قصة محبة وفداء

12

د. ق. استفانوس زكي

إن الدارس المدقق لكلمة الله، الكتاب المقدس، يستطيع أن يلاحظ بدقة أن الوحي الإلهي من بداية سفر التكوين إلى نهاية سفر الرؤيا هو وحي واحد وإعلان إلهي واحد متدرّج؛ فالكتاب المقدس لم يقدّم نفسه كمجموعة نصوص متفرقة أو وعود متعددة، بل إعلان واحد، ثابت في قصد الله.

الإله الذي خلق الإنسان على صورته، هو نفسه الذي وعد بالفداء بعد السقوط، وقاد التاريخ نحو إتمام مقصده النهائي في المسيح.

وهكذا يكشف الكتاب المقدس رحلة العلاقة بين الله والإنسان، بدءًا من عهد الخليقة، مرورًا بالعهود مع نوح وإبراهيم وموسى وداود، وصولًا إلى تحقق وعد الفداء في يسوع المسيح. فكل اسم، وكل عهد، وكل رمز ونبوءة، يشكّل خطًا واحدًا للإعلان الإلهي، يعلن أن الله محبة وعدل لجميع الشعوب بلا استثناء، وأن دعوته تشمل الجميع دون تمييز.

أولًا: عهد واحد
الله يتعامل مع الإنسان بعهد واحد منذ الخليقة، لا بعلاقات عشوائية.

١. العهد مع آدم: يُظهر مسؤولية الإنسان منذ الخليقة، وبعد السقوط يعلن الله وعد الرجاء والفداء: “وأضع عداوة بينك وبين المرأة، وبين نسلك ونسلها، هو يسحق رأسك وأنت تسحق عقبه” (تك٣: ١٥).

2. العهد مع نوح: يشمل البشرية كلها بعد الطوفان، ويؤكد رحمة الله وعدله لكل البشر: “وأقيم ميثاقي (عهدي) معكم فلا ينقرض (يهلك) كل ذي جسد بمياه الطوفان” (تك٩: ١١).

3. العهد مع إبراهيم: يُعلن بوضوح قصد الله الشامل: “وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض” (تك١٢: ٣). فاختيار إبراهيم لم يكن تمييزًا عرقيًا ولا تفضيلًا لشعب بعينه، بل دعوة ورسالة ليكون وسيلة بركة للعالم كله. “وأقيم عهدي بيني وبينك وبين نسلك من بعدك في أجيالهم عهدًا أبديًا” (تك١٧: ٧).

4.  العهد مع موسى: أُعطي الناموس ليكشف قداسة الله وحاجة الإنسان إلى الفداء (خر٢٤.( فالناموس يُظهر عدل الله الشامل لجميع الشعوب، لا تمييزه.

5. العهد مع داود
يؤكد الرجاء في ملك أبدي: “وأنا أثبّت كرسي مملكته إلى الأبد” (٢صم٧: ١٣)، مشيرًا إلى المسيح، الذي فيه يتسع الملكوت ليشمل جميع الأمم.

ثانيًا: معنى اسم إسرائيل في سياق العهد
يُمنح الاسم إسرائيل ليعقوب بعد مصارعته مع الله: “لا يُدعى اسمك فيما بعد يعقوب بل إسرائيل لأنك جاهدت مع الله والناس وقدرت” (تك٣٢: ٢٨).
ومعناه «المجاهد مع الله»، وهو تعريف روحي لا قومي أو عرقي. وحين يشمل الاسم نسل يعقوب، أي إنه سيكون شعبًا مدعوًا ليحيا في إطار العهد ويكون وسيلة بركة للأمم كلها، لا محتكرًا للوعد. وبالتالي فالاسم لا يعني امتيازات أو قومية لشعب، لكنه رسالة ووسيلة للشركة مع العالم كله (رو٢: ٢٩؛ ٣: ٢٩).

ثالثًا: الذبائح والنبوءات – تشير الذبائح والتقدمات إلى الخلاص الشامل

1. الذبائح: لم تكن الذبائح بتنوعها (التقدمة – السلامة – الخطية – الإثم – المحرقة – الكفارة، لاويين ص ١–ص ٧) غاية في ذاتها، بل رموزًا تشير إلى حاجة الإنسان إلى كفارة أعمق، وإلى ذبيحة كاملة قادمة، معلنة أن الله هو مصدر الغفران والفداء.

٢. النبوءات المسيانية: ورد في العهد القديم أكثر من ٣٠٠ نبوة مباشرة عن المسيح، تشمل:
ميلاده: (إش٧: ١٤؛ مي٥: ٢)
خدمته: (إش٦١: ١، ٢)
موته وقيامته: (مز٢٢؛ إش٥٣)

وكلها تؤكد على أن قصد الله الخلاصي شامل لكل الأمم والشعوب.
كما أننا نرى ونقرأ في العهد القديم أن رسالة محبة ورحمة ونعمة الله لم تكن قاصرة على شعب بعينه، بل امتدت لكل الشعوب، فنقرأ عن:
نعمان السوري (٢مل ٥)
راعوث الموابية (راعوث ١)
شعب نينوى (يونان)

وهي شواهد تؤكد أن الله لم يكن يومًا إلهًا عنصريًا، بل إله رحمة مفتوحة للجميع.

رابعًا: إتمام العهد في المسيح
في المسيح يبلغ الإعلان الإلهي ذروته: “العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته” (يو١٧: ٤).

ففي المسيح تحقق العهد، وتمّت النبوءات، وقدمت الذبيحة الكاملة على الصليب، وبالتالي فُتح باب الخلاص مفتوحًا أمام كل الأمم والشعوب للانضمام إلى شعب الله بالإيمان لا بالجسد: “ليس جميع الذين من إسرائيل هم إسرائيليين» (رو٩: ٦).

وهكذا يتحد اليهود والأمم في المسيح، رأس الجسد، وتظهر جماعة المؤمنين كامتداد حي لوحدة الإعلان ووحدة العهد.

خامسًا: الله محبة وعدل لجميع الشعوب
يعلن الكتاب المقدس بوضوح أن الله هو إله جميع البشر بلا تفرقة على أساس جنس أو لون أو عرق أو دين أو عقيدة.
فالإنسان، أيًّا كان، هو صورة الله ومكرم أمامه، وله ذات الكرامة الإنسانية.

ومن هذا المنطلق، تؤمن الكنيسة بأن الإيمان الحقيقي لا ينفصل عن الالتزام العملي بالمحبة والعدل، وخدمة كل إنسان، والدفاع عن حقوقه وكرامته، والعمل من أجل مجتمع يقوم على المساواة والاحترام ونبذ كل أشكال العنصرية.

وهكذا يكشف الكتاب المقدس أن التاريخ الإنساني هو قصة واحدة، هي قصة علاقة الله بالإنسان:
بدأت بالنعمة، وسارت بالوعد، وتنبأت عنها النبوءات والرموز، وتمّت بالفداء، وتستمر بالشهادة، إلى أن يكتمل كل شيء في مجد الله.

وفي قلب هذه القصة، يقف الله كإله محبة وعدل ورحمة، لم ولن يتغير، ولم يحصر نفسه في شعب أو أمة، بل فتح قلبه لكل البشر. ومن هذا الإيمان الكتابي، تعيش الكنيسة رسالتها، معلنة أن الإنجيل هو رسالة محبة بلا حدود، وعدل بلا تمييز، وخدمة لكل إنسان.

إنها شهادة حيّة بأن اختيار الله في التاريخ لم يكن للإقصاء أو التمييز، بل لتحقيق قصد الخلاص والبركة لجميع شعوب الأرض، حتى تمتلئ الأرض بمعرفة الرب، ويسود العدل، وتُحفظ كرامة الإنسان، ويُعلن مجد الله للجميع…

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا