تَعَالَوْا إِلَ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ

53

تذكرتُ أن هناك مَنْ خرج علينا ليقول لنا أن الإمام الأكبر، شيخ الأزهر، هو إمامنا كلنا نحن المصريين، مسيحيين ومسلمين، وخرج آخر ليقول: “إننا نعيش أزهى عصورنا، وإن أحرقوا لنا كنائسنا سنصلي مع إخوتنا المسلمين في الجوامع”، وأصدر ثالث مؤخرًا وهو الأسقف “رئيس المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي والأمين العام المساعد لبيت العائلة المصرية” بيانًا تضامن فيه مع الشيخ أسامة الأزهري وقال: “إننا نرفض بشدة ولا نقبل إنكار السنة المشرفة والتقليد الكنسي” ولم يقل لنا ماذا قصد ومَنْ هم الذين يرفضون بشدة ولا يقبلون إنكار السنة المشرفة. أهم كل المسيحيين أرثوذكس وإنجيليين وكاثوليك أم هم الأرثوذكس فقط، أم هم جزء صغير أو كبير منهم التابعين له ولسلطانه الكنسي؟ واضعًا بتصريحه هذا، البابا تواضروس، في موقف لا يُحسد عليه، فإن وافق وأكد البابا كلام هذا الأسقف لاشترك معه في جريمته التي ارتكبها بقوله هذا ولثار عليه أبناء طائفته ووجدها المتربصون به فرصة للوقوف ضده، وإن صرح برفضه لهذا البيان سيكون في عداء مع المسلمين جميعًا، وإن صمت ولم يعلق على الأمر كما هو الوضع الآن سيتساءل الجميع: أين هو من هذا البيان؟ وهل هو بقادر على مواجهة ومخاطبة الناس مسلمين ومسيحيين فيما يخص هذا الأمر؟ لقد دأب الأساقفة الأرثوذكس على وضعه في مثل هذه المواقف كما فعل أيضًا من قبله الأنبا الذي ظن في نفسه أنه يمثل المسيحيين جميعًا وقال في لجنة الإعداد للدستور: “أنا متنازل عن مدنية الدولة” وكأنه يملك حق التنازل عن مدنية الدولة نيابةً عن المسيحيين جميعًا أو قد خوله المسيحيون بأمر التنازل أو فعل ما يريد.

في خضم كل هذه الأحداث، لستُ أدري لماذا قفز إلى عقلي القول القرآني والذي نصه: “قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ”؟ وتساءلتُ: لماذا لا يعمل الناس، بغض النظر عن دينهم وخلفيتهم ومذهبهم وإيمانهم، سواء ما إذا كانوا يؤمنون بالقرآن وتنزيله من عدمه، لماذا لا يعملون بنصيحة القرآن هذه، حتى لو كانت تخاطب جانبًا واحدًا من البشر وليس الاثنين، وتطلب من الجماعة الواحدة المسالمة وهم أهل الكتاب، أي المسيحيين، أن يأتوا إلى كلمة سواء، وأن يجتمعوا أو يلتقوا مع بعضهم البعض حول مائدة مستديرة بهدف البحث معًا في كل موضوعات اختلافاتهم وإيجاد حلول لها وليأتوا إلى كلمة سواء بينهم وبين بعضهم حتى لو لم يكن فريق من المدعوين يؤمنون بهذه الدعوة أو بالكتاب الذي كُتبت فيه، أو والأغراض التي كُتبت لأجلها والظروف التي كُتبت فيها، لكنها على كل حال يمكن اعتبارها دعوة ليعم السلام والعدل والمودة البلاد والعباد؟

ومع علمي الكامل والمؤكد أنه ما أكثر اللقاءات الرسمية والاجتماعات التطوعية والإجبارية والمعانقات المظهرية والصور الفوتوغرافية والمغازلات السطحية الهزلية بين ممثلي هذه الأديان الكبرى في الشرق الأوسط وفي مصر، إلا أنني أرى أن هذه الفئة من القادة الدينيين هم أصل المشكلة وفي نفس الوقت هم المسئولون عن حلها، لأنه من الواضح أن اللقاءات والاجتماعات والمباحثات التي تجري بين أصحاب الصراعات والأديان المختلفة لا تحدث بهدف محاولة الوصول إلى كلمة سواء بين المختلفين كما أوصى القرآن بل لأهداف وقناعات أخرى عادةً ما تؤدي إلى ازدياد الفجوة والخلاف بينهم؛ فمن بين هذه القناعات أو التصرفات والأهداف المعلنة أو المخفية والتي تجعل هذه الاجتماعات واللقاءات ليست إلا مظهرية ومضيعة للوقت والجهد والمال ولا مستفيد منها سوى الشيطان عدو الخير، الكذاب وأبو الكذاب، أي الشيطان، أنه عادةً ما يسيطر على كل ما يقال في هذه اللقاءات والاجتماعات ويوجهها لصالحه وصالح مملكته الشريرة ويأسر بذلك فكر وتصريحات وحياة قائليها، ويجعل الشرير هذه اللقاءات تموت قبل أن تولد.

أما الأمثلة على ما ذكرت سابقًا فهي على سبيل المثال لا الحصر:
أ- أن يأتي المختلفون المتصارعون حول الاختلافات الدينية بين قادة الأديان الكبرى الثلاث ويصر كل منهم على أن يكون الاجتماع واللقاء حول مائدة مستطيلة وليست مستديرة، ويطالب ويصارع كل منهم للجلوس على رأس المائدة معتقدًا انه أحق بالجلوس في مكان الصدارة لكونه ممثل للفئة التي هي أكثر عددًا أو مالًا أو شعبًا أو شغبًا وعنفًا وقتلًا، والأعلى صوتًا من الآخرين، أو بسبب امتلاكه لأضخم ترسانة من الأسلحة المدمرة أو حتى البلطجية الذين يمكن أن يوجههم بكلمات قليلة للقيام بأعمال الهدم والعنف والقتل، وغيرها الكثير مما يتسبب في رفض المختلفين الجلوس على مائدة مستديرة لتتساوى فيها رؤوس كل الآتين للوصول إلى كلمة سواء.

ب- اقتناع وثقة كل واحد من هؤلاء القادة أنه هو الوحيد صاحب الحق المطلق (والمقصود بالحق المطلق هنا هو ما أُنزل من المولى سبحانه أو مجرد كُتِبَ في كتب كل منهم (التوراة بالنسبة لليهود، والتوراة والإنجيل بالنسبة للمسيحيين، والقرآن بالنسبة للمسلمين)، فكل يؤمن أنه صاحب الحق المطلق ومَنْ عداه من أصحاب الديانات الأخرى، التالية في الترتيب الزمني، هو من عند غير الله سبحانه، فاليهودية لا تعترف بأن المسيحية أو الإسلام من عند الله، والمسيحية تؤمن وتعترف بما أنزل إلى اليهود من قبلهم لكن لا تعترف بالإسلام وتعاليمه، والإسلام يعترف باليهودية والمسيحية لكن ليس بما بين أيديهم من توراة وإنجيل إذ يرون اليهود والمسيحيين أصحاب الباطل، المغضوب عليهم والضالين، لأنه، كما هو راسخ في اعتقاد المسلمين، فإن اليهود والمسيحيين قد حرَّفوا كتبهم وأضافوا أو حذفوا منها ما هو من عند الله وأبقوا على ما وضعوه هم فيها ولذا فهي كتب ليست خالصة من عند الله. وهذا أمر طبيعي، أن يؤمن أتباع كل دين من الأديان المختلفة أنهم يمتلكون الحق المطلق وإلا ما كان لهم أن يعتنقوا هذا الدين أو ذاك. ولمعرفة الوسواس الخناس أهمية إيمان تابعي الأديان لهذه الحقيقة، أصدر لنا فتوى أخرى تتناسب مع التفكير البشري والقناعات الأرضية الشيطانية وأشاعها بين الناس وسمح لهم بالجدال والنقاش والعراك حولها، ثم إيمان البعض بها، وهذه الفتوى تقول بأنه لا دين في الأرض يملك أتباعه الحق المطلق وأنه لا بد أن يتصارع مع الآخرين حتى يتم فيهم جميعًا القول “جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا.”

ج- من الأمثلة التي تجعل هذه اللقاءات بين مَنْ ينبغي عليهم أن يأتوا إلى كلمة سواء بينهم بلا فائدة أو جدوى، أن يأتي كل منهم مصرًا على أن يغير طبيعة وقناعات وتعاليم ومعتقدات الآخرين، أصحاب الأديان الأخرى، وما أنزل إليهم من ربهم، كما يؤمنون أو يدّعون بأنه قد أنزل وأعطى لهم من ربهم، سواء أكانت هذه حقيقة يشهد عنها المولى تبارك اسمه نفسه وتؤكدها تعاليم وممارسات وأقوال وأغراض أنبيائها وتابعيهم في حياتهم العملية الشخصية، وتوصيل رسالتهم للناس أم أن الأمر كله آتاهم من مصادر أخرى لا يعلم حقيقتها ومصدرها إلا الله وحده سبحانه وتعالى.

والمصيبة الكبرى، في عدم لقائهم كمُخلصين وجادين للوصول إلى كلمة سواء بين الأديان الكبرى هي أن كلًا منهم يؤمن أن أصحاب ديانته هم وحدهم مَنْ اصطفاهم المولى وفضلهم على بقية العالمين، وأتمّ عليهم نعمته ورضي لهم اليهودية أو المسيحية أو الإسلام دينًا، ويؤمنون أن مَنْ لم يمت في دينهم وإيمانهم لا مكان له بعد موته في السماء حسب اعتقاد البعض أو في الجنة حسب اعتقاد البعض الآخر، بل هو في جهنم النار وبئس المصير. والعجيب أن هذا يحدث بالرغم من اختلاف الأديان الثلاثة على ما هو مكان النعيم الذي يذهب إليه الصالحون وإذا ما كان هذا المكان جنات تجري من تحتها الأنهار، وبها تمر وعنب وأولاد مخلدون وحور عين لم يطمثهن بشر، ليستمتع بها أصحاب الجنة على أسرّة من ذهب، وعلى الجانب الآخر إذا كان هذا المكان هو سماء المولى تبارك اسمه الذي وعد بها المؤمنين بالمسيح يسوع والتي فيها القداسة وفيها لا يزوجون ولا يتزوجون بل يكونون كملائكة الله، كما علَّمنا المسيح يسوع تبارك اسمه. فالعجيب أنه بالرغم من اختلاف الأديان حول مكان النعيم النهائي وطبيعة العيش فيه إلا أنها، أي الأديان، اتفقت حول أن هناك جهنم النار التي سيدخلها المعاقبون من أنفسهم لسبب أو لآخر، لكن تختلف الأديان أيضًا حول أوصاف هذه النار وأسباب دخولها وطرق الإفلات والنجاة منها والتي هي بقائمة أفعال وإيمانيات بحقائق ومُسَلَّمات وتحقيق مطالب كثيرة في الإسلام وهو ما يختلف عن الشيء الواحد الذي يمكن للإنسان أن يفلت به من عذاب النار عند المسيحيين، وهذا الشيء الواحد هو إيمان الإنسان الشخصي بالمسيح يسوع وفدائه وصلبه ودفنه وقيامته وجلوسه عن يمين العظمة في الأعالي إيمانًا قلبيًا، طالبًا من المسيح أن يغفر له خطاياه بعد اعترافه أنه خاطئ ولا وسيلة لغفران خطاياه إلا دم المسيح الذي سُفك على الصليب والذي وحده يطهر من كل خطية ويعطي الحياة الأبدية في السماء مع الله سبحانه. ولذا وبالرغم من أنه من الطبيعي والمؤكد أن الله سبحانه لن يسمح لأتباع كل الأديان والإيمانيات على اختلافها أن يدخلوا جناته أو سماءه، حيث إن ما دوّن في كتبهم التي آمنوا أنها مُنزلة من عند الله لا يتفق تمامًا مع بعضه البعض، بل وفي الغالبية العظمى من الموضوعات تتعارض وتتصارع وتتهم وتدين الآخر لإيمانه بكتاب من عند غير الله وليس محفوظًا في السماء وقد حُرِّف بشكل أو بآخر.

فمن القضايا المختلف عليها والمتعلقة بخلاص الإنسان ودخوله إلى النعيم الأبدي أو هلاكه والزج به في عذاب القبر والنار الأبدي أيضًا، وأنا هنا، وبالرغم من إيماني وثقتي الكاملة أن ما أعلنه الله في كتاب التوراة والإنجيل هو الحق المطلق، وهذا أمر طبيعي وليس سرًا يُخفى عمن حولي، وإلا لما كنتُ اتبعته في حياتي من أساسه، وهكذا يؤمن اليهودي والمسلم كل بكتابه وإلا ما كان اتبعه كل منهما، إلا أنني لا أقرر، ولا أفرض رأيي فيمن هم الجماعة وأتباع دين بذاته الذين هم على حق أو الذين هم على الباطل، فهذا ليس هدف كتابة هذا المقال، بل الهدف الأساسي من كتابته هو الدعوة لنأتي إلى كلمة سواء في الموضوعات المصيرية والتي سيترتب على قبولها والإيمان بها أو رفضها ومقاومتها مصير الإنسان الأبدي بعد موته كما قلتُ سابقًا. والأسباب الملحة والحتمية التي ينبغي أن تجبر الناس أن يأتوا إلى كلمة سواء هي كالتالي:

1- أنه لا يمكن أن تكون كل الأديان على حق لأنها، كما قلتُ، تختلف فيما بينها اختلافًا جوهريًا كبيرًا.

2- حيث إن كل الأديان تختلف عن بعضها البعض في أساسياتها فلا يمكن أن تكون جمعيها آتية من مصدر واحد وهو الصادق الأمين الصالح والذي لا يضل أحد سبحانه.

3- أن الفرصة الوحيدة للإنسان ليتأكد من أن ما اتبعه من تعاليم دين بذاته هو الحق هي في الحياة الدنيا، أما بعد الموت والذهاب إلى الجحيم الأبدي فلن تكون هناك فرصة ثانية للإنسان أن يصحح إيمانياته أو قناعاته ويرجع في كلامه ويعود إلى صوابه ويختار أن يؤمن ويتبع الدين الصحيح، الذي من المؤكد أنه سيعرفه ما هو بمجرد أن يغلق عينيه في هذه الدنيا ليفتحهما في الآخرة حيث لا ينفع مال ولا بنون.

4- أن الإتيان إلى كلمة سواء له انعكاساته الإيجابية الكثيرة على حياة الإنسان في الأرض وعلاقته بمن يخالفونه في العقيدة والدين، فلن يسود السلام والمحبة والمودة الحقيقة بين الناس الذين يؤمنون أن مَنْ يخالفهم في العقيدة والدين هم المغضوب عليهم من ربهم والضالون.

ولهذه الأسباب سابقة الذكر لا بد أن يأتي الناس إلى كلمة سواء بطريقة من الطرق التالية، والتي أؤمن بأهمية كل منها لكني أثق أيضًا أنها لن تحل مشكلة عدم إمكانية الإتيان إلى كلمة سواء. ومن هذه الطرق التي حاول المخلصون أو المغرضون أن يقدموها للعامة للإتيان إلى كلمة سواء ما يلي:

1- طريقة دعونا نتكلم في الإيجابيات فقط والأمور المتفق عليها، ونبتعد عن كل ما يسبب خلاف بيننا، لكن هذه الطريقة هي طريقة عقيمة وغير صالحة لأن نأتي لكلمة سواء لهذه الأسباب:

أ- أن المشكلة في عدم استطاعتنا أن نأتي إلى كلمة سواء هي ليست في الأمور المتفق عليها بيننا، فهذه الأمور متفق عليها ولا داعي لبحثها من أساسه، لكن الأمور المختلف عليها هي التي لا بد من بحثها.

ب- الأمور المختلف عليها ليس بإمكان البشر المجيء فيها إلى كلمة سواء لأن كل منا يؤمن أن ما هو متمسك به من تعاليم يخالف ويضاد تعاليم الآخر، كلها أمور موحى بها من الله، فلا يجوز تصحيح أو تبديل أو التنازل عما أوحى به القدير بأي شكل من الأشكال وإلا أصبحنا والعياذ بالله من المحرفين لما أنزل إلينا.

ج- أن بعض الإيجابيات التي سنتفق عليها أو بالمقابل السلبيات التي سنتركها دون اتفاق ستكون سببًا أساسيًا في ورود بعضنا جهنم النار وهذا ما نريد تجنبه جميعًا والإفلات منه. فاتفاقنا على كلمة سواء حول هذه الأمور فقط لا يكون أكثر من معالجة العَرَض لا المرض بالرغم من أن ما نصبو إليه هو معالجة المرض لا العرض.

2- طريقة دعونا نوحد الغاية وهي الدخول إلى النعيم الأبدي حتى لو اختلفنا على الوسيلة التي يمكن أن نحقق بها الهدف والغاية بأن نخلق ما يُعرف اليوم بحركة “الكريسلام”، أي الجمع والخلط بين المسيحية والمتمثلة في نصف الكلمة الأول “كريس” والإسلام المتمثل في نصف الكلمة الثاني وهو “سلام” وعند دمج النصفين تصبح الكلمة هي “كريسلام”. لكن المشكلة الأساسية التي يمكن أن تواجهنا هي أن المسيحية والإسلام لا يمكن أن يذوب أو يندمج أحدهما في الآخر لينتج لنا ذوبانهما في بعضهما مركبًا جديدًا نطلق عليه “كريسلام”.

3- دعونا نتجه إلى شيء جديد أو قديم يضمن للجميع الدخول إلى النعيم، سواء أكانوا مسيحيين، أو مسلمين، أو يهودًا، أو حتى لا دينيين. دعونا نطلق عليه “طريق الصوفية لخلاص النفس البشرية”، أو نطلق عليه اسم “لاهوت المحبة الحر”، أو الجمع بين الطريق الإبراهيمي للوصول لله، والطريق غير الإبراهيمي لمن لا يمكنهم الوصول لله بواسطة إبراهيم والمسيح والصليب والقيامة والخلاص كما نعرفه نحن المسيحيون. ألم يقل الكتاب المقدس لأصحابه المسيحيين أن في كل أمة الذي يتقي الله ويصنع وصاياه مقبول عنه؟

إلا أن هذه الطريقة أيضًا لن تصلح لكي يدخل الجميع إلى النعيم الأبدي لأن الكتاب المقدس مليء بالآيات والتعاليم التي تقول إنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس الإنسان يسوع المسيح، وقد قال المسيح عن نفسه: “أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَا يَأْتِي أَحَدٌ إِلَى الآبِ إِلّا بِي”، و”أَنَا هُوَ الْبَابُ”، وغيرها من الآيات الكثير التي تصطدم بحائط “لاهوت المحبة الحر”.

4- دعونا نركز على الآيات والمقاطع الكتابية التي تجمع ولا تفرق بيننا وبين أصحاب الأديان الأخرى، مثل “أَحِبُّوا أعداءَكم. باركوا لاعنيكم” و”حَسَبَ طَاقَتِكُمْ سَالِمُوا جَمِيعَ النَّاسِ”، أو ما قاله بولس للوثنيين في آريوس باغوس عن الإله المجهول الذي كانوا يعبدونه وهم يجهلونه، وكل هذا لا علاقة له بما أكتب عنه الآن من حتمية الوصول إلى كلمة سواء.
ولعل أهم القضايا التي يجب على علماء وقادة الأديان المختلفة تناولها هي التي أذكرها فيما يلي وهي المختلف عليها بين الأديان والتي نحتاج بالحقيقة أن نصل فيها إلى كلمة سواء وهي:

1- هل يولد الإنسان من بطن أمه خاطئًا قبل أن يفعل خيرًا أو شرًا وارثًا لطبيعة الخطية من أبويه آدم وحواء وفقًا للقول التوراتي: “هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي” والقول الإنجيلي: “مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ”؟ أم أن الإنسان يولد بدون خطية أصلية لأن الله كلّم آدم وحواء في الجنة كلام فتابا عليه فغفر لهما ربهما ذنبيهما؟

2- يترتب على إجابة السؤال الأول سؤال ثانٍ وهو: هل هناك ما يُعرف بالفداء وموت شخص مساوٍ لله في جوهره ومساوٍ للإنسان في مولده وتجسده كما يؤمن المسيحيون أم أنه ليس هناك فداء من الأصل ولا حاجة لهذا الفداء على الإطلاق كما يؤمن المسلمون؟

3- هل حقًا صُلب المسيح كما يؤمن المسيحيون وفقًا لما أنزل إليهم في القول “وَكَانَتِ السَّاعَةُ الثَّالِثَةُ فَصَلَبُوهُ. وَكَانَ عُنْوَانُ عِلَّتِهِ مَكْتُوبًا: «مَلِكُ الْيَهُودِ». وَصَلَبُوا مَعَهُ لِصَّيْنِ، وَاحِدًا عَنْ يَمِينِهِ وَآخَرَ عَنْ يَسَارهِ ” أم أن الأمر لا يعدو أن يكون أكثر من خدعة سينمائية من المولى، الذي استغفره وأتوب إليه، لصالبي المسيح ومَنْ حوله من عساكر الرومان، والجمع المحتشد، وأمه القديسة العذراء مريم، والقليل من تلاميذه الذين كانوا عند الصليب؟ فهل صُلب يسوع المسيح حقًا كما جاء في كتب العهد الجديد، أم أنهم “مَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُم” كما جاء بالقرآن؟

4- وإن استطعنا أن نأتي لكلمة سواء في مسألة حقيقة صلب المسيح فهل يمكن أن نأتي إلى كلمة سواء في حقيقة قيامته أيضًا من الأموات؟

5- والأهم من كل ما تقدم، والذي ستترتب عليها نتائج كل ما ذكرته سابقًا، هل يمكننا أن نأتي إلى كلمة سواء فيما يتعلق بإلوهية المسيح من عدمها؟ فلو حدث أن اتفقنا على كل النقاط السابقة فلا بد أننا في النهاية سنتفق على أمر “إلوهية المسيح”.

وفي النهاية، يبقى السؤال: كيف يمكن أن يتم كل ما كتبته سابقًا؟ في رأيي الخاص أنه لن يتم أبدًا، لكن إن كان أحد يريد أن يعرف الخطوات العملية التي يجب اتخاذها على الأقل لحدوث مثل هذا اللقاء فهي كالتالي:

أن يجلس المعتبرون أعمدة في كل دين معًا وفقًا للاعتبارات والشروط التالية:
ا- أن يكون المنتخب ليشارك في هذا البحث مقتنعًا تمامًا أن هناك مشكلة حقيقية واقعة بين تعاليم الأديان المختلفة.

ب- أن يكون باحثًا عن الحقيقة وليس لمجرد إثبات ما هو الدين الصحيح من الكاذب.

ج- أن يكون صاحب تأثير حقيقي على إخوانه.

د- أن يكون صادقًا مع نفسه، لا يقول أو يدلي بآراء وتعليقات صحافية كاذبة، ويعلم هو نفسه أنه كاذب في الإدلاء بها، وإن لم يكن يعلم ذلك ويقول ما قاله عن اقتناع وصدق داخلي تكون مصيبته أكبر فهو يخالف بذلك صحيح الدين وما أنزل إلينا من ربنا كمسيحيين.
اللهم افتح عيون العميان من قادتنا وشعبنا
اللهم أنر عقول الصبيان من مسئولينا ورجالنا
اللهم إسحق رأس كل ألعوبان من مخادعينا ووسطائنا
اللهم اقطع رأس وذيل كل ثعبان في كنائسنا ومن أشرارنا
اللهم ارحم شعبك التعبان الغلبان من شر رؤسائنا
اللهم أيقظ كل غفلان سكران من مخاتلينا وسفهائنا
اللهم استجب يا معين يا رب العالمين يا إلهنا وربنا

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا