من قريب كنتُ أشاهد حوارًا في مسلسل بين خطيبين كانا يستعدان ليوم زفافهما بعد أسبوع. كان الشاب يريد تأجيل الزفاف، والسبب في هذا أنه يشعر أن خطيبته تضغط عليه كي يتخذ قرارات دون أن يقتنع بها وهي بهذا تفرض رأيها عليه وهو ما أنهكه. وعلى الجانب الآخر، كانت الفتاة ترى أنها تريد مصلحتهما وما تقوم به أساسه محبتها له، وكلامه هذا ورغبته في تأجيل الزواج إن دلا على شيء فإنهما يدلان على إنه يلعب بها وأنها لن تسامحه على سلوكه هذا. انتهى الحوار بأنها تركته وهي شاعرة بالظلم، أما هو كان يشعر بالراحة لأنه أخيرًا أصبح حرًا من قيودها.
في الحقيقة أنا كمتفرجة رأيتُ أن هذا الشاب كان على حق، والفتاة فعلًا شخصية مسيطرة وتريد أن كل شيء يكون بحسب ما تحب هي وليس هو، وإن اعترض كانت تغضب وتخاصمه حتى ينفذ طلبها؛ لذا تعجبتُ من موقفها بأنها شاعرة بالظلم والقهر.
وهنا يأتي السؤال: لماذا تشعر الفتاة بالظلم رغم طريقتها المسيطرة مع خطيبها؟
إجابة السؤال تأتي من كلامها: لأنها كانت تقوم بكل هذه السلوكيات بدافع محبتها لخطيبها، وكل قرار كانت تتخذه غرضه تطوير حياتهما وتغييرها للأفضل.
إن هذا المشهد يتكرر في حياتنا كثيرًا حيث في الوقت الذي تعتقد فيه أنك تقدم كل الحب للآخر يأتي إليك هذا الشخص ليفاجئك بقوله: “أنه يتأذى من طريقتك في التعبير عن حبك!” قد يكون هذا الشخص: شريك حياة – أبناء – صديقًا… فما السبب في هذا؟
السبب أنك ترسل رسائل خاطئة للأشخاص الذين تحبهم، وذلك بسبب إن طريقتك في التعبير عن مشاعر الحب غير صحيحة. لا تتعجب عزيزي القارئ، فحتى مشاعر الحب لا يستطيع البعض أن يُعبِّر عنه بطريقة صحيحة. وإليك بعض الطرق الخاطئة التي تؤذي الذين نحبهم، على سبيل المثال وليس الحصر:
طريقة التضحية الزائدة والمشروطة:
هذا النوع من التعبير عن مشاعر الحب يظل فيه الشخص يقدم تضحيات وتنازلات حتى لو على حساب نفسه، وقد يصل الأمر لأن يقدم هذه التضحيات بالرغم أن الآخر لم يطلبها منه. هذا النوع من الحب هو نوع من أنواع السيطرة غير المباشرة من خلال التضحيات حيث إنه على الآخر أن يدفع ثمن تلك التضحيات، مثلًا: لا يقوم بأي خطوة ولا يتخذ أي قرار دون أن يرجع له.. لا بد أن يكون هو مركز اهتمامه الوحيد ويهمل أي علاقات أخرى.. يحتاج للشكر والتقدير طوال الوقت، وإن حاول أن يستقل ويتخذ قرارًا بغير موافقته تكون النتيجة المعايرة والإذلال.. بأنه ضحى وووو والذي يحبه لم يُقدِّر كل هذا، وإن استمر الآخر في طريق استقلاليته يصل الأمر لمحاولة تشويه صورته بكلمات سلبية بأنه: جاحد، أناني…
إن التعبير عن مشاعر الحب بهذه الطريقة ليس طريقة صحيحة، وإن لم تتوقف عنها فسوف تخسر الشخص الذي تحبه وأنت تشعر بالظلم مع إنه في الحقيقة الآخر هو المتأذي منك لأن هذه التضحيات التي تقدمها لا تعكس له مشاعر حبك بل تمثل قيودًا تخنقه لذا فهو يرفضها، لذلك على كل شخص هذه طريقته في التعبير عن مشاعر الحب.. من المهم تغييرها وذلك بأن تدرك:
1) أن الحب مهم أن يكون غير مشروط بانتظار المقابل.. فأنت تقدم هذه التضحيات لأنه تهمك مصلحة الذي تحبه.
