20.4 C
Cairo
الأحد, أبريل 14, 2024
الرئيسيةفكر مسيحيجَنَّةُ المُلْكِ الحلقة (13)

جَنَّةُ المُلْكِ الحلقة (13)

تدور القصة في مدينة شوشن عاصمة بلاد فارس في عهد الملك “أحشويروش” المعروف باسم زركسيس الأول الذي حكم 127 مملكة.

 (شبنة هو ابن عم الطفلة التي ماتت أمها أثناء ولادتها وسبقها أباها، اتفق شبنة مع عمته رفقة أن تسمى الطفلة اليتيمة هداسا… كانت العمة “رفقة” هي الأم الروحية لكل أبناء عشيرتهم.. أضاع “أبيحائل” والد الطفلة، قبل مماته ثروته مع تجار غرباء ولم يحتمل الخيانة فمرض..

وبسبب علاقة شبنة (مردخاي) بهذه الطفلة الصغيرة التي غزت محبتها قلبه، أعاد اكتشاف نفسه. فقد وجد أنه ما زال قادرًا على العطاء والحب والاهتمام.. واختبر مشاعر من نوع جديد أضفت الحيوية والانتعاش على حياته. تطورت العلاقة بين شبنة والطفلة الصغيرة وأصبح يخاف عليها من أي شيء.. (يمكنك قراءة الحلقات السابقة على موقع الجريدة..)

رجع “مردخاي” وملامح الإجهاد تبدو على وجهه بعد يوم عمل طويل… فقد أصبحوا الآن هم مركز كتابة المراسيم الملكية بكل لغات المملكة لتوزع على جميع المناطق بعد أن نقل الملك كل شيء لشوشن العاصمة الجديدة.

استقبلته “هداسا” بابتسامة نسى معها كل تعبه… ولكن ملامح وجهها كانت تقول أنها تريد أن تتحدث معه في أمر ما… صبت له الماء ليغتسل تمهيدًا لتناول الطعام. وبينما كانت ترتب المائدة، سرح “مردخاي” بفكره لعله يتوقع ما تريد أن تتحدث معه فيه.

كان حديثهما الشيق يتم عادةً عند تناول الطعام… وبعد الصلاة والشكر انتظر “مردخاى” إلى أن بادرت “هداسا” بالحديث:

– أبي… أريد أن…

قاطعها “مردخاي” بابتسامة مقلدًا صوتها:

– أريد أن أطلب منك أمرًا فلا تردني.

نظرت إليه ببراءة وضحكا معًا في وقت واحد…

– نعم، أعرف أنت كالعادة تريدين شراء أشياء لا معنى لها من السوق.

– كلا، هذه المرة لا أريد أن أصرف العملات… بل أريد أن أربحها.

نظر إليها “مردخاي” مستغربًا وقد توقف عن مضغ طعامه، فيما ردت “هداسا” بحماس:

– نعم، أريد أن أعمل… وأجني العملات.

– ماذا؟

– كل أقراني يعملون مع والديهم… ويكسبون قوتهم.

– أقرانك؟ والديهم؟ قوتهم؟ وهل “يديدة” تكسب العملات؟ أم تقصدين الأقران من الذكور؟ العمل للرجال؟ ثم هل أعوزك شيء حتى يتطلب الأمر منك أن تكسبي قوتك؟

– كلا… أنت لا تفهم الأمر…

قاطعها “مردخاي” وقال باقتضاب:

– كل هذا من تأثير تواجدك مع داود وزكريا و”آساف” وقد سبق وقلتُ لك لا تطيلي التواجد معهم.

بدا الحزن على ملامح وجهها، واحمرت عيناها استعدادًا للبكاء، فقال لها “مردخاي” قبل أن تبدأ:

– تحدثي وأفصحي عن وجهة نظرك ولماذا تريدين مثل هذا الأمر. أنا أسمعك.

استعادت ثقتها بنفسها فيبدو أن هناك أملاً في إقناعه.

– جميع أقراني يساعدون آباءهم في أعمالهم الحرفية.

– حسنًا، لقد رزقك الله بأب لا يوجد لديه عمل حرفي.

– نعم ولكن ليس المقصد هو المكسب بقدر أن العمل يساعد على تنمية قدراتي… ويضيف لي مهارات جديدة ويصنع لي هوية مميزة.

– حسنًا، يمكنك أن تعملي معي، عملي هو الكتابة وسأجعل منك مساعدتي.

– أبي… الكتابة ليست عملاً.

اتسعت عينا “مردخاي” ونظر إليها بتحفز، فسارعت لتنقذ نفسها وقالت بنبرة هادئة:

– على الأقل بالنسبة لي.

– يبدو أن في ذهنك أمرًا ما.

– نعم… أريد أن أعمل في النحت مع عمي “شمعون”.

– آه… هه وأسفاه… قولي لي.

ثم علا صوته وقال بحزم:

– تقصدين مع “آساف”.

– بالعكس، “آساف” بالكاد يذهب إلى هناك هو غير مهتم بالخزف والنقش.

– وما أدراكِ بأنه لا يذهب؟

ردت بتلعثم:

– هذا ما تقوله العمة “رفقة” كل يوم… اسألها لو لم تصدقني… أبي… الأمر ليس له علاقة بأحد… الأمر له علاقة بي أنا فقط… هذا ما أريد.

– اسمعي… أنا مرهق جدًا.

نظرت إليه وقالت بتوسل:

– على الأقل عدني أنك ستفكر في الأمر.

– لاحقًا… ليس الآن… لا تتبرعي بالذهاب من نفسك هنا أو هناك قبل أن نتفق… دعيني أدرس الأمر.

– متى سترد عليّ؟

– لا… لدينا هذه الأيام في القصر استعدادات هائلة… في الغالب الملك يجهز لحفل كبير بعد انتهاء الحفل نتحدث مرة أخرى بمشيئة يهوه.

– حسنًا، ولكن بشرط.

– وما هو؟

قالت بصوت حالم وهي تتحرك كالفراشة:

– أن تحكي لي عن القصر وهذه الاستعدادات… والساكنين فيه وزائريه… وماذا يفعلون وكيف يلبسون وكيف يتصرفون.

قال لها “مردخاي” وهو يحني رأسه للأمام قليلاً:

– حسنًا أميرتي الصغيرة، سأطلعك على الجديد ولن أنسى تفاصيل الزينة والألوان حتى أنقل لك الموقف بصورة دقيقة.

                                                         *********

اجتمع الملك وكبار مستشاريه بالبلاط الملكي وقد تم استدعاء “ماردونيوس” قائد الجيوش ليعطي تقرير عن استعدادات الجيش طوال السنوات الثلاث الماضية… والتي حشد خلالها كل الإمكانيات المادية والبشرية لتطوير الجيش.

دخل “ماردونيوس” قاعة البلاط الملكي، بخطوات واثقة، وهو يحمل خوذته بيده اليسرى… وفي أبهة ثيابه العسكرية… انحنى أمام عرش الملك الذي مد قضيبه الذهبي نحوه.

– مولاي… ملك الملوك… الملك العظيم.

– كيف حالك “ماردونيوس” رئيس جيوش ملك الملوك؟

رد عليه بلهجة يملأها التفاؤل:

– نتدرب كل يوم، ونضم جنودًا جددًا، ونطور الأسلحة، تضاعفت أعداد قواتنا وأسلحتنا وعتادنا… ستحقق مولاي حلم والدك الملك “داريوس” العظيم. سنذهب إلى اليونان وسننتصر عليهم هذه المرة.

ظل الملك لوقت ليس بالقصير يناقش مستشاريه المقربين إليه كرشنا وشيثار وادماثا وترشيش ومرس ومرسنا ومموكان – سبعة رؤساء فارس ومادي الذين يرون وجهه ويجلسون معه أولاً – في ترتيبات الحرب، خاصةً وأن المسافة بعيدة والجيش سيغادر الإمبراطورية لفترة غير معروفة، إلى أن أشار عليه كبير رؤساء فارس ومادي مستشاره “كرشنا” المقرب منه قائلاً:

– مولاي… لقد استطعت أن تؤمن البلاد والحدود وتقمع الثورات خلال الثلاث سنوات الماضية… قرار دخولنا الحرب يحتاج تأييد كافة النبلاء والرؤساء حتى تأييد الدول الصديقة المحيطة بنا. وعليه اقترح أن تقيم حفلاً ضخمًا يتناسب وعظمة مملكة مادي وفارس تعلن فيه عظمة مجدك أمام الجميع وتكسب صداقتهم… ومن قلب الحفل تأخذ قرار الحرب مع مجلس المستشارين والقيادة العليا للجيش بحضور النبلاء وقادة الجيوش والمرازبة والولاة… وأتمنى أن نسرع في تجهيزها قبل نهاية الخريف لضمان جودة الجو.

رد الملك باهتمام:

– فكرة جيدة جدًا… اكتب أيها المسجل:

أنا “أحشويروش” الملك العظيم على مئة وسبع وعشرين كورة من الهند إلى كوش… أعلن عن إقامة وليمة ضخمة بحسب عظمة قدرتي لم ير أحد مثلها من قبل… يظهر فيها غنى مجد ملكي ووقار جلال عظمتي.

أنا الملك “أحشويروش” الجالس على كرسي مملكة مادي وفارس الذي في شوشن القصر… أعلن عن إقامة وليمة لجميع رؤسائي وعبيدي من جيش فارس ومادي وشرفاء البلدان ورؤسائها وكل نبلائي.

أسرع القائمون على العمل للكتابة إلى كل كورة بلغتها وكل شعب بلسانه وخُتمت الرسائل بخاتم الملك، وأُرسِلت بأيدي بريد الخيل ركاب الجياد والبغال، وتأهب القصر كله على قدم وساق للإعداد لأكبر وليمة في التاريخ.

المقاله السابقة
المقالة القادمة
مقالات أخرى

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا