23.4 C
Cairo
الأحد, مايو 26, 2024
الرئيسيةفكر مسيحيعمر الأرض ملايين السنين من أين جاءت تلك الأفكار؟

عمر الأرض ملايين السنين من أين جاءت تلك الأفكار؟

د. تيري مورتنسون

إن معظم الناس في العالم اليوم، بمن فيهم مؤمني الكنائس، يعتبرون أن عمر الأرض والكون المقدَّر بملايين (وحتى مليارات) السنين هو حقيقة مُسَلَّم بها. تُعلِّم مدارسنا عن هذه العصور الطويلة، بدايةً من رياض الأطفال، وتسخر ممن يشكك في مصداقيتها. ولكن الحال لم يكن دائمًا هكذا، ومن المهم أن نفهم كيف تغيَّر الحال ولماذا.

البدايات الأولى للجيولوجيا

إن تاريخ الجيولوجيا، كمجال منفصل للعلوم يقوم على دراسات ميدانية منهجية، وجمع الصخور والحفريات وتصنيفها، والتطوير النظري لإعادة ترتيب الأحداث التاريخية التي شكلت تلك الطبقات الصخرية والحفريات، يقدَّر فقط بحوالي 200 سنة. قبل ذلك، وبالعودة إلى العصور اليونانية القديمة، لاحظ الناس الأحافير في الصخور، واعتقد الكثيرون أنها بقايا متحجرة لكائنات حية سابقة. وعزا المسيحيون الأوائل (بمن فيهم ترتليان، ويوحنا فم الذهب، وأغسطينوس) هذه الأحافير إلى طوفان نوح. لكن آخرين رفضوا هذه الأفكار واعتبروا أن هذه الأحافير أشياء تافهة في الطبيعة، أو ناتجة عن صخور وُهِبت نعمة الحياة، أو أعمال الله الإبداعية، أو ربما حتى خدعة من الشيطان.

واستقر الجدل أخيرًا عندما أكد روبرت هوك (1635-1703)، بعد التحليل المجهري للخشب الأحفوري، أنها بقايا معدنية لكائنات حية سابقة.

وقبل عام 1705، كان عالِم التشريح والجيولوجي الدنماركي نيلز ستينسن (1638-1686)، أو ستينو، أحد أهم المفكرين الجيولوجيين، فقد أسس لمبدأ التراكب القائل بأن طبقات الصخور الرسوبية مترسبة بطريقة متلاحقة، أفقية عامةً، بحيث تترسب طبقة سفلية معينة قبل الطبقة التي فوقها. وفي كتابه Forerunner (1669)، أعرب عن اعتقاده بأن عمر الأرض هو ما يقرب 6000 سنة، وأن طبقات الصخور التي تحمل الأحافير ترسبت بسبب طوفان نوح. وكتب عدة مؤلفين في القرن التالي، بمن فيهم الجيولوجي الإنجليزي جون وودوارد (1665-1722) والعالِم الجيولوجي الألماني يوهان ليمان (1719-1767)، كتبًا هدفها الأساسي دعم هذا الرأي وتأييده.

وفي العقود الأخيرة من القرن الثامن عشر، رفض بعض الجيولوجيين الفرنسيين والإيطاليين رواية الكتاب المقدس عن الطوفان وعزوا سجل الصخور إلى عمليات طبيعية تحدث على مدى فترة طويلة من الزمن. وساهم أيضًا عدة فرنسيين بارزين في نظرية ملايين السنين من عمر الأرض. فالعالِم الشهير المتقاعد كونت دو بوفون (1707-1788) تصوَّر في كتابه Epochs of Nature (1779) أن الأرض كانت يومًا ما كرة منصهرة ساخنة، ثم بردت على مدى 75,000 سنة (على رغم أنه قال في مخطوطته غير المنشورة إنها احتاجت حوالي 3,000,000 سنة) إلى أن وصلت إلى وضعها الحالي. وأطلق الفلكي بيير لابلاس (1749-1827) في كتابه Exposition of the System of the Universe (1796) فرضية السديم. وتفيد هذه النظرية بأن النظام الشمسي كان يومًا ما سحابة غاز ساخنة تدور، وأنه على مدى عصور طويلة بردت تدريجيًا وتكثفت لتشكل الكواكب. ودافع المتخصص في المحار، جان لامارك، عن نظرية التطور البيولوجي على مدى عصور طويلة في كتابه Philosophy of Zoology (1809).

كان أبراهام فيرنر (1749-1817) أستاذًا معروفًا في علم المعادن في ألمانيا. وقد اعتقد أن معظم قشرة الأرض ترسبت كيميائيًا أو ميكانيكيًا بعد انحسار محيط كبير غطى الأرض كلها، وذلك ببطء على مدى حوالي مليون سنة. كانت نظرية بسيطة جدًا، ولكن فيرنر فشل في أخذ الحفريات في الصخور بعين الاعتبار. كان هذا خطأً فادحًا، لأن الحفريات تحكي الكثير عن الوقت الذي فيه ترسبت الطبقات وعن سرعة ترسبها وتحجرها. كان العديد من الجيولوجيين العظماء في القرن التاسع عشر طلاب فيرنر، وتأثروا بفكرته عن تاريخ الأرض الطويل.

وفي اسكتلندا، طوَّر جيمس هوتون (1726-1797) نظرية مختلفة عن تاريخ الأرض، فقد درس الطب في الجامعة، وبعد أن أنهى دراسته، استلم مزرعة العائلة لفترة من الوقت، وسرعان ما اكتشف شغفه الحقيقي بدراسة الأرض. وفي عام 1877، نشر مقالًا صحفيًا بعنوان “نظرية الأرض”. وفي عام 1795، نشر كتابًا يحمل العنوان نفسه. واقترح أن تكون تلك الرواسب قد تصلّبت تدريجيًا بسبب الحرارة الداخلية للأرض، ثم ارتفعت بعد تعرُّضها لاضطرابات عنيفة، لتصبح أراضي جديدة، ثم تتآكل في وقت لاحق في قعر المحيطات، وتتصلب، وترتفع. ولذا، في رأيه، كان تاريخ الأرض دوريًا، وقال إنه لا يستطيع العثور على أي دليل بداية من سجل الصخور، مما يجعل تاريخ الأرض طويلًا إلى أجل غير مسمى.

نظرية الكوارث – نقاش الوتيرة الواحدة

لم يُعر فيرنر ولا هوتون أهمية كبيرة للحفريات. ومع هذا، في أوائل القرن التاسع عشر، قام عالم التشريح المقارن وحفريات الفقاريات الفرنسي الشهير جورج كوفييه (1768-1832) بتطوير نظرية الكوارث عن تاريخ الأرض. وقد عبَّر عنها بشكل أوضح في كتابه Discourse on the Revolution of the Surface of the Globe (1812). آمن كوفييه أنه على مدى عصور طويلة لا تُعد ولا تُحصى من تاريخ الأرض، حدثت العديد من الفيضانات الكارثية الإقليمية أو شبه العالمية وقضت على المخلوقات ودفنتها في الرواسب. وكل تلك الكوارث، باستثناء فيضان واحد، حدثت قبل خلق الإنسان.

كان وليم سميث (1769-1839) مهندس صرف ومسّاحًا، وبحكم عمله في بريطانيا أُخذ يفحص طبقات الأرض والحفريات. على غرار كوفييه، كان يؤمن بنظرية الكوارث وقدم الأرض. وفي ثلاثة من أعماله التي نُشرت ما بين عامي 1815 و1817، قدَّم الخريطة الجيولوجية الأولى لإنجلترا وويلز، وشرح الترتيب والتسلسل الزمني لتشكيل الصخور وفقًا لبعض خصائص الأحافير (المؤشرات). وقد أصبح معروفًا باسم “أب علم وصف طبقات الأرض الإنجليزية”، لأنه طوَّر طريقة لمعرفة عمر طبقات الصخور على أساس الحفريات التي وُجِدت فيها.

تعرضت نظرية الكوارث لضربة قوية خلال سنوات ما بين 1830 و1833، عندما قام تشارلز ليل (1797-1875)، المحامي والتلميذ السابق لوليام باكلاند، بنشر كتبه الثلاثة المؤثرة التي تحمل عنوان Principles of Geology. بعد إحياء أفكار هوتون والإضافة عليها، حددت مبادئ ليل الأسس التي يجب اعتمادها في التفسيرات الجيولوجية. وأيدت نظريته بشكل متطرف نظرية الوتيرة الواحدة، فقد أصر على أنه يجب استخدام العمليات الحالية للتغييرات الجيولوجية، ومعدلات حدتها وحجمها الحاضر، لتفسير ما كان عليه سجل الصخور من نشاط جيولوجي في الماضي. وبعبارة أخرى، فقد اعتبر أنه لطالما كان معدل تغيير العمليات الجيولوجية ثابتًا على مدار تاريخ الأرض. وأصر ليل على أنه ما من فيضانات كارثية عالمية أو قارية حدثت.

غالبًا ما يُلام ليل على أنه قوَّض الإيمان بطوفان التكوين وبالمقياس الزمني للكتاب المقدس. ولكن يجب علينا أن نُدرك أن مؤمنين كثيرين (جيولوجيين ولاهوتيين) ساهموا في هذا التقويض لتعليم الكتاب المقدس قبل صدور كتاب ليل. ورغم أن نظرية الكوارث قد قللت إلى حد كبير من الأهمية الجيولوجية لطوفان نوح وتوسعت في تاريخ الأرض ليصل إلى ما هو أبعد من وجهة نظر الكتاب المقدس التقليدية، فقد كان كتاب ليل الضربة الأخيرة القاضية للإيمان بالطوفان. بتفسير سجل الصخور الكامل على أنه نتيجة عمليات تدريجية بطيئة، قلل ليل من شأن الطوفان وجعله مجرد حدث جيولوجي لا يستحق الذكر. لم تُقوَّض نظرية الكوارث في الحال، برغم أنه، في أواخر عام 1830، لم يبقَ سوى عدد قليل من أنصار نظرية الكوارث، وكانوا يؤمنون أن طوفان نوح عديم الأهمية جيولوجيًا.

ومع نهاية القرن التاسع عشر، اعتبر جميع الجيولوجيين أن عمر الأرض هو مئات الملايين من السنين. بدأت أساليب التأريخ الإشعاعي بالتطور في عام 1903؛ وعلى مدى القرن العشرين، وصل عمر الأرض إلى 4,5 مليار سنة.

الردود المسيحية على جيولوجيا الأرض القديمة

خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، ردت الكنيسة بطرق مختلفة على أصحاب نظريات الأرض القديمة، كنظرية الكوارث ونظرية الوتيرة الواحدة. قام عدد من كُتَّاب بريطانيا (وعددًا قليلًا من كُتَّاب أمريكا)، الذين كانوا قد أصبحوا يُعرفون بأنهم “جيولوجيو الكتاب المقدس”، بإعداد حجج كتابية وجيولوجية وفلسفية ضد نظريات الأرض القديمة. كان بعضهم علماء، وبعضهم الآخر رجال دين. وكان بعضهم موسومين قسسًا ومطلعين جدًا علميًا على كل ما هو شائع في تلك الأيام. وكان العديد منهم من ذوي الكفاءة الجيولوجية من حيث كل وسائل عصرهم، سواء من خلال القراءة أو الملاحظات الحذرة للصخور والحفريات. كانوا يعتقدون أن رواية الكتاب المقدس عن الخلق وطوفان نوح تشرح سجل الصخور أفضل بكثير مما تفعل نظريات الأرض القديمة.

سارع مسيحيون آخرون في أوائل القرن التاسع عشر إلى قبول فكرة أن عمر الأرض ملايين السنين وحاولوا إلصاق هذا التفسير بسفر التكوين، على الرغم من أن أنصار نظرية الكوارث ونظرية الوتيرة الواحدة كانوا لا يزالون في جدل، وكانت الجيولوجيا ما زالت في مهدها كعلم. في عام 1804، بدأ القس المشيخي الشاب توماس تشالمرز (1780-1847) بدعوة المسيحيين لقبول نظرية ملايين السنين. وفي مراجعة كتاب كوفيه الذي صدر عام 1814، اقترح أن تكون ملايين السنين قد مرت ما بين (تكوين 1: 1 و1: 2). وفي ذلك الوقت، كان تشالمرز قد أصبح قائدًا إنجيليًا مؤثرًا جدًا، وبالتالي كانت نظرية الفجوة قد شاعت جدًا. وفي عام 1823، بدأ اللاهوتي الأنجليكاني الموقر جورج ستانلي فابر (1773-1854) بالدفاع عن نظرية اليوم- زمن طويل، والتي زعمت أن أيام الخلق لم تكن حرفية بل كانت رمزية وأشارت إلى عصور طويلة.

اضطر المسيحيون إلى إعادة تفسير الطوفان لقبول العصور الجيولوجية. وفي عشرينيات القرن التاسع عشر، ادعى الخادم المشيخي جون فليمينغ (1785-1857) أن طوفان نوح مر بسلام إذ إنه لم يُخلِّف أي دليل جيولوجي يدوم. وفضَّل اللاهوتي الأسقفي جون بي. سميث (1774-1851) أن يراه في صورة فيضان محلي في وادي ما بين النهرين (العراق حديثًا).

كان اللاهوت الليبرالي، والذي سيطر على الكنيسة في أوروبا مع بداية القرن التاسع عشر، قد بدأ بشق طريقه إلى بريطانيا وأمريكا الشمالية في عشرينيات القرن التاسع عشر. وقد اعتبر الليبراليون أن (تكوين 1-11) هي إصحاحات غير موثوق بها تاريخيًا وغير علمية وتضم أساطير الخلق والطوفان البابلية والسومرية والمصرية القديمة.

وعلى الرغم من الجهود التي بذلها جيولوجيو الكتاب المقدس، سيطرت إعادات التفسير المختلفة لسفر التكوين على إثبات قدم الأرض، حتى إنه، بحلول عام 1845، كانت كل كتب تفاسير سفر التكوين قد تخلّت عن التسلسل الزمني الخاص بالكتاب المقدس والطوفان العالمي. ومع صدور كتاب داروين تحت عنوان Origin of Species (1859)، كانت نظرية الأرض الفتية قد اختفت أساسًا من داخل الكنيسة. ومنذ ذلك الوقت فصاعدًا، قَبِلَ معظم القادة المسيحيين ولاهوتيي الكنيسة نظرية ملايين السنين من عمر الأرض، وأصروا على أن عمر الأرض لم يكن مهمًا. وسرعان ما قَبِلَ العديد من رجال الله الأتقياء نظرية التطور. ولا مجال أمامنا سوى لذكر بعض الأمثلة القليلة.

قَبِلَ المعمداني تشارلز سبرجن الملّقب بـ”أمير المبشرين” (1834-1892) بدون جدل النظرية الجيولوجية للأرض القديمة (برغم أنه لم يشرح أبدًا كيف تتفق نظرية العصور الطويلة مع الكتاب المقدس). وفي عظة له عام 1855، قال: “هل يمكن لأحدهم أن يقول لي متى كانت البداية؟ منذ سنين خلت كنا نظن أن العالم بدأ مع دخول آدم إليه؛ ولكننا اكتشفنا أنه وُجِدَ قبل آلاف السنين من إعداد الله للمادة الهيولية لجعلها مسكنًا مناسبًا للإنسان، واضعًا فيها مختلف أنواع المخلوقات التي تموت وتخلِّف وراءها آثار عمل يديه ومهارته الرائعة، وقبل أن يُجرب يديه في صنع الإنسان.”

أصر تشارلز هودج (1779-1878)، اللاهوتي المشيخي العظيم في كلية برينستون، على أن عمر الأرض غير مهم. وكان قد فضَّل في البداية نظرية الفجوة، ثم تبنَّى لاحقًا في حياته نظرية اليوم- زمن طويل. وأدت مساومته إلى انتصار اللاهوت الليبرالي في برينستون بعد مضي 50 عامًا على وفاته.

ذكر سي. آي. سكوفيلد نظرية الفجوة في ملاحظاته عن (سفر التكوين 1: 2) في الكتاب المقدس المشوهد لسكوفيلد، والذي كان يستخدمه ملايين المسيحيين حول العالم.

وفي الآونة الأخيرة، علق لاهوتي بارز متخصص في العهد القديم: بعد قراءة (تكوين 1) بشكل سطحي، يُترك لدينا انطباع أن العملية الإبداعية برمتها تمت في ستة أيام مكونة من أربع وعشرين ساعة. إذا كان هذا هو القصد الأصلي للكاتب العبري… فهذا إذًا يبدو متعارضًا مع البحث العلمي الحديث، والذي يشير إلى أن كوكب الأرض أُنشئ قبل عدة مليارات من السنين…

ويمكن الاستشهاد بالعديد من التصريحات المماثلة لعلماء وقادة مسيحيين في العقود القليلة الماضية لإظهار أن تفسيرهم لسفر التكوين يحكمه واقع إيمانهم بأن الجيولوجيين أثبتوا أن عمر الأرض هو حقًا ملايين السنين. ونتيجة لهذا، فإن معظم كليات اللاهوت المسيحية حول العالم تساوم على الحق.

ومن الساخر والمؤسف أن كل هذه المساومات حدثت في النصف الأخير من القرن الماضي، فقضية سفر (التكوين 1-11) برزت على نحو متزايد، وكثيرًا ما كان ذلك عن غير قصد، بسبب عمل التطوريين. إن مبادئ ليل الخاصة بنظرية الوتيرة الواحدة سيطرت على الجيولوجيا حتى سبعينيات القرن العشرين، عندما قام الجيولوجي البريطاني البارز ديريك آجر (1923-1993) وغيره بتحدي افتراضات ليل بشكل متزايد، وجادلوا بأن الكثير من سجل الصخور يُظهِر أدلة على التآكل الكارثي السريع أو الترسيب، والحد بشكل كبير من الوقت المفروض لتشكيل الكثير من الرواسب الجيولوجية. وقد قام آجر الذي ظل ملحدًا حتى وفاته (كما نستوضح من كتاباته) بإظهار تأثير ليل على الجيولوجيا كالتالي: أعتذر على هذا الاستطراد الطويل وغير المحترف في سرد التاريخ، فأنا حاولتُ إظهار المنطق الذي دفعني للاعتقاد أن الجيولوجيا وصلت إلى أيدي أصحاب نظرية (الوتيرة الواحدة) الذين حدَّهم التاريخ الاجتماعي والسياسي في يومهم، حتى أنهم لم يلتفتوا للملاحظات الميدانية… بعبارة أخرى، سمحنا لهم بغسل دماغنا في سبيل تجنُّب أي تفسير متطرف للماضي وما يسمى بالعمليات “الكارثية.

وقد تطورت تفسيرات “الكوارث” الجديدة للصخور، في الوقت الذي فيه عادت “جيولوجيا الطوفان”، وهي وجهة نظر عن تاريخ الأرض تُشبه إلى حد كبير تلك التي كتبها جيولوجيو الكتاب المقدس في القرن التاسع عشر. وقد شكّلت المحتوى الأساسي لخلقيي الأرض الفتية، والتي تم إطلاقها أساسًا في العالم من خلال نشر كتاب The Genesis Flood (1961) للدكتور جون ويتكومب  والدكتور هنري موريس. وهذه الحركة موجودة الآن على نطاق عالمي، والتطور للنموذج العلمي يتزايد بسرعة مع الوقت.

إن الكثير من المسيحيين اليوم يجادلون بأن هناك ضرورة للمناهضة ضد الداروينية عن طريق حجج “التصميم الذكي” وإسقاط سفر التكوين من الجدل عامةً. ولكن هذه الإستراتيجية تم اعتمادها في أوائل القرن التاسع عشر في العديد من الكتابات حول اللاهوت الطبيعي، والتي بلغت ذروتها في المجلدات الثمانية الشهيرة لعام 1830 والتي أصبحت معروفة باسم Bridgewater Treatises. كانت هذه الكتب كمَنْ يُبشر المؤمنين ولم تفعل شيئًا لدرء انغماس الثقافة في الإلحاد والوثنية. وفي الواقع، تساهم المساومة على عمر الأرض وتجاهل الكتاب المقدس في دفاعنا عن المسيحية في الواقع في إضعاف الكنيسة. والشيء نفسه يحدث اليوم.

قال التطوري والملحد الشهير وعالِم الأحياء من جامعة هارفارد جرنست ماير: “بدأت الثورة (الداروينية) عندما اتضح أن الأرض قديمة جدًا ولم تنشأ قبل 6000 سنة فقط. وكان هذا الاكتشاف هو بداية الانهيار كله.”

كان ماير على حق في أن عمر الأرض (وليس نظرية داروين) بداية التدهور والانجراف إلى الإلحاد. ولكنه كان مخطئًا في أن فكرة ملايين السنين كانت “اكتشاف” البحث العلمي. لقد كانت ثمرة الافتراضات الفلسفية المضادة للكتاب المقدس والمستخدمة لتفسير الصخور والحفريات. وقد أظهرت الأبحاث التاريخية أن لابلاس أعلن إلحاده، وأن بوفون ولامارك وويرنر وهوتون كانوا ربوبيين أو ملحدين، وأن كوفيه ووليام سميث وليل كانوا ربوبيين أو يؤمنون بإله غامض. هؤلاء (الذين تأثروا بفكر المسيحيين المساومين) لم يكونوا متجردين وباحثين موضوعيين عن الحق.

إن المثال النموذجي لما كتبه ليل وبوفون وآخرون هو بيان هوتون، فقد أصر على أن “التاريخ الماضي لأرضنا يجب أن يُفسَّر بما يمكن رؤيته يحدث الآن… ولا يجوز استخدام أية قوى غير طبيعية وغريبة عن عالمنا، كما لا يجوز قبول أي إجراء إلا ما نعرف مبدأه.” بإصراره على أن ينطلق الجيولوجيون فقط من العمليات الطبيعية المتعارف عليها في أيامنا، يستبعد هوتون أي خلق خارق وطوفان عالمي فريد من نوعه، كالذي وصفه سفر التكوين، قبل أن ينظر في الصخور.

ولا عجب أن هوتون لم يتمكن من ملاحظة الأدلة الجيولوجية الكثيرة التي تؤكد تعليم الكتاب المقدس عن الخلق والطوفان وعمر الأرض. ولا عجب أن كل دارسي الجيولوجيا الذين غسلت دماغهم افتراضات القرنين الماضيين نفسها لم يكونوا بدورهم قادرين على ملاحظتها. يجب ألا نتعجب إذا عرفنا أن معظم القادة المسيحيين والعلماء يجهلون الأدلة، فقد تعرَّضوا لغسيل دماغ أيضًا، تمامًا كما حدث مع العديد من خلقيي الأرض الفتية يومًا ما.

الآثار الكارثية للمساومة

إن جيولوجيي الكتاب المقدس في أوائل القرن التاسع عشر عارضوا النظريات الجيولوجية التي تُثبت قدم الأرض، ليس فقط لكونها تعكس منطقًا علميًا خاطئًا وتخالف الكتاب المقدس، ولكن أيضًا لأنهم اعتقدوا أن المساومة المسيحية مع هذه النظريات سيكون لها في النهاية أثر كارثي على صحة الكنيسة وعلى شهادتها في عالم ضال.

كتب الأنجليكاني هنري كول يقول: “ومع ذلك، إن العديد من الجيولوجيين الموقرين سوف يُبدون تقديسهم للوحي الإلهي بعد التمييز بين الأجزاء التاريخية والأدبية، والتمسك بكون الأخيرة فقط هي الحق المطلق والموحى به، بينما الأولى ليست كذلك؛ وبالتالي فهي مفتوحة لأي تفسير فلسفي وعلمي، وأي تعديل أو رفض! بحسب هؤلاء المعدلين والمقسمين الذي يفتقدون للتقوى والأمانة، فإن الموحى به فعليًا في الكتاب المقدس لا يتعدى الثلث، لا أكثر، والكثير منه منشغل بالأخلاقيات المجردة والوحي والتعليم والإرشاد. أما الثلثان الآخران فمفتوحان لأي تعديل أو تفسير علمي، أو (إذا تطلب الأمر علميًا) إلى الرفض التام! ومع ذلك يمكن التأكيد بضمير صالح أن كل مَنْ يعلن أمام الناس عن إنكاره وحي أي جزء من كلمة الله فإنه ينكر، في نظر الله، وحي الكتاب المقدس بأكمله… ما العواقب التي يمكن أن تُصيب الوحي – امتلاك الأرض، وسيبين الوقت بسرعة وبفظاعة التشكيك وعدم الإيمان والارتداد وانتقام الله العادل من ذلك!”

إن كول وغيره من معارضي نظريات الأرض القديمة فهموا بحق أن الأجزاء التاريخية من الكتاب المقدس (بما في ذلك سفر التكوين 1-11) هي أسس التعاليم اللاهوتية والأخلاقية للكتاب المقدس. إذا شككنا بمصداقية الوحي السابق فسوف نشهد عاجلًا أم آجلًا رفض الوحي الأخير داخل الكنيسة وخارجها.

لقد آن الوقت لأن تتوقف الكنيسة، ولا سيما قادتها وعلمائها، عن تجاهل عمر الأرض والأدلة العلمية التي تثبت أكثر فأكثر صدق كلمة الله. يجب على المسيحيين أن يتوبوا عن مساومتهم.

مقالات أخرى

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا