لماذا توقف المسيحيون عن تقديم ذبائح؟

3

عماد حنا

تُعد فكرة التقرب إلى الله عبر إراقة دماء الذبائح واحدة من أقدم الشعائر الدينية التي عرفها التاريخ البشري، وهي تشكل قاسمًا مشتركًا في الوجدان الإنساني القديم. ومع حلول مواسم الأعياد الكبرى في الشرق الأوسط، يثور تساؤل لاهوتي وتاريخي جوهري في عقول الكثيرين، وبخاصة عند مقارنة الممارسات الدينية الحالية: فبينما يحرص المسلمون على تقديم الأضاحي إحياءً لذكرى فداء ابن الخليل إبراهيم، وبينما كان هذا السلوك ركيزة أساسية في العهد القديم (اليهودية)، يتساءل البعض عن سر التوقف المفاجئ والكامل للمسيحيين عن تقديم الذبائح الحيوانية، على الرغم من إيمانهم الكامل بأسفار التوراة والأنبياء التي أسست هذه الممارسات؛ وللإجابة عن هذا التساؤل، يتعين علينا الغوص في أعماق النص الكتابي لتتبع “التطور الروحي واللاهوتي” لمفهوم الذبيحة عبر محطات التاريخ الإنساني.

تبدأ المحطة الأولى لهذا التطور الروحي في فجر الخليقة عقب سقوط الإنسان الأول، وتحديدًا في سفر التكوين، حيث يظهر وعي الإنسان المباشر بخطيئته وعُريه الروحي والمادي. في تلك اللحظة الحرجة، حاول الإنسان بإمكانياته الذاتية المحدودة أن يستر عاره وخزيه، فصنع “مآزر من ورق التين”، لكن هذه المحاولة البشرية القاصرة لم تكن كافية لستر العُري البشري أمام القداسة الإلهية، وهنا برز التدخل الإلهي السيادي كأول إشارة لاهوتية لفكرة الفداء، حيث يُسجل النص: “وصنع الرب الإله لآدم وامرأته أقمصةً من جلد وألبسهما” (تكوين3: 21). إن هذا اللباس الجلدي لم يأتِ من فراغ، بل تطلب بالضرورة موت حيوان بريء أُريقت دماؤه ليوفر الرداء، ليكون هذا الحدث التأسيسي بمثابة الدرس الأول للبشرية: أن ستر الخطيئة وعلاج الخزي لا ينبع من المحاولات البشرية السطحية، بل هو مبادرة تأتي من الله وحده وبثمن مدفوع.

وتتأكد هذه الرؤية الفدائية في المحطة الثانية مع الجيل الأول للبشرية، حيث نقرأ أن هابيل قدم قربانًا من أبكار غنمه ومن سمانها، فنظر الرب إلى هابيل وقربانه وقبله (تكوين 4: 4). وعلى الرغم من أن هذه الذبائح الحيوانية كانت مرضية لله وتعبّر عن طاعة مقدمها، إلا أنها حملت في طياتها قصورًا بنيويًا؛ فقد كانت حلولًا مؤقتة وموضعية، فكلما تكررت الخطيئة وسقط الإنسان في التعدي، عاد إليه شعور الخجل والانفصال عن الله، واحتاج إلى تقديم ذبيحة جديدة مجددًا. ومن هنا، لم تكن تلك الذبائح الحيوانية عبر القرون علاجًا نهائيًا أو حلًا جذريًا للمشكلة الإنسانية، بل كانت مجرد “تذكير مستمر” بالحاجة إلى التطهير، وظلًا يشير إلى عجز الممارسات المادية عن شفاء الضمير الإنساني من الداخل بشكل دائم.

ثم يصل التعليم اللاهوتي إلى ذروته التاريخية في المحطة الثالثة مع قصة طاعة إبراهيم في تكوين 22، وهي المحطة التي تتجلى فيها الفلسفة البدلية بأوضح صورها. فعندما امتدت يد إبراهيم ليقدم ابنه طاعةً للأمر الإلهي، أوقفه ملاك الرب في اللحظة الأخيرة، وظهر فجأة كبشٌ ممسكٌ بقرنيه في الغابة، فقدّمه إبراهيم محرقة عوضًا عن ابنه؛ هنا ترسّخ في الوعي الديني مبدأ “البدلية الصارمة”، حيث يموت مخلوق بريء لا ذنب له كبديل عن نفس محكوم عليها بالموت. ولم يكن ظهور الكبش صدفة بشرية، بل كان تدبيرًا إلهيًا خالصًا، ليؤكد الله للإنسانية أنه هو نفسه من سيتولى إعداد وتوفير ذبيحة الخلاص الحقيقية، وأن كل ما سبق من كباش وذبائح لم يكن سوى رموز إيضاحية تمهّد الطريق لحدث أعظم.

إن هذه المشاهد التاريخية المتفرقة – من أقمصة جلد آدم، وقربان هابيل، وكبش إبراهيم، وصولًا إلى نظام الذبائح المفصل في الشريعة الموسوية – لم تكن في الفكر المسيحي غاية في ذاتها، بل كانت “ظلالًا ونبوءات” لعمل مستقبلي كامل وفائق. وقد جاء السيد المسيح في ملء الزمان لينهي مسلسل التكرار اللانهائي لدم التيوس والعجول، بتقديمه “ذبيحة نفسه” على الصليب؛ ويوضح كاتب الرسالة إلى العبرانيين هذا التحول الجذري والفرق الوجودي بين الظل والأصل بقوله: “فكم بالحري يكون دم المسيح، الذي بروح أزلي قدم نفسه لله بلا عيب، يطهر ضمائركم… وأما السماويات عينها فبذبائح أفضل من هذه… قد أظهر مرةً عند انقضاء الدهور ليبطل الخطية بذبيحة نفسه” (عبرانيين9). لقد كان موت المسيح ذبيحة لاهوتية أبدية غير قابلة للتكرار، لأنها ألغت الحاجة للرموز بعد أن تجلى الأصل.

وبناءً على هذا الكمال اللاهوتي في عمل الفداء، توقف المسيحيون تمامًا عن ذبح الحيوانات وإراقة الدماء، إذ يُعتبر الاستمرار في تقديم ذبائح دموية بعد الصليب بمثابة إنكار لكمال عمل المسيح. وبدلًا من تلك الطقوس المادية، انتقلت المسيحية إلى تقديم ذبائح روحية أثمن وأبقى، ينقسم جوهرها إلى ثلاثة أبعاد: أولها “ذبيحة القلب المنكسر والتوبة الصادقة”، تماشيًا مع صرخة داود النبي: “الذبائح لله هي روح منكسرة…”، والثاني هو “قبول عمل الفداء بالإيمان الواعي”، والثالث هو “العيش داخل الجسد السري للكنيسة” كذبيحة حية مقدسة مرضية عند الله (رومية 12: 1).

عند مقارنة طقوس الذبح، يُظن خطأً أن “عيد الفصح” عند اليهود هو إعادة أو ذكرى لإنقاذ إسحق من الموت على جبل المريا، وهو ظن غير دقيق تاريخيًا ونصيًا؛ فعيد الفصح اليهودي (Pesach) في حقيقته هو ذكرى خروج شعب إسرائيل من أرض العبودية في مصر وعبورهم البحر الأحمر والنجاة من ضربة الملاك المُهلك ليلة الخروج بفضل علامة “دم خروف الفصح” التي طُليت بها قوائم الأبواب؛ ومن هذا المنطلق يرى الفكر المسيحي في “خروف الفصح” رمزًا مباشرًا للمسيح الذي صُلب في وقت الفصح نفسه ليصير هو “فصحنا الذي ذُبح لأجلنا”.

إن المحصلة النهائية لهذه القراءة اللاهوتية تقودنا إلى إدراك أن التوقف المسيحي عن تقديم الذبائح لم يكن إلغاءً للناموس، بل بلوغًا للمقصد والغاية؛ إذ تحولت الذبيحة من طقس خارجي مكرر إلى حقيقة روحية داخلية أبدية تمت مرة واحدة على الصليب، وتستمر آثارها في قلب كل مؤمن.

ليظل هذا الفهم شاهدًا على ارتقاء الوعي الديني من مرحلة الرموز والظلال إلى مرحلة الحق والروح.

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا