نقاشه في هذا الشأن بالاتصال.
كما أعرب ترامب في تدوينة خلال يونيو الماضي عن استهجانه لتمويل الحكومة الأمريكية لسد النهضة، وهو ما نفاه مسئول بارز في اللجنة المعنية بالسد.
في المقابل، نفت إثيوبيا على الفور مزاعم ترامب، مؤكدةً أن السد تم تمويله بالكامل من موارد داخلية ومساهمات شعبية، دون أي دعم خارجي.
ورغم الحديث المتكرر للرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن العمل على إيجاد حل لنزاع «سد النهضة» بين مصر وإثيوبيا، فإنه كان من اللافت أن وزير خارجيته ماركو روبيو أجرى اتصالاً هاتفيًا مع رئيس وزراء الإثيوبي آبي أحمد، لكن بيان الخارجية الأمريكية خلا من أي إشارة صريحة لمناقشة القضية، كما أن أديس أبابا لم تُصدِر أي بيانات أو تقدم معطيات حول ما جرى في هذا الاتصال حتى الآن، وهو ما أثار تساؤلات حول حقيقة الدور الأمريكي في التوسط لحل النزاع.
هل يساوم ترامب مصر… النيل مقابل التهجير؟
“لو كنتُ مكان مصر لرغبتُ في الحصول على مياه نهر النيل”، بهذه الكلمات تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن أزمة سد النهضة، الذي شيدته إثيوبيا على مجرى النيل الأزرق، مما أدى إلى تعقيد عملية وصول المياه إلى مصر. لم تكن هذه المرة الأولى التي يخوض فيها ترامب في هذا الملف، بل هي المرة الثالثة في فترة زمنية قصيرة، ركز خلالها على توجيه التصريحات تحديدًا نحو “سد النهضة”، وليس فقط تجاه مصر أو إثيوبيا.
يرى البعض أن من المنطقي الربط بين تصريحات ترامب وقضايا أخرى، أبرزها بالطبع غزة، خصوصًا وأن النزاع لم يظهر على خارطة اهتمامات الرئيس الأمريكي في ولايته الثانية إلّا تزامنًا مع انخراطه في اتفاق الهدنة بين إسرائيل وإيران، ثم في أعقاب زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن وطرح لخطط تهجير الشعب الفلسطيني من غزة إلى سيناء أو سيطرة مصر على القطاع.
بدا الأمر وكأن ترامب يفتح بابًا للمساومة؛ النيل مقابل التهجير كخيار أول وأخطر، أو سيطرة مصر على غزة، أو بالحد الأدنى توريطها بشكل أكبر في البحث عن حل مُرضٍ لنتنياهو ينهي خطر المقاومة ويدجِّن القطاع إلى الأبد.
رئيس وزراء إثيوبيا يوجه دعوة مفاجئة لمصر: لن يستطيعوا تعطيل افتتاح السد، وزير خارجية مصر يرد: مصر تحتفظ بحقها في الرد
وجه رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد دعوة مفاجئة لمصر والسودان لحضور افتتاح سد النهضة في سبتمبر المقبل.
وقال أحمد في تصريحات أمام البرلمان الإثيوبي نقلتها وسائل إعلام إثيوبية: “انتهى بناء سد النهضة سنفتتحه مع انتهاء فصل الصيف في شهر سبتمبر، هناك من يحاول تعطيله قبل افتتاحه لكننا سنفتتحه. ورسالتي لدول المصب هي أن سد النهضة نعمة لمصر والسودان”.
وتابع: “التنمية والطاقة التي ستأتي ستفيد جميع الدول، وسد أسوان المصري لم يقل لترًا واحدًا من المياه”.
ونوه بأن طالما أن إثيوبيا مزدهرة ومتطورة، فلا نريد أي ضرر لإخواننا المصريين والسودانيين. سنستخدم الطاقة والمياه معًا والتنمية والنمو قادمان، وإثيوبيا لا تزال مستعدة للحوار والتفاوض والعمل مع دول المصب.
وقال مدير مكتب تنسيق مشروع سد النهضة الإثيوبي أريغاوي برهي إن نسبة إنجاز السد تجاوزت 98.9%، ما يقرب البلاد من “تحقيق حلمها القومي بعد 14 عامًا من العمل”.
وردًا على الدعوة قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إن إعلان إثيوبيا دعوة مصر لحضور افتتاح سد النهضة “عبث”، مؤكدًا احتفاظ مصر بحقها في الدفاع الشرعي عن نفسها وعن مصالحها المائية إذا حدث أي ضرر.
وأوضح “عبد العاطي”، أن المياه قضية وجودية بالنسبة لمصر، وهي “ليست عصية على الحل إذا توافرت الإرادة السياسية وحسن النية لدى إثيوبيا”، مشيرًا إلى أن 13 عامًا من المفاوضات “أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أنه لم تكن هناك إرادة سياسية للتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم”.
وأشار إلى أن لإثيوبيا الحق في التنمية ولكن لمصر الحق في الحياة والوجود، معقبًا على تصريحات المسؤولين الإثيوبيين المتكررة حول نية التفاوض، بقوله إن مصر تريد أن تقترن الأقوال بالأفعال، “فقد شبعنا من الأقوال والكلام المعسول، نريد أفعالًا على الأرض باتفاق قانوني ملزم”.
مسؤول إثيوبي: سد النهضة ليس النهاية
قال الرئيس التنفيذي لمكتب تنسيق سد النهضة الإثيوبي أريجاوي برهي، إن بلاده في حاجة لمزيد من السدود المائية لتحقيق التنمية في قطاعي الزراعة والطاقة وأن “سد النهضة ليس نهاية المطاف”.
وأضاف أريجاوي، في حديثه أمام وسائل الإعلام الإثيوبية، أن مشروع سد النهضة خطوة أولى ضمن مسار طويل من التنمية الذاتية التي تقودها البلاد في قطاع المياه والطاقة، مؤكدًا أن “إثيوبيا لا يمكنها الاكتفاء بسد واحد فقط”.
وأشار إلى الحاجة إلى إنشاء سدود إضافية تخدم أغراضًا حيوية، على رأسها دعم القطاع الزراعي باعتباره ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني والأمن الغذائي في البلاد، معتبرًا أن إثيوبيا تأخرت في استغلال مواردها المائية مقارنة بدول أخرى سبقتها.
وواصل: “لن نتوقف عند سد واحد فقط، بل نحتاج إلى سدود تخدم أغراضًا أخرى، بما في ذلك الزراعة”. واعتبر أن مشروع سد النهضة هو بداية تصحيح هذا المسار، وخطوة استراتيجية نحو اللحاق بركب التنمية.
وذكر أن سد النهضة أُنجز بتمويل داخلي كامل دون الاعتماد على قروض أو مساعدات أجنبية، وذلك ردا على ما كشفه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بتمويل الولايات المتحدة للسد.
تأثر حصة مصر المائية.. شراقي: مصر ستفقد ربع حصتها المائية ولكن السد العالي يستطيع التعويض
رصدت الدكتورة نجلاء مرعي، الخبيرة المصرية في الشئون الأفريقية، بعض الأضرار المتوقعة على مصر جراء السد الإثيوبي، وأوضحت أن «بحيرة السد العملاقة ستخزن عند انتهائها 74 مليار م3 من المياه؛ وهو ما سيؤدي إلى نقص في حصة مصر بنسبة 9 إلى 12 مليار م3 في العام، فضلاً عن انخفاض توليد الكهرباء من السد العالي، بنسب تتراوح ما بين 20 في المائة و30 في المائة، أي بمقدار 600 ميغاواط تزداد إلى 1200 ميغاواط مع التغيرات المناخية، وتعميق الفجوة الغذائية إلى 75 في المائة، حيث تبلغ حاليًا نحو 55 في المائة من إجمالي احتياجاتنا من الغذاء».
وفي غياب اتفاق ينظم قواعد ملء وتشغيل السد، فإن المشروع، بحسب مرعي، «قد يؤدي إلى عجز متراكم للمياه بمصر يبلغ نحو 120 مليار متر مكعب؛ مما سيساهم بدوره في تقليل سبل الحصول على مياه الشرب النظيفة، ويحرم ملايين العاملين في قطاع الزراعة من المياه اللازمة لري أراضيهم، ويدمر آلاف الأفدنة من الأراضي الزراعية».
ومن جانبه قدَّر الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، أن مصرستفقد نحو 12 مليار متر مكعب من مياه النيل هذا العام، وهو ما يقترب من ربع حصتها المائية. لكنه أشار في تدوينات على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك»، إلى أن «هذا لن يتأكد إلا بنهاية العام المائي».
وأوضح الخبير المائي المعني بالقضية، أن السد العالي «يستطيع تعويض هذا الفارق من المياه» بشكل مؤقت، لافتًا إلى أن مخزون السد العالي «سينخفض خلال الأشهر المقبلة بمقدار يعادل كمية التخزين الرابع، إلا أنه سوف يستقبل خلال العام المائي 2024 – 2025 نحو 50 في المائة على الأقل من هذا التخزين (نحو 10-15 مليار متر مكعب) من خلال فتحتي التصريف، ومن تشغيل أي توربينات».
وبحسب بيانات الخبير المصري، فإن منسوب بحيرة سد النهضة وصل قبل يومين إلى 616 مترًا فوق سطح البحر، بعد تخزين نحو 14 مليار متر مكعب كتخزين رابع، ليصبح إجمالي التخزين نحو 31 مليار متر مكعب. ووفق الهيئة الحكومية الإثيوبية المسئولة عن المشروع، فقد اكتملت 98 في المائة من عمليات البناء.
بحيرة ممتلئة وتوربينات متوقفة.. فلَّم تحجز إثيوبيا مياه سد النهضة؟
رغم امتلاء بحيرة سد النهضة بكمية هائلة من المياه بلغت 60 مليار متر مكعب بعد انتهاء التخزين الخامس والأخير في سبتمبر 2024، إلا أن توربينات توليد الكهرباء الموعودة لم تعمل بعد، ما يثير تساؤلات عن الأسباب الحقيقية وراء احتجاز إثيوبيا هذا المخزون الضخم من المياه، دون استفادة ملموسة في إنتاج الكهرباء.
طرح الدكتور عباس شراقي، أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، هذا التساؤل في تعليق على صفحته بـ”فيسبوك”، وقال: “قبل أن أجيب عن التساؤل، دعنا أولاً نتفق على أن أبرز الأهداف المعلنة لسد النهضة الإثيوبي هو إنتاج الكهرباء”.
وأطلق رئيس الوزراء الإثيوبي، آبيي أحمد، رسميًا عملية إنتاج الكهرباء من سد النهضة في 20 فبراير 2022، عندما رافقه رئيسا مجلس النواب والمحكمة العليا ورؤساء إقليميون ووزراء بجولة في محطة توليد الطاقة، وضغط مجموعة من الأزرار على شاشة إلكترونية، في خطوة توثق رسميا إطلاق عملية الإنتاج، وذكرت وسائل الإعلام الرسمية آنذاك أن السد بدأ بتوليد 375 ميجاوات من الكهرباء من أحد توربيناته، وأشارت إلى أنه سيكون قادرًا على توليد 5150 ميجاوات عند اكتماله، وهو ما يعادل إنتاج إثيوبيا من الكهرباء.
ورغم مرور ثلاث سنوات على هذا الإعلان، إلا أن السد، الذي كان مقررًا أن يستوعب 13 توربينًا لتوليد الكهرباء، لم يتم تركيب سوى أربعة منها فقط، وقد كانت تعمل على فترات متقطعة، ومن المرجح، وفقًا لشراقي، أنها كانت تتناوب على استخدام الإيراد اليومي من المياه (20 مليون متر مكعب في فبراير)، الذي لا يكفي لتشغيل توربين واحد بكفاءة كاملة.
ويفسر شراقي استنتاجه بأن “التخزين الخامس والأخير للمياه في بحيرة السد، الذي انتهى في 5 سبتمبر 2024 عند منسوب 638 مترا فوق سطح البحر بإجمالي 60 مليار متر مكعب، لم ينقص منذ ذلك التاريخ، وفي حالة تشغيل التوربينات، كان لا بد من سحب المياه بعد انتهاء موسم الأمطار في أكتوبر، وعليه، فإن ثبات مستوى البحيرة يدل على أنه يعتمد فقط على الإيراد اليومي (20 مليون متر مكعب)، الذي لا يكفي لتشغيل توربين واحد بكفاءة كاملة”.
وعلى عكس توقعات بعضهم، يشير شراقي إلى أن من مصلحة مصر والسودان أن تعمل توربينات سد النهضة بكامل طاقتها، لأن ذلك يعني مرور المياه المستخدمة في توليد الكهرباء إلى السودان ومصر، لذلك، فإن بناء السد بهذه المواصفات المبالغ فيها لحجز 64 مليار متر مكعب يثير الشكوك في وجود دوافع سياسية وراء بناء هذا السد.
النوايا الأخرى غير توليد الكهرباء التي وصفها الدكتور عباس شراقي بـ”السياسية” كان للمهندس والأكاديمي المصري في اليابان، الدكتور المهندس محمد سيد علي حسن، توصيف آخر لها. فقد قال أن الهدف الواضح هو أن هذا السد عبارة عن وعاء ضخم لتخزين المياه، ربما للضغط على دول المصب في سنوات الجفاف.
ورغم تأكيده على ضرورة دفاع دولتي المصب (مصر والسودان) بكل قوة عن حصتيهما من المياه، شدد حسن على أن تكون الدولتان جاهزتين بحلول بديلة، لأن ذلك سيخفف عنهما كثيرًا من الضغوط التي قد تمارس عليهما في سنوات الجفاف.
من جانبه، لا ينكر الدكتور هشام العسكري، أستاذ نظم علوم الأرض والاستشعار من بعد بجامعة تشابمان الأمريكية، والنائب السابق لرئيس وكالة الفضاء المصرية، أن المشهد الحالي يدعو إلى التساؤل. وقال العسكري: “نحن أمام مشهد محير، حيث إن منسوب البحيرة لم يتغير، ورغم تركيب أربعة توربينات، لا تزال المياه محتجزة بكميات ضخمة تمثل حملاً غير مرغوب فيه على القشرة الأرضية”.
وأضاف: “الأمر المقلق هو أن هذه الكمية الضخمة من المياه يجب التنسيق بشأنها مع دول المصب لاستيعاب المياه التي ستطلق، خصوصًا مع قدوم موسم الأمطار القادم، والتجارب السابقة قد تجعلنا نخشى من سيناريو كارثي، حيث أدى غياب التنسيق إلى حدوث فيضانات أحيانًا وجفاف أحيانًا أخرى في السودان، أما الوضع في مصر، فيبدو مطمئنًا إلى حد ما بفضل السد العالي، الذي يمكنه استيعاب كميات من المياه، ويتم تصريف كميات أخرى إلى مفيض توشكى”.
ومع تقدير د. عصام حجي، الأستاذ في كلية فيتربي للهندسة بجامعة جنوب كاليفورنيا، للاهتمام بمتابعة تطورات سد النهضة، التي يرى أنها تهم كل مواطن في دولتي المصب، إلا أنه يرى أن هناك تسرعًا في طرح بعض التساؤلات.
يقول حجي: “إثيوبيا حريصة على أن يكون ارتفاع المياه خلف سد النهضة 638 متراً، لأن هذا المستوى هو الذي سيسمح بتشغيل التوربينات بأعلى كفاءة ممكنة، وليس بالضرورة أن عدم تشغيلها حتى الآن، يعني وجود أهداف سياسية أو غيرها، ولذلك فإن أي استنتاجات متعجلة بهذا الصدد غير مبررة”.
ويضيف: “يمكننا طرح التساؤل مستقبلاً، إذا تبين أنه لا توجد نية لتشغيل التوربينات، وهو أمر يبدو لي مستبعدًا، لأن إثيوبيا بلد كبير وفي أمس الحاجة لموارد الطاقة، وليس من المعقول أن تنفق 5 مليارات دولار في مشروع لأهداف سياسية فقط”.
وأضاف: “الوضع في السودان يبدو مرتبكاً بسبب أجواء الحرب التي أثرت على عمل السدود السودانية، ولا أتفق مع من يقلل من تأثير هذا الوضع على مصر، لأن السد العالي ممتلئ ومفيض توشكى استقبل كميات كبيرة من المياه أخيرًا، ما أدى إلى ظهور بحيرات جديدة، لذا يجب دراسة كيفية استيعاب كميات المياه المتوقع إطلاقها من إثيوبيا”.
وعن الحديث المتداول من أن توليد الكهرباء من سد النهضة يخفي وراءه أهدافًا أخرى، لوجود وسائل أخرى متاحة لإنتاجها، مثل الطاقة الشمسية، قال حجي: “ليس صحيحا أن الشمس مشرقة في إثيوبيا طوال العام، ولذلك فهي ليست المكان المثالي للاستثمار في الطاقة الشمسية، كما أن الطاقة الشمسية مكلفة ولا توفر إنتاجا على مدار اليوم، لذا فهي مكملة فقط لإنتاج الكهرباء بالطرق التقليدية”.
خطط مصر لمواجهة نقص المياه.. تغيُّر خريطة مصر الزراعية، و”الاستمطار الصناعي”
تعرضت خريطة مصر الزراعية لتغيير ملحوظ في السنوات القليلة الماضية في إطار الإجراءات التي اتخذتها السلطات من أجل كسر حدة الأثر المحتمل على حصة مصر من مياه النيل بسبب بناء سد النهضة.
واتخذت الحكومة المصرية في السنوات القليلة الماضية قرارات بتحديد مساحات لزراعة محاصيل بعينها، وهي المحاصيل التي تستهلك كميات كبيرة من المياه، مثل الأرز والموز وقصب السكر.
ولكن قرار تخفيض مساحة زراعات الأرز ومنع التصدير اتخذه الوزير رشيد محمد رشيد عام 2010 قبل السد الإثيوبي الذي تأسس في أبريل 2011، وبالتالي فإن تخفيض زراعات الأرز لم يكن من أجل التغلب على الأضرار المتوقعة من السد بل بسبب ما نمر به من عجز مائي بالفعل.
اتخذت مصر قرارات “باستبدال جزء من زراعة قصب السكر ببنجر السكر (الشمندر السكري)، ومنع زراعة الموز في بعض الأماكن، ومشروع 100 ألف فدان صوبات زراعية” للحد من الآثار المحتملة لسد النهضة.
ومن الحلول التي يقترحها الأكاديمي المصري في اليابان، الدكتور المهندس محمد سيد علي حسن هو “الاستمطار الصناعي”، مشيرًا إلى أن مصر يمكنها تنفيذ هذا المشروع في منطقة جبل الطور بسيناء وجبل رأس غارب في الجهة المقابلة بمحافظة البحر الأحمر.
والاستمطار الصناعي هو محاولة لزيادة هطول الأمطار صناعيًا، وبالرغم من فوائده، إلا أن له بعض الأضرار، لذلك من الممكن تطبيقه فترة زمنية محددة، حتى يتكون غطاء نباتي طبيعي يكفي لجعل الأمطار تسقط طبيعيًا لعدة قرون قادمة.
وأوضح أن اختيار تلك المناطق يرجع إلى عدة أسباب طبوغرافية ومناخية وديموغرافية، منها وجود العديد من الأودية الجافة في جبال البحر الأحمر، التي كانت أنهارًا جفت منذ آلاف السنين، كما أن الغيوم توجد في تلك المناطق سنويًا لمدة سبعة أشهر، لكنها لا تمطر إلا نادرًا.
وأشار حسن أيضًا إلى سبب ديموغرافي، حيث يهدف هذا المقترح إلى إعادة توزيع سكان مصر عن طريق زيادة الرقعة الزراعية وتوفير مصادر جديدة للمياه العذبة للزراعة والشرب في مناطق يصعب وصول الماء العذب إليها، مثل مدن سيناء والمدن المطلة على البحر الأحمر (رأس غارب والجونة والغردقة والقصير ومرسى علم).