2) أن كنت تحب هذا الشخص توقف عن معايرته بما تقدمه وإلا توقف عن تقديم هذه التضحيات.
3) أخيرًا اسأل نفسك: هل عطاؤك بسرور ومن غير شرط أم هو عطاء مشروط بتقديم فروض الطاعة لك؟
طريقة النقد المستمر:
هذه الطريقة في التعبير عن مشاعر الحب تكون تحت مبدأ: “لأنك تحبه وترغب أن يكون أفضل شخص”، لكن للأسف هذه الطريقة تؤذي الآخر لأنها ببساطة تجعله يشعر أنك دائمًا غير راضٍ عنه مهما اجتهد، هذا بالإضافة لأنه عندما يعترض على طريقتك تشعر بالضيق لأنه لم يُقدِّر خوفك وحبك له. والجدير بالذكر أن أصحاب هذا النوع من طريقة التعبير عن مشاعر الحب لا يستخدمون أي كلمة تشجيع تعكس سعادتهم بما يقوم به الآخر من عمل جيد، كذلك لا يستخدمون كلمات حب تعكس محبتهم له وذلك تحت مبدأ أن الآخر يعرف هذا ولا يحتاج ما يثبت من كلمات صريحة تعكس محبتهم.
إن هذه الطريقة ليست الطريقة الصحيحة للتعبير عن مشاعر حبك للآخرين سواء أولادك.. شريك الحياة.. الصديق… وذلك لأنها طريقة تجعل الآخر يفقد ثقته بنفسه وهذا بالتأكيد مؤذٍ جدًا له، مما يجعله يقرر بمرور الوقت أن يبتعد عنك، فحتى لو كان يعيش معك فسوف ينفصل عنك نفسيًا وكأنك غير موجود في حياته، وهنا تسأل نفسك: أنا عملت إيه؟ أنا عايزه يكون أحسن واحد.. ليه بيتعامل معايا كده؟
والإجابة.. يتعامل معك بهذه الطريقة لأن طريقتك في التعبير عن مشاعر حبك كانت مؤذية له لأنها تجعله يرى نفسه فاشلًا.. ضعيفًا.. غبيًا…، لذا مهما كانت محبتك له فهذا لا يبرر نقدك المستمر له. والجدير بالذكر أن طريقتك هذه بعيدة عن سمات الحب التي وصفها لنا الكتاب المقدس: “المحبة ترفق ولا تقبح، ولا تحتد..”
ولتصحيح هذه اللغة من مشاعر الحب عليك تدريب نفسك على التوقف عن تقديم أي تعليق سلبي، وتدريب عينيك على أن ترى الإيجابيات مع تشجيعه عليها، وليس هذا فقط بل عليك تدريب نفسك على التعبير عن مشاعر الحب بلغة التشجيع غير المشروط بسلوك إيجابي يقوم به.
أخيرًا إن كنت ترغب أن تتعلم التعبير عن مشاعر حبك للآخر بصورة صحيحة فاتخذ من الله قدوة لك:
1- محبته لنا غير مشروطة: “في هذا هي المحبة: ليس أننا نحن أحببنا الله، بل أنه هو أحبنا، وأرسل ابنه كفارةً لخطايانا.” (1يو4: 9)
2- محبته لنا تجعلنا نشعر بالأمان: “ليس في المحبة أي خوفٍ. بل المحبة الكاملة تطرد الخوف خارجاً.” (1يو4: 18)
2- محبته لنا ليست فيها سيطرة بل حرية: “إنكم إن ثبتم في كلامي فبالحقيقة تكونون تلاميذي، وتعرفون الحق، والحق يحرركم.” (يوحنا8: 31 و32)
في النهاية: اجعل طريقتك في التعبير عن مشاعر حبك للذي تحبه هي منح الأمان وليس الأذى لمشاعره.. وكل عيد حب وأنتم طيبون وبخير..