كشفت دراسة أمريكية حديثة عن وجه آخر لظاهرة السمنة لدى الأطفال، متجاوزةً الأسباب التقليدية المتمثلة في الغذاء والنشاط البدني؛ حيث أثبتت أن “التجارب الأسرية القاسية” والضغوط النفسية تلعب دورًا محوريًا في رفع مؤشر كتلة الجسم، محولةً التوتر النفسي إلى دهون جسدية.
لغة الأرقام: 3 من كل 4 أطفال في خطر
الدراسة التي أجراها باحثون من جامعة جورجيا ونُشرت في دورية JAMA Network Open، استندت إلى بيانات ضخمة لأكثر من 5400 طفل (بين 11 و12 عامًا). وجاءت النتائج لتدق ناقوس الخطر؛ إذ تبين أن 75% من الأطفال قد تعرضوا لتجربة سلبية واحدة على الأقل، شملت:
1- الطلاق الأسري أو الإهمال.
2- التنمر أو العنف الجسدي والجنسي.
3- الضغوط الاقتصادية والفقر.
ووجد الباحثون علاقة طردية مثيرة للقلق؛ فكل زيادتين في عدد التجارب القاسية، يقابلهما ارتفاع يقدر بنصف نقطة في مؤشر كتلة الجسم (BMI).
كيمياء التوتر: لماذا نأكل عندما نتألم؟
يفسر الباحثون هذه الظاهرة بيولوجيًا؛ فالتعرض المستمر للضغوط لا يغير السلوك فقط، بل يغير استجابة الجسم الهرمونية. يؤدي التوتر المزمن إلى إفراز هرمون “الكورتيزول” بشكل مكثف، وهو الهرمون المسؤول عن فتح الشهية والشعور بالجوع، خاصة تجاه الأطعمة الغنية بالسكريات والسعرات الحرارية، كنوع من “التعويض النفسي” اللاإرادي.
تفاوت اجتماعي وصعوبات اقتصادية
لم تكن النتائج متساوية بين جميع الفئات؛ فقد أظهرت الدراسة أن الأطفال من أصول لاتينية كانوا الأكثر عرضة للسمنة (بنسبة 50%) والتعرض للتجارب السلبية (بنسبة 83%)، وهو ما يعزوه الخبراء إلى التفاوت في المستويات الاقتصادية والاجتماعية التي تزيد من حدة الضغوط على العائلة.
طوق النجاة: “الشخص الداعم” يحمي طفلك
وسط هذه الصورة القاتمة، حملت الدراسة بارقة أمل كبيرة؛ إذ تبين أن وجود “شخص بالغ داعم” في حياة الطفل (أب، أم، معلم، أو مدرب) يعمل كجدار حماية. الأطفال الذين حظوا بهذا الدعم سجلوا مؤشرات كتلة جسم أقل، حتى لو تعرضوا لنفس القسوة المحيطة، حيث ساعدهم الدعم العاطفي على موازنة استجاباتهم البيولوجية للتوتر.
توصيات طبية: الفحص النفسي أولًا
توصي الدراسة بضرورة تغيير بروتوكول الفحص الطبي الدوري للأطفال، بحيث لا يقتصر على قياس الوزن والطول، بل يجب أن يشمل:
تقييم الحالة النفسية: والسؤال عن التجارب السلبية التي يمر بها الطفل.
التدخل المبكر: تقديم الدعم للأسر التي تعاني من أزمات اقتصادية أو اجتماعية.
المقاربة الشاملة: التعامل مع السمنة كقضية “بيئة ومشاعر” وليست مجرد “سُعرات”.
خلاصة القول: إن حماية أطفالنا من السمنة وتبعاتها الصحية المزمنة تبدأ من تأمين بيئة عاطفية مستقرة، فالحب والدعم قد يكونان أقوى مفعولًا من الحمية الغذائية