ما من شك في أنه على الإنسان العاقل، أي إنسان، في أي مكان أو زمان، عليه أن يحاسب نفسه، ويراجع تاريخه، ويقارن بين ما هو عليه اليوم وما كان عليه منذ عام مضى، ولا بد له أن يضع أسسًا ومعايير، وربما أرقامًا، واقعية مؤكدة لكل عنصر من عناصر ومجالات حياته، واتخاذها نقطة مرجعية له في حياته ليقيس عليها مدى تقدمه أو تأخره في أمر ما، هذا على مستوى الفرد. أما على مستوى الجماعة أو الهيئة أو المؤسسة، وخاصةً الكنيسة، فهذا أمر حتمي لا بد من حدوثه إن كنا نبغي حقًا معرفة مدى تقدم الكنيسة أو تقهقرها في مجالات خدماتها المتعددة لأعضائها والمترددين عليها والمحيطين بها، فلا بد من دراسة للكنيسة المحلية والعامة فيما يختص بالكرازة، والإرسالية، والتعليم، والترنيم، وعدد خدامها، وأماكن توزيع الكنائس، وعلاقة كل كنيسة بخادمها أو قسيسها، وعلاقة الكنيسة بالمسيحيين عامةً باختلاف المذاهب أو الطوائف، وعلاقة رياسات الكنيسة بعضهم ببعض، وعلاقتها ككنيسة أو كمذهب أو طائفة بالحكومة وبالرياسات الأرضية، وعلاقاتها برجل الشارع، المسلم العادي، والهيئات والجماعات الإسلامية، مسالمة كانت أم متطرفة، وغيرها من الأمور الكثير والذي لا يمكن حصره في مقال أو حتى كتاب واحد.
ولستُ أعتقد أن هناك كنيسة واحدة في مصر كلها تقوم بعمل ما أوجزتُ عاليه من حساب نفسها، ووضع نتائج هذا الحساب على الورق، ثم تعلنه لأعضائها، وتضع لهم خطة مستقبلية للتقدم والنهوض بالكنيسة، وتصحيح ما قد يوجد بممارستها في المجالات السابقة من خطأ أو أخطاء، هذا إن رأت الكنيسة أن هناك خطأ ما في أي مجال من المجالات التي أشرتُ إليها سابقًا، رغم أنه لا بد من وضع خطة متعددة الجوانب مبنية على مبدأ وقانون السماء الإلهي “رأى الروح القدس ونحن” ومنفذة بمبدأ الاتكال الكلي على شخص المسيح في تنفيذها بواسطتنا نحن المؤمنين الأحياء على الأرض اليوم، فالمسيح هو الذي قال: “بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا”.
وهذا ما جعلني أفكر وأبحث وأكتب في هذا الموضوع الشائك، ويعلم الله، وهو على ما أقوله شهيد، أن الهدف من كتابة هذا المقال لا لدينونة الكنيسة وقادتها، ولا لإظهار تقصيرهم في كثير من المجالات، ولا لتحميلهم المسئولية الروحية والمجتمعية لما وصلت إليه الكنيسة اليوم من ضعف وخوف ومجاملة لأعداء صليب المسيح، ولا لمشابهتها للعالم الذي تعيش فيه وغيرها من العناصر الكثير، بل الهدف من كتابة ما أكتبه الآن هو لمساعدة الكنيسة على الاستيقاظ من غفلتها، ومعاونتها في تقييم حالها، التقييم الصحيح، ووضع بعض المقترحات التي لو أخذت بها الكنيسة بإرشاد السماء، وعمل الروح القدس، لأصبحت كنيسة اليوم أقوى من كنيسة الأمس، الكنيسة الأولى.
ولعله من الأمانة في كتابة وطرح هذا الموضوع الخطير الذي يُظهِر مدى نجاح الكنيسة الأولى وفشل كنيسة اليوم، توضيح أن هناك أربعة أمور لا بد من أن ننتبه إليها ولا بد من أن نأخذها في الاعتبار ونحن نفحص ما كان في الكنيسة الأولى وما هو الحال اليوم في كنيسة اليوم:
1- الحالة الروحية والمادية التي كان عليها تلاميذ المسيح الذين هم مؤسسو الكنيسة الأولى.
2- عدد التلاميذ في الكنيسة الأولى وعدد القسوس والمبشرين في كنيسة اليوم.
3- مفهوم النجاح في الكنيسة الأولى والنجاح في كنيسة اليوم.
4- موقف الكنيسة الأولى من الروح القدس وعمله ومكانته في وسطهم، وموقف كنيسة اليوم منه، تبارك اسمه.
والآن لنبحث ما أوجزتُ في النقاط السابقة:
1- الحالة الروحية والمادية التي كانت عليها الكنيسة الأولى:
لا شك أن الحالة الروحية للكنيسة الأولى كانت في مجملها تفوق بمراحل حالة كنيسة اليوم في جودتها ونشاطها وتكريسها للرب والذهاب للعالم أجمع والكرازة بالإنجيل للخليقة كلها، على عكس ما هو قائم اليوم في كنيسة اليوم منذ قرون عديدة، لكن لا بد من الاعتراف بأنه كان في الكنيسة الأولى كل ما بها اليوم، من خلاف وشجار بين أعضائها وتحزبات، فهذا يقول: “أنا لبولس وأنا لأبلوس وأنا لصفا وأنا للمسيح (كنيسة كورنثوس)”، وبها ديوتريفس الذي يريد أن يكون الأول، مَنْ كان يمنع أعضاء الكنيسة من استضافة الرسل والذي كان يهذر على الرسل بأقوال خبيثة، والذي كتب عنه يوحنا الرسول: “ديوتريفس الذي يحب أن يكون الأول بينهم لا يقبلنا. من أجل ذلك، إذا جئتُ فسأذكِّره بأعماله التي يعملها، هاذرًا علينا بأقوال خبيثة. وإذ هو غير مكتف بهذه، لا يقبل الإخوة، ويمنع أيضًا الذين يريدون، ويطردهم من الكنيسة”، وفيها مجاملة الأغنياء على حساب الفقراء (رسالة يعقوب)، وبها أخطاء سلوكية وكتابية روحية حتى مع بطرس الرسول في معاملته للإخوة الأمم في وجود اليهود مما دعا بولس لأن يقول عنه: “ولكن لما أتى بطرس إلى إنطاكية قاومته مواجهة، لأنه كان ملومًا”، وفيها خلاف بولس الرسول وبرنابا بسبب مرقس حتى ترك أحدهما الآخر وذهب كل منهما مع شخص آخر للكرازة، وغيرها الكثير والكثير من الخلافات والانشقاقات التي كانت بين الرسل في كنيسة الرسل الأولى. ولكن مع كل هذه الخلافات التي كان المؤمنون يعانون منها في الكنيسة الأولى، كان هناك جسد يعرف بأنهم الأعمدة الذين عرفوا مهمتهم التي كلفهم بها رب المجد يسوع: “اذهبوا للعالم أجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها”، وكان لديهم الاستعداد لأن يتحملوا الإهانات والألم والاضطهاد والمعاناة والحاجة المادية من أجل المسيح وانتشار كلمته في العالم أجمع. وليس أدل على ذلك من قول بولس الرسول: “إلى هذه الساعة نجوع ونعطش ونُعرى ونُلكم وليس لنا إقامة، ونتعب عاملين بأيدينا. نُشتم فنبارك. نُضطهد فنحتمل. يُفترى علينا فنعظ. صرنا كأقذار العالم ووسخ كل شيء إلى الآن”. أما اليوم فما عاد أحد من الخدام يقول ما قاله بولس عما عانى منه خدام الكنيسة الأولى، فلا جوع ولا عطش ولا عري ولا لَكْمْ، وليس أحد من الخدام اليوم بلا إقامة، ولا يتعبون عاملين بأيديهم لسداد حاجاتهم وحاجات الآخرين الذين يخدمونهم، وإذا شُتم أحدهم يعرف كيف يشتم عوضًا، وإن اضطُهد أحد أسرع بتقديم حالته للجوء إلى أمريكا وغيرها من البلاد، وليس هناك من يستطيع أن يقول عن نفسه: “صرنا كأقذار العالم ووسخ كل شيء إلى الآن”.
2- عدد التلاميذ والخدام في الكنيسة الأولى وعدد القسوس والمبشرين في كنيسة اليوم:
ليست هناك مقارنة عادلة بين عدد تلاميذ وخدام الكنيسة الأولى وبين عددهم اليوم بالنسبة لعدد السكان يومئذٍ وعدد السكان اليوم، فلو كان عدد خدام وقسوس الكنيسة الأولى يقاس بالعشرات، فعددهم اليوم يقاس بعشرات الآلاف، ومع ذلك فقد قيل عن خادمين اثنين فقط ممن كانوا في الكنيسة الأولى، عندما ذهبا إلى مكدونية، قيل عنهم: “إن هؤلاء الذين فتنوا المسكونة حضروا إلى ههنا أيضًا”، أي أن زيارة أو وجود واحد أو اثنين منهم في مدينة ما، يجعل المدينة كلها تشعر بوجودهم وتهتز، لأن رسالتهم، رسالة السماء التي يحملونها ويقدمونها خالصة، دون خمير في التعليم، وغير غاشين كلمة الله بل مفصّلين كلمة الحق بالاستقامة، تجعل وجودهم في أي مكان يُسمع ويُعرف بين قوات الشر الروحية في السماويات، فتحاول إسكاتهم بكل الطرق على الأرض.
أما كنيسة هذه الأيام، فيطوف الكثيرون من خدامها البلاد والأقطار ويركبون المراكب والطيارات، ويُنفق عليهم آلاف الدولارات، وخاصةً من الكنائس العربية في الغرب، لكي يأتوا من مصر أو من البلاد العربية ليعظوا ويعقدوا اللقاءات والمؤتمرات بدعوة من قادة أو قسوس تلك الكنائس العربية الأمريكية أو الأوروبية دون إرشاد من الله لدعوة خادم بعينه. وللتدليل على ما أقول فهنالك خمسة قسوس أو وعاظ على الأكثر هم كل الذين تجدهم متكلمين في كل مؤتمرات الكنائس العربية الأمريكية والأوروبية وثلاثة أو أربعة من المرنمين المشاهير هم الذين يصاحبونهم أو يحيون حفلاتهم في الكنائس بمفردهم.
وتحضرني قصة شهيرة حدثت معي أنا شخصيًا في هذا الأمر. اتصل بي واحد من أصدقائي وأحبائي الغاليين على قلبي جدًا من المرنمين بالشرق الأوسط، ولا داعي لذكر من أي قطر في الشرق الأوسط كان هو يعيش يومها حتى لا تُكشف هويته. قال لي صديقي المرنم: “قسيس ناجي، أنت تعرف كم أنا أحبك وأقدِّرك وأن مكانتك عندي كبيرة، ولذا فأنا لا يمكنني أن آتي إلى المدينة التي أنت فيها دون أن تكون أنت على علم بذلك، فقد تحدثتُ مع القسيس فلان من مدينتكم في سان دييجو وطلب مني الحضور للترنيم في اجتماعين بكنيسته يومي السبت والأحد، القادمين، أي بعد أسبوع واحد من الآن، وبالطبع أخبرتُ القسيس أنني في أي مرة آتي إلى مدينتكم لا بد لي من النزول في بيتك أنت لأني أحب أن أقضي وقتًا معك ومع الأخت أماني”. وقبل أن يكمل صديقي المرنم كلامه قاطعته أنا وقلتُ له: “أهلًا وسهلًا بك، البيت بيتك ونحن نفرح ونتشرف بنزولك في بيتنا”. قاطعني صديقي وقال لي: “أشكرك لكن انتظر لسماع باقي القصة”. قلتُ: “تفضل أكمل”. قال لي: “رفض القسيس أن أنزل عندكم وقال لي: ‹لا بد أن تنزل في بيت المرنم الذي يقود الترنيم في كنيستنا›. أجبتُ صديقي: “من حقه، فهو الذي دعاك فشيء طبيعي أنه لا يوافق على نزولك في بيتي. على كل حال لا بد أننا سنقضي وقتًا معًا في بيتنا، ولو كنت أخبرتني بمجيئك بمدة كافية لكسبناك عندنا في الكنيسة أيضًا حتى لاجتماع واحد”. أجابني صديقي المرنم وقال: “صدقني يا قسيس ناجي أنا عرفتُ أني سآتي إلى مدينتكم من يومين فقط”. سألته مستغربًا: “عرفت أنك جاي عندنا من يومين فقط وستأتي بعد أيام قليلة؟” أجابني صديقي: “أنا محتار في فهم إصرار القسيس الذي دعاني على المجيء، والحكاية هي أن القسيس فلان الذي دعاني كان قد قام بدعوتي منذ شهرين تقريبًا للمجيء في هذا الوقت، لكنني كنتُ مرتبطًا بالترنيم في اجتماع كبير جدًا للشباب في مصر، لذلك اعتذرتُ للقسيس عندما دعاني لكي أجيء إلى مدينتكم وقلتُ له إنني مرتبط بكنيسة في مصر في ذلك الوقت، لكن منذ ثلاثة أيام فقط اتصل بي الأخ القائد للقاء الكبير في مصر وقال لي إن الاجتماعات أُلغيت بأمر رجال الأمن ولذا ليس هناك داع لمجيئك من بلدك”. أجبته: “عادي بتحصل كتير”. أكمل صديقي المرنم وقال: “عندما ألغيت الاجتماعات وعرفتُ أنني لن أسافر إلى مصر، خفتُ لئلا يسمع القسيس فلان، الذي دعاني للمجيء لمدينتكم، أنني لستُ في مصر وأنه ليست هناك اجتماعات سأرنم أنا فيها، لذا رأيتُ في نفسي أن أقوم بالاتصال به وأشرح له الأمر وأقول له إنه لهذا السبب أنا لم أسافر إلى مصر”. أكمل صديقي: “بالفعل قمتُ بالاتصال به وشرحتُ له الأمر وقلتُ له: ‹أنتم ربنا يبارككم وأنا عارف إنكم أكيد دعيتم مرنم آخر فأنا لم أتصل بك لأقول لك إنني مستعد للمجيء لكن لأشرح لك ما حدث›”. سألته: “وماذا قال لك القسيس؟” قال صديقي المرنم: “القسيس قال لي: ‹نحن مازلنا نحتاجك أن تأتي وتقود الترنيم في الاجتماعات. نحن بالفعل دعينا مرنمًا آخر لكنه اعتذر فلو تقدر تجيء لنا سيكون هذا عظيم›”. أكمل صديقي: “تصدق يا قسيس ناجي إنه عايزني آجي من الشرق الأوسط إلى أمريكا في أقل من أسبوع لأرنم في اجتماعيين وأرجع بلدي”. سألتُ صديقي: “وماذا كان جوابك؟” أجابني صديقي وقال: “قلتُ له: ‹إن كنت مُصرًا على حضوري فأعطني دقائق للبحث عن تذكرة مناسبة وسأبلغك بالنتيجة›، وفعلًا دخلتُ على الإنترنت ووجدتُ التذكرة في الوقت الذي يريدني أن أكون فيه في أمريكا بأربعة آلاف وخمسمائة دولار”. أكمل صديقي وقال: “اتصلتُ به وقلتُ له: ‹يا جناب القسيس، أرخص تذكرة يمكن أن آتي بها إلى أمريكا ستتكلف أربعة آلاف وخمسمائة دولار، وهذا مبلغ كبير جدًا، وأنا غير موافق إن حضرتك والكنيسة تدفعوا هذا المبلغ الكبير لاجيء أنا لمدة يومين وأقود الترنيم في اجتماعين›”. قلتُ: “وماذا كان رده؟” أجابني صديقي منفعلًا وغير مصدق ما حدث وقال لي: “تصدق أنه أصرّ على مجيئي وقال لي: ‹حتى لو تكلفت التذكرة أكثر من ذلك فالكنيسة ستدفعها وأنا أريدك أن تأتي›. الحقيقة يا قسيس ناجي أنا لا أعلم لماذا الإصرار على مجيئي للترنيم في اجتماعين والكنيسة تصرف خمسة آلاف دولار على تذكرة طيران ومواصلات. أنا لغاية دلوقت محتار ولا أعلم لماذا أصر القسيس على حضوري، مع أني قد قلتُ له إن هناك مرنمين رائعين ممسوحين مستخدمين من الرب في مدينتكم وفي لوس أنجلوس يمكن أن يحلوا محلي في الترنيم في هذه الاجتماعات لكنه لم يوافق على دعوة أحدهم وأصر أني أنا الذي لا بد أن أجيء من الشرق الأوسط للترنيم، فهل عندك تفسير لإصرار القسيس لمجيئي؟” ضحكتُ وقلتُ له: “صديقي العزيز، من الواضح أنه بالرغم من أنك لست شخصًا مبتدئًا في الخدمة، وأنك مستخدم من الله منذ مدة طويلة، لكن أنت ما زلت مبتدئًا في فهم بعض القسوس وحيلهم وتحايلهم على الأحداث الخاصة بالأمور الروحية”. أجابني صديقي: “أشكر الله لأجل خبرتي القليلة في هذا المجال لكن هل يمكن أن تفسر لي لماذا يريد هذا القسيس أن يدفع خمسة آلاف دولار من مال الرب للترنيم في اجتماعين فقط؟” قلتُ لصديقي: “يا حبيبي هذا المبلغ مدفوع في اجتماع واحد، وهو اجتماع يوم السبت الذي ستؤدي فيه ‹النمرة› المطلوب منك تأديتها والتي هي السبب في دفع هذا المقدار من فلوس الرب لتذكرة حضورك إلى مدينتنا”. سكت صديقي وساد الصمت بيننا لمدة ثواني ثم قال صديقي: “‹نمرة؟› أنت بتقول لي تؤدي النمرة بتاعتك؟ أنا لم أكن أنتظر منك هذه الكلمة. أنت عارف إني أنا باجي من الشرق الأوسط علشان أسبّح وأعبد الرب مش علشان أقدم ‹نمرة› في أي كنيسة في أمريكا”. ضحكتُ أنا وقلتُ له: “اسمع يا صديقي، أنت تعرف كم أنا أحبك وأقدِّرك وأحترمك، أنت لا ذنب لك في تقديم ‹نمرة› في الاجتماع. أنت مُستغل في هذا الاجتماع”. أجابني صديقي: “مش فاهم”، قلتُ: “أنا أفهمك. أنت تعرف أننا كنائس يتحدث حاضروها اللغة العربية. نحن كنائس ليست كبيرة في عددها، ولذا فالغالبية العظمى من كنائسنا تجتمع في مباني لكنائس أمريكية، ومنها مَنْ تشرف عليهم وتعضدهم الكنائس الأمريكية وتدفع لهم إيجار المكان وربما جزءًا من مرتب القسيس أو كله، لذا يهم الكنائس العربية أن تظهر بمظهر الكنائس الكبيرة عددًا أمام قسوس الكنائس الأمريكية حتى يستمر تدعيمهم ماديًا، ولذلك تقوم الكنيسة والقسيس الذي دعاك لهذا الاجتماع بعقد اجتماع واحد سنويًا يدعو فيه القسيس الأمريكي المسئول عن الكنيسة الأمريكية المدعمة لكنيسته المتحدثة بالعربية، وهو اجتماع السبت الذي ستحضره أنت وسترنم فيه، وفي هذه الحالة سيقوم هذا القسيس بدعوة الإخوة والأخوات الأعضاء والمترددين على كافة الكنائس الأخرى الموجودة بالمدينة لحضور الاجتماع، وعندما يعلمون بوجودك، كمرنم مبارك ومشهور، فستحضر الغالبية العظمى من العرب المسيحيين الإنجيليين والكاثوليك الكلدانيين الاجتماع ليس لسماع القسيس الأمريكي لكن للاستمتاع بترانيمك، وبالتالي سيرى القسيس الأمريكي الذي يدعم الكنيسة العربية كل هذه الأعداد الكبيرة حاضرة الاجتماع فيظن أنهم كلهم يتبعون هذه الكنيسة العربية التي أسسها هو في مدينتنا، وبانتهاء اجتماع يوم السبت ستكون أنت قد أديت مهمتك التي دفعوا لك هذا الثمن الباهظ في تذكرة الطيران لأجلها، وبذلك تكون قد أديت ‹نمرتك› المطلوبة منك على أكمل وجه دون أن تعرف أصلًا أنك تؤدي ليس أكثر من نمرة في اجتماع. أما اجتماع الأحد فسيكون بين العرب فقط وبدون حضور أحد من القسوس الأمريكان لأن كلًا منهم سيكون مشغولًا بكنيسته الأمريكية، وليس من المهم عدد الحضور في اجتماع الأحد صباحًا مع أنه أيضًا سيكون عدده كبيرًا بسبب وجودك، بالرغم من أن كل مَنْ جاء لحضور اجتماع السبت لا شك أنه سيذهب إلى كنيسته”. سكت صديقي برهة وقال: “الآن عرفتُ لماذا أصر القسيس على حضوري بالرغم من عظم التكاليف المادية. واضح أن كلامك كله صحيح، وأنا شخصيًا كنت سأجن وأنا أبحث عن السبب وأسأل نفسي لماذا أصر هذا القسيس على دفع هذه التكلفة الباهظة”. ضحكتُ وقلتُ لصديقي المرنم: “عرفتها أنا لأنها تكررت كثيرًا منه ومن خدام كثيرين مثله، فالعام الماضي مثلًا تم عمل نفس ما سيعمله معك في الأسبوع القادم. قامت الكنيسة والقسيس بدعوة مرنم آخر مشهور مثلك، فاكتظ المكان بالحضور، وعندما اعتلى القسيس الأمريكاني المنبر، أخذ في البكاء بدموع، ثم قال للحاضرين: ‹لم أكن أعرف أن كنيستنا الناطقة باللغة العربية كبرت بهذا الحجم واستطاعت أن تجذب المئات من العرب للمسيح›، وهو لا يعلم أن مَنْ يجلسون قدامه ليسوا كلهم من هذه الكنيسة بل هم من 7 كنائس هي كل عدد الكنائس الموجودة بالمدينة، وهو لم يعلم أنه بعد انصرافه سينصرفون هم أيضًا كل إلى كنيسته”.
هذا بالطبع الحال في معظم الكنائس الناطقة بالعربية الموجودة في الولايات الأمريكية.
أما في مصر، فما من شك في أن نظرة متأنية ومتعمقة لمؤتمر كمؤتمر الخدام السنوي الذي تعقده رئاسة الطائفة الإنجيلية في مصر، ولفقراته ومحاضراته والعظات التي تقدم فيه والمجاملات التي تحدث به، والمديح المفرط لبعض القادة والقسوس وكأنهم أولياء نعم بقية الخدام، والذين بدونهم ما كان ممكنًا أن يُعقد مؤتمر كهذا، المؤتمر الذي يذاع أغلبه على الهواء مباشرة، تكشف أنه يبدو أن الموقف والأجواء والكاميرات والبث المباشر ينسي المسئولين الكبار المتحدثين إلى القسوس الغلابة أن أمن الدولة وبعض المسئولين الحكوميين يتابعون ما يحدث في مثل هذه المؤتمرات، فيتم الإعلان على البث المباشر أن أحد القسوس الأحباء، بارك الله فيه وجزاه خير الجزاء، قد أحضر 1000 ثمرة من المانجو لتوزيعها على الألف خادم وقسيس الحاضرين إلى المؤتمر، ويضحك الرئيس في نهاية كلمته ويقلد جمال عبد الناصر عندما كان يقول في نهاية خطابه السنوي في عيد العمال للحاضرين، طبعًا: “أنتم مستعجلين لأنكم مستنيين العلاوة”، هكذا فعل الرئيس وقال للحاضرين: “طبعًا أنتم مستعجلين علشان المنجة”.
والحقيقة أنه مع كبر عدد الكنائس للمذاهب أجمع والتي هي بالآلاف إلا أن الكنيسة تعاني من غياب الكبير، الأمر الذي كتبتُ عنه مقالًا خاصًا بعنوان “الكبير”.
3- الأمر الثالث الذي تختلف عنه الكنيسة الأولى مع الكنيسة في هذه الأيام هو مفهوم النجاح في الكنيستين، فالنجاح في الكنيسة الأولى لم يكن مبنيًا على كم عدد الأعضاء أو المترددين على الكنيسة، الأمر الذي جعل المحيط الكنسي اليوم يقسم نوعيات الكنائس إلى كنائس صغيرة وكنائس كبيرة، ويُنظر إلى قسوس الكنائس الكبيرة على أنهم أعظم وأقدر وأكثر مسحةً وتأثيرًا من غيرهم من قسوس الكنائس ذات العدد المتوسط، وتجذب الكنائس الكبيرة عددًا من الكنائس الأجنبية عن البلاد لمساعدتها أكثر من الكنائس الصغيرة التي لا تستطيع الوصول لمثل هذه الكنائس والإرساليات الخارجية، وقد تناست الكنيسة أن مهمتها هي الذهاب للعالم أجمع والكرازة بالإنجيل للخليقة كلها، وعندها لن يعرف أحد مدى كبر عدد الكنيسة من صغرها، لكن يعرفون تأثيرها على الشارع والمدينة والقطر.
4- الأمر الرابع الذي تختلف فيه الكنيسة الأولى عن كنيسة اليوم هو موقف الكنيسة من الروح القدس وعمله ومواهبه ومكانته في وسطهم، فالكنيسة الأولى كانت تتعامل مع الروح القدس كما هو بالحقيقة، الرب والسيد والمعلم والمرشد والمعمد والمعزي والمذكِّر بكل ما قاله المسيح في أيام وجوده على الأرض والمتخذ للقرارات في الكنيسة والمختار للخدام والمرسلين وكل ما تعمله الكنيسة من أشياء أخري.
ولعلي لستُ بحاجة لأن أكتب عن كيفية التعامل مع الروح القدس اليوم، فأستطيع أن أقول بضمير صالح إن الكنيسة اليوم جردت الروح القدس في تعاليمها ومعاملتها معه من مواهبه وثمره واعتبرته بالنسبة لها ليس أكثر من قوة لا شخص، لذا فالغالبية العظمى من كنائس اليوم ليست إلا نحاسًا يطن أو صنجًا يرن، حركات جسدية خارجية، وأصوات بربرية دون تأثير.
وكانت نتيجة كل ما تقدم أن توقفت الكنيسة ككل عن كشف المهرطقين والمدعين ومقاومتهم مواجهة، إلى جانب عدم ممارسة المواهب الروحية بطريقة صحيحة، وادعاء كل كنيسة أنها هي الأقرب لحياة الكنيسة الأولى، لأيام الرسل، وأنهم هم الذين تسلموا تعاليمهم من الرسل الأولين والذين حافظوا على الإيمان القويم، واجتهدت الكنيسة في محاولة الجمع بين السياسة والدين، فما أثَّرت في السياسة وما أبقت على قوة الحياة التي فيما تسميه العامة الدين، وأهملت الكنيسة التعليم تجديد أذهان الشعب والقادة والمسئولين، مع عدم الانتباه لمخططات العدو الشرير لها وعدم تمييز المسئولين فيها للأرواح العاملة ضد الكنيسة.
في نهاية مقالي هذا، دعني أسأل: ما هو المطلوب لكنيسة هذه الأيام لتنجح كما نجحت الكنيسة الأولى كنيسة الرسل؟
المطلوب من الكنيسة العامة وبالتالي من الكنائس المحلية:
أ- أن تعترف أنها في شر عظيم وعار.
ب- أن تجتمع الكنيسة، سواء الكنيسة المحلية أو المذهب أو الطائفة، حول مائدة مستديرة لطلب وجه الرب ولتحدد الكنيسة نقاط الشر التي دخلت فيها وتسود عليها، وتتخذ الخطوات العملية لإصلاحها وفقًا لما هو مدون في الوحي الإلهي كما عمل نحميا وعزرا في القديم، فكانا سببًا في نهضة روحية حقيقية ورجوع شعب إسرائيل المرتد والمسبي روحيًا وجسديًا إلى الله الحي.
ج- أن تتفق الكنيسة على علاج موحد:
أعلم أن الكنيسة لن تلتفت لما أنا كاتبه الآن، وقد يبدو من المستحيل أن تجتمع الطوائف والرئاسات معًا لإصلاح حال الكنيسة العامة، ولكن ألا تستطيع الكنائس المحلية، الصغيرة منها والكبيرة، عمل ما تقدم من وسائل الإصلاح؟ وإذا أصلحت كل كنيسة محلية صغيرة حالها بعمل الروح القدس، ألا يكون من السهل أن يصلح المذهب أو المجمع وبعدها الطائفة ككل وبالتالي الكنيسة العامة؟ هل يصعب على الرب شيء؟ لقد رأينا بعيوننا كهنة وقسوسًا ساروا ضد التيار في كل الطوائف ونادوا على أعضائهم لكي يستيقظوا. نعم، تحملوا التعنيف والإقصاء والتحكم من رياساتهم لكنهم استمروا أمناء حتى النفس الأخير.
ربي أنقذ كنيستك التي وعدت أنك تبنيها
وتحرسها وتحميها
وأبواب الجحيم لن تقوى عليها
املأها بروحك وأغنيها
واحفظ قسوسها وشيوخها وشمامستها ومرنميها




