لغة المشاعر ..لغة مشاعر الشكر لله

13

هايدي حنا

المشاعر هي حالة تنتاب الإنسان بسبب ظروف، موقف، كلمة… وهي جزء أصيل من تكوين الإنسان، تتكون بسب التفسير الذهني لِما يمر به من ظروف، حدث… أي بحسب تفسيرنا للموقف تتكون مشاعرنا. والمشكلة هنا ليست في المشاعر نفسها لكن في كيفية الوعي بها والقدرة على التعبير عنها بصورة صحيحة، حيث إن القدرة على التعبير عن مشاعرنا تلعب دورًا هامًا في التواصل وبناء العلاقات، بالإضافة لتحسين الصحة النفسية. لذا، في بداية سنة جديدة، سوف نبدأ هذه السلسلة الهامة “لغة مشاعرنا”، أي كيفية التعبير عن مشاعرنا.

وفي ظل أجواء الاحتفالات بعيد الميلاد بعيد العطاء، حيث إن الميلاد هو بداية رحلة العطاء، عطاء الله لنا للخلاص، للرجاء، للحياة الأبدية… تلك العطايا الغالية التي منحها الله لنا ولم ينتظر منا أي مقابل لكنه عطاء مجاني، سوف تكون باكورة هذه السلسلة هي لغة مشاعر الشكر والامتنان اللتين لا يجيد البعض التعبير عنهما رغم إن هذه المشاعر بداخلهم. والجدير بالذكر أن التعبير عن مشاعر الشكر وصية كتابية، لنا.. فالكتاب المقدس به الكثير من الوصايا التي تحث على الشكر في كل وقت ومهما كان الحال: “شَاكِرِينَ كُلَّ حِينٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فِي ٱسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، لِلهِ وَٱلْآبِ” (أفسس 20:5)، لذا فأقل الإيمان أن نشكر إلهنا على خيراته وعطاياه ونعمه علينا.

وأول خطوة في طريق لغة مشاعر الشكر لله هي الشكر  على ما نعتقد أنه بديهيات:

إن جود الله لنا لا يُعد ولا يُحصى لدرجة أننا اعتبرنا أن هذه العطايا من البديهيات، بالرغم إن هذه التي ندعوها “بديهيات” إن افتقدناها في حياتنا سوف نكتشف أهميتها وإننا لا نستطيع الحياة بدونها، مثل: الطعام، الشراب، التنفس، وجود بيت يحمينا، غطاء للتدفئة، وظيفة، أسرة نجد معها الأمان، أصدقاء نجد معهم الحب، كل يوم نعود لبيوتنا بسلام وأمان… كل هذه العطايا يمنحها لنا الله كل يوم بدون أن يسمع منا عبارة “شكرًا يا إلهنا على كرمك وعطاياك”.

لذا فلنبدأ إدخال لغة الشكر في علاقتنا مع الله، ولتكن البداية الشكر على ما نعتقد أنها بديهيات لكنها نعمة وعطية من الله لن نشعر بها إلا وقت الحرمان منها، فالتعبير عن مشاعر الشكر عليها يجعلنا نرى معية الله لنا في كل لحظة وليس فقط في المواقف الصعبة، وهذا يطمئنا لأن الله لا يتركنا في أي لحظة.

والآن دعونا نغمض عيوننا ونشكر الله على أمر ما  في حياتنا كنا نعتبره من البديهيات لكنه ليس كذلك بل هو عطية غالية من الله لنا.

الأمر الثاني هو أن نتعلم لغة الشكر على الأمور التي كنا نصلي لأجلها والله استجاب لنا الصلاة:

كثيرًا ما نصلي بلجاجة ودموع كي يستجيب الله لنا، وبعد أن يتدخل الله وينقذنا ننسى العاطي بعطيته، حيث نفرح بالعطية لكننا ننسى التعبير عن الشكر للعاطي. وهذا يذكِّرني بالعشرة البُرْص المذكورين في إنجيل لوقا الإصحاح 17 الأعداد 11-19، حيث وقف العشرة يصرخون ليسوع كي ينقذهم ويشفيهم: ” وَرَفَعوُا صَوْتًا قَائِلِينَ: «يَا يَسُوعُ، يَا مُعَلِّمُ، ٱرْحَمْنَا!».” وبعد أن شفاهم الجميع فرحوا بالشفاء ونسوا الشافي، ما عدا واحد فقط تذكر الشافي وعاد ليسجد ويشكر: “فَوَاحِدٌ مِنْهُمْ لَمَّا رَأَى أَنَّهُ شُفِيَ، رَجَعَ يُمَجِّدُ ٱللهَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ، وَخَرَّ عَلَى وَجْهِهِ عِنْدَ رِجْلَيْهِ شَاكِرًا لَهُ، وَكَانَ سَامِرِيًّا. فَأجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ: «أَلَيْسَ ٱلْعَشَرَةُ قَدْ طَهَرُوا؟ فَأَيْنَ ٱلتِّسْعَةُ؟»” في بداية سنة جديدة، دعونا نشكر الله على موقف، ظرف… صرخنا لله كي ينقذنا منه واستجاب لنا وأدخل البهجة لنفوسنا، ألا يستحق أن نعبِّر عن هذه البهجة بالشكر لصانعها؟!

الأمر الثالث هو أن نشكر الله بصورة عملية:

فكما أغرقنا الله بجوده الذي لا يُعد ولا يُحصى بالإضافة لأعظم عطية وهي بذل ابنه لأجل خلاصنا.. علينا التدريب على أن تكون لغة شكرنا لبركات الله هي أن نكون على مثاله في العطاء:

–          من أولوياتك وليس الفائض: “فَجَاءَتْ أَرْمَلَةٌ فَقِيرَةٌ وَأَلْقَتْ فَلْسَيْنِ، قِيمَتُهُمَا رُبْعٌ. فَدَعَا تَلاَمِيذَهُ وَقَالَ لَهُمُ: «الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ هذِهِ الأَرْمَلَةَ الْفَقِيرَةَ قَدْ أَلْقَتْ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ الَّذِينَ أَلْقَوْا فِي الْخِزَانَةِ، لأَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ فَضْلَتِهِمْ أَلْقَوْا»” (42:12-44).

–          بسخاء وسرور: “إِنَّ مَنْ يَزْرَعُ بِٱلشُّحِّ فَبِٱلشُّحِّ أَيْضًا يَحْصُدُ، وَمَنْ يَزْرَعُ بِٱلْبَرَكَاتِ فَبِٱلْبَرَكَاتِ أَيْضًا يَحْصُدُ.  كُلُّ وَاحِدٍ كَمَا يَنْوِي بِقَلْبِهِ، لَيْسَ عَنْ حُزْنٍ أَوِ ٱضْطِرَارٍ. لِأَنَّ ٱلْمُعْطِيَ ٱلْمَسْرُورَ يُحِبُّهُ ٱللهُ” (2 كو 6:9 و7).

–          في الخفاء: “وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً فَلَا تُعَرِّفْ شِمَالَكَ مَا تَفْعَلُ يَمِينُكَ، لِكَيْ تَكُونَ صَدَقَتُكَ فِي ٱلْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ ٱلَّذِي يَرَى فِي ٱلْخَفَاءِ هُوَ يُجَازِيكَ عَلَانِيَةً” (متى 3:6 و4)

فلتنتهز فرصة الميلاد لتبدأ رحلة لغة الشكر لله بصورة عملية، وذلك بأن تتذكر أسرة، صديقًا… في وضع احتياج مادي أو نفسي وتتحرك لهم لتسديد احتياجهم بشرط ألا يكونوا قادرين على تعويض هذا العطاء، وعندها سوف تكون صورة من إلَهك الذي يمنح بركاته لنا بدون انتظار أن نسدد له هذا العطاء.

أخيرًا..

خلال هذه الأيام ونحن نحتفل بالميلاد المجيد دعونا لا ننسى صاحب العيد بطقوس العيد..

لكن لنشكر الله على أعظم وأثمن عطية.. عطية ابنه..

التي بسببها نعيش وعندنا رجاء وسلام

وكل سنة وأنتم طيبين.. عيد ميلاد مجيد للجميع

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا