لم يكن يعهد بشرًا وأشباهًا لذلك، أبدان لكثير من عواقل الأرض ومَنْ هم على شاكلتهم بلا بهجة أو ابتسامة تتقوس على ثغورهم… انتابته الدهشة حين تطلع إلى الكثير من الوجوه وقت أن رآها تمتلك التشابه والتنافر، التماثل والتضاد، التآلف والاختلاف! صارت نجواه -حديث نفسه إلى نفسه- على أشدها وقت أن تساءل مستنكرًا ومستفسرًا: لِمَ كل هذا العناء والانشراح الذي يتجسد على هؤلاء ويرتسم على أولئك؟! لماذا ينتفخ الكثيرون مختالين ومغرورين بما يملكونه بينما يتوجع الأكثر ألمًا وجوعًا؟! تزاحمت أمامه بعض من علامات التعجب والعديد من علامات الاستفهام إلى أن ارتسمت بذهنه كلمتان تحملان بين كلتيهما كل ألوان التباين والتباعد والتنابذ والاختصام: الثراء والفقر!!!!!
توارى الحق عن موضعه وبرزت إحدى نتائجه وهي الحقيقة حين تمثلت وتجسدت أمام أعيننا بلا أدنى مواربة في ذلك، فقد تلازم الفقر بحرمانه مع الثراء بكل شبعه وإشباعه، تلازما لكنهما لم يتوحدا، تقارنا بلا أدنى ألفة بينهما. واجها البشر باختلاف نوعياتهم تاركين فيهم غرورًا وتعاسة، تباهيًا وتواضعًا، تكبرًا واستكانة، توحدا في أعين ذاتهما وتشرذما بين طيات نفسيهما، فقد اتسع الفتق على الراتق حين حاول الإنسان جاهدًا تعايشه مع الفقر مستميتًا في أن يحول دون وصول براثنه إلى قلبه وكل جسده، لكن هيهات أن يحدث ذلك! فلقد تجزأ الإنسان مشاعر تأثرًا بفقر مدقع كما انتثرت إنسانية الإنسان جراء غنى وثراء في كل وحشة ووحشية وافتراء!!! وهكذا أنجزا ما لا يمكن لغيرهما أن ينجزه وهو تبديل أحوال البشر إلى لا بشر بل تمثل وظلال وخيال لذلك!!!
وأي من الأشياء يضاهي رؤية الند مترفعًا رافعًا قدره إلى عنان السماء، متسيدًا مستأسدًا متألهًا؟! وأي من الأحرف يحيط وصفًا بما تلج به الصدور حين التطلع إلى أحد رفقاء الحياة وقت انزوائه عن رفقته ضاربًا بكل المثل عرض الحائط؟! إنه الانسلاخ من الآدمية بكل ما لها والتقوقع بين حجري رحى لا يدركان من دنياهما سوى الدهس والسحق والاكتساح، رؤية التلاشي عن الوجود دون النطق والتعبير والحديث، الانحناء والانبطاح لكل تيارات الألم دون رؤية ما يمر أو يعبر. إنه التحدي المقسوم له بالانقسام، النزال الناظر إلى مثواه الأخير والحتمي وقت انهزامه، الصراع والجهاد والاقتتال المتطلع دائمًا وأبدًا إلى الانهزامية بكل التزام وانضباط واعتدال. إنه الفقر والعوز في مواجهة الفيض والتملك، الحاجة والاحتياج أمام الاغتناء والاستغناء. إنه عصر اليُسر والثراء في زمن الفقر والفقراء!!!