أراء حكم الأغلبية نوفمبر 1, 2025 2 FacebookTwitterPinterestWhatsApp د. إميل لبيب الناس عادةً بتشوف إن الأغلبية صوتها هو الحكم الفصل، وكأنها دايمًا بتمثل العدل والحكمة. لكن لو بصينا في التاريخ هنلاقي إن الأغلبية ساعات بتتحول لقوة عمياء، تسكت على الظلم أو تمنح شرعية لقرارات كارثية. في أثينا القديمة، المجتمع اللي كان بيدَّعي الديمقراطية والحرية، صدر حكم بالإعدام على سقراط، واحد من أعظم العقول الفلسفية. سقراط اتهموه إنه “بيفسد عقول الشباب” لأنه كان بيعلِّمهم يفكروا بحرية. الأغلبية ساعتها ما اعترضتش، بالعكس سكتت وسابت الفيلسوف العظيم يواجه الموت وحيد. ده كان أول دليل إن الجموع ساعات بتفضَّل السلامة والصمت على إنها تدافع عن الحق. بعدها بقرون، في أورشليم، الجموع وقفت قدام خيارين: إما إطلاق المسيح اللي شفى أمراضهم وأقام موتاهم أو إطلاق بارباس، المجرم المعروف. الناس اختارت بارباس، ودفعوا بالمسيح للصليب. هنا برضه الأغلبية ما مشيتش ورا الحق، لكن ورا الانفعال والتحريض. في القرن العشرين، التاريخ أعاد نفس الدرس. الأغلبية في ألمانيا انتخبت هتلر رجل خطبته كانت نار وحماسة أسر قلوب الناس. والنتيجة كانت حرب عالمية دمرت بلاد وقتلت ملايين. الأغلبية اللي صدقت كلامه ما حسبتش العواقب. الأحداث دي بتأكد إن الشعوب مش دايمًا بتحركها الحكمة. بالعكس، أوقات كتير بتحركها العاطفة والانفعال. شكسبير في مسرحيته “يوليوس قيصر” وصف المشهد ده بوضوح وقال: “روما هي الدهماء” شكسبير كان عايز يوضح إن مصاير الأمم ساعات بتبقى في إيد جموع وأغلبية غير واعية تصفق وتبكي وتتحمس، لكنها ما تفكرش في العواقب. الجموع دي اللي سماها “الدهماء” أو “العامة”، واللي بتتحول لقوة ضخمة لكن من غير بوصلة أخلاقية أو عقلية. بمعنى تاني: الجموع ممكن تنقلب من التأييد إلى التنديد لنفس الشخص في لحظة. الرأي العام سريع التقلب، بيتأثر بالكلمة والخطبة والمشهد، مش بالتحليل العميق. فهو بيحذر من خطورة إن القرارات المصيرية تسيطر عليها مشاعر الناس بدل التفكير الواعي. يعني الجموع غير الواعية هي اللي بتحرك الأمور، مش العقل ولا التفكير. الموضوع مش بس دروس من التاريخ أو الأدب، لكن كمان ليه تفسير علمي. جوستاف لوبون، في كتابه الشهير “سيكولوجية الجماهير”، قال: إن الفرد لما يبقى جزء من جماعة، بيتخلى عن وعيه النقدي ويمشي مع التيار. الجماهير دايمًا بتفكر بعاطفتها مش بعقلها. لوبون وصفها كده: “الجماهير سريعة التصديق تنجذب للكلمة البسيطة والصورة المؤثرة وتنتقل من الحماس للتدمير في لحظات.” وده بالضبط اللي بيخلي الأغلبية أحيانًا أخطر من أي طاغية، لأنها هي اللي بتدي له القوة. وعلشان نفهم أكتر محتاجين نحلل سلوك وأنماط الجماهير أو الجموع أو الأغلبية سميها زي ما تحب، فيه أنماط كتير من الجموع أو الأغلبية: جموع وأغلبية عاطفية: تتأثر بسرعة بخطاب حماسي أو مشهد درامي. جموع وأغلبية عنصرية: تختار بدافع الكراهية للآخر مش بحثًا عن العدل. جموع وأغلبية جاهلة: تمشي ورا إشاعة أو خطبة نارية كأنها حقيقة. جموع وأغلبية متعصبة: الدين عندها بيتحول لأداة للتحريض بدل ما يكون وسيلة للعدل والرحمة. ولو بصينا النهارده في مجتمعنا أو المجتمعات اللي حوالينا هنلاقي إن نفس الكلام ونفس السيناريو بيتكرر. هنلاقي نفس الظاهرة. في مجتمع، الأغلبية تتأثر بخطاب طائفي أو سياسي ينادي بالكراهية بدل العدالة. وفي مجتمع تاني، الناس بتسكت على فساد أو ظلم لأنها مش عايزة صداع، وتقول: “خليها على الله” أو “اللي نعرفه أحسن”. كل فئة بتشوف نفسها الممثل الوحيد للحقيقة، فتدي أصواتها بناءً على العصبية مش على المصلحة العامة. والنتيجة: تضارب، وانقسام، ومصاير بتتشكل بعيد عن العقل والعدل. وده يخلينا نأكد أن الخطر مش في الطغاة لوحدهم لكن في الأغلبية اللي بتديهم الشرعية. سواء بالتصويت أو بالصمت. الأغلبية اللي بتصقف أو تسكت بتبقى شريكة في صناعة المصير. السؤال اللي لازم كل فرد يسأله لنفسه: هل أنا مجرد جزء من “الدهماء” زي ما وصف شكسبير، اللي بتتحرك بالعاطفة؟ اللي بتنساق من غير وعي؟ ولا أنا فرد واعي قادر يقول “لأ” حتى لو الأغلبية كلها بتقول “آه”؟ التغيير مش هيبدأ من شعارات كبيرة لكنه بيبدأ من وعي الفرد. لما تختار بعقلك وتفكر قبل ما تندفع ساعتها الأغلبية تتحول لقوة بناء مش قوة هدم وتبقى ضمانة حقيقية للعدل مش مجرد رقم في صفوف التاريخ.