الدكتور القس ﭽورﭺ شاكر نائب رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر
الكنيسة التي يدور الحديث عنها هي “كنيسة أنطاكية”، والجدير بالذكر أن مدينة أنطاكية تقع على نهر العاصي. وكانت مدينة أنطاكية المدينة الثالثة في العظمة في الإمبراطورية الرومانية [الأولى روما، والثانية الإسكندرية].
وكانت أنطاكية مركزًا مهمًا جدًا للتجارة والتبادل الثقافي بين الشرق والغرب، وقد أصبحت أنطاكية أهم مركز للمسيحية بعد أورشليم، وانتشرت المسيحية منها إلى الغرب، فقد ظهر فيها اثنان من أعظم قادة الكنيسة شهرةً وهما أغناطيوس أسقف أنطاكية الذي استشهد في روما، ويوحنا فم الذهب الواعظ المسيحي الشهير.
واليوم أنطاكية بلد عادية قليلة الأهمية، وقد أصبحت بعد الحرب العالمية الثانية تحت حكم تركيا.
نعم! إن الدارس لكلمة الله يرى كيف كانت لكنيسة أنطاكية الدور الرائد والرائع في امتداد عمل الله، وهذا ما سنراه في الأمور التالية:
أولًا: الكنيسة التي أعطت للمسيحية اسمها:
“ودعي التلاميذ «مسيحيينَ» في أنطاكية أولًا” (أع11: 26). حوالي سنة 45م، شاهد سكان أنطاكية مجموعة من الناس تتعبد باسم المسيح بمواظبة وانتظام، وبسرور واهتمام، ويهتفون لاسمه بحب وغرام، ويحتملون آلام الزمان بثقة وسلام، وكانوا يلقبون أنفسهم بألقاب مختلفة مثل “التلاميذ المؤمنين، القديسين، المختارين، الطريق، الأخوة” ولكنهم لم يُدعوا قبل هذا الوقت “مسيحيين”.
وأخذ أهل أنطاكية يراقبون تعاليمهم وأخلاقهم وحياتهم، فوجدوا أنه لا يوجد إلا اسم واحد يتردد على ألسنتهم هو اسم المسيح، وهنا أطلق عليهم “مسيحيين”، أي الجماعة التابعة للمسيح، والتي تتعبد له، وتدين بالولاء والانتماء له، وتعيش وتموت له.
وقد أطلقوا عليهم هذا اللقب في البداية كصورة من صور السخرية الاستخفاف والاستهزاء بهم. ومنُذ ذلك الوقت، أُطلق هذا اللقب على أمور كثيرة مثل “الديانة المسيحية، الكنيسة المسيحية، العصر المسيحي، التاريخ المسيحي، البلاد المسيحية، الحضارة المسيحية، الأخلاق المسيحية، الإرساليات المسيحية… الخ”.
نعم! لقد كان المقصود من هذا اللقب هو التهكم والازدراء والاحتقار لكن التلاميذ قبلوا هذا اللقب واعتبروه بمثابة شرف ووسام وفخار، ولقد ذُكر هذا اللقب مرتين:
1. في (أع26: 28) نسمعه في كلمات أغريباس لبولس: “بقليل تقنعني أَن أصير مسيحيًا”.
2. في كلام الرسول بطرس في (1بط4: 15، 16): “فلا يتألم أحدكم كقاتل، أو سارق، أو فاعل شر، أو متداخل في أمور غيره ولكن إن كان كمسيحي، فلا يخجل، بل يمجد الله من هذا القبيل”.
الجدير بالذكر أن القديس أُغناطيوس يصلي قائلًا: “صلاتي إلى الله ليس أن أُدعي مسيحيًا، فحسب بل أن أكون بالفعل مسيحيًا”.
وفي القرن الرابع الميلادي، اعتلى قسطنطين عرش الإمبراطورية الرومانية، ودُعي أيضًا “مسيحيًا”، وهو أول إمبراطور مسيحي ودُعيت إمبراطوريته مسيحية.
كما أن اليهود أطلقوا على المسيحيين أسماء وألقاب مهينة، كانوا قد أطلقوها على المسيح مثل [أتباع بعلزبول – المجدف- مضل الشعب – المختل- الأحمق…]، على أنه مع الأيام تناست وتلاشت كلها، ولم يبق سوى اسم عزيز قد سما على كل الأسماء العالية، هو اسم “المسيح” الذي أخذت الملايين تتبع إياه، وتسلك في خطاه، وتحفظ وصاياه، وتحني له الجباه، وتستثمر في خدمته مواهبه وعطاياه، وتنتظر اليوم الذي تكون معه في السماء.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه، هو: هل يرى الناس فينا يسوع؟! أي هل يشتم الناس فينا رائحة المسيح الذكية؟!
ياه ! كم هو مؤلم أن يسطر التاريخ عبارة جاءت على لسان غاندي عندما قال: “أريد مسيحكم لا مسيحيتكم … لولا المسيحيين لصرت مسيحيًا”.
أعتقد أن معنى “هذا الإنسان مسيحي حقيقي” هو أن هذا الإنسان طاهر في أفكاره، صالح في أعماله صادق في أقواله، يعيش المحبة المسيحية بمعنى الكلمة، يسعى وراء السلام مهما كان الثمن، سباق في عمل الخير للجميع. باختصار شديد كما كان يسلك المسيح هكذا يسلك هو.
نعم! لقد قيل عن المسيحيين في القرن الأول إنهم “فتنوا المسكونة” أي قلبوها رأسًا على عقب.
لم تكن غايتهم تحقيق منافع شخصية وإنما كانت كل تحركاتهم لمجد الله، ليس لبناء ملكوت شخصي، وإنما لامتداد ملكوت الله… لم تبهرهم ولم تأخذهم أنوار العالم، وإنما صاروا نورًا للعالم، ولم تشدهم جاذبية الأرض، وإنما صاروا ملحًا للأرض يعطي مذاقًا، ويحفظ من الفساد.
قال أحدهم: أتخيل المسيح يقول لأتباعه المدعوين على اسمه، أو المدعو اسمه عليهم، ما قاله الإسكندر الأكبر في يوم من الأيام لجندي جبان في جيشه اسمه “الإسكندر”: “اسمع. إما أن تصبح مثلي أو تغير اسمك”.
نعم! ليس المهم أن يدل اسمي على أنني مسيحي، لكن المهم أن تكون حياتي هي التي تبرهن بالفعل علي أنني مسيحي بمعنى الكلمة.
ثانيًا: الكنيسة التي دفعت ثمن مسيحيتها:
يمكننا القول بملء الفم إن كنيسة أنطاكية هي وليدة الاضطهاد، فبعد موت استفانوس، هرب المسيحيون من أورشليم إلى أنطاكية وبشروا بالإنجيل لليهود واليونانيين، فمكتوب في (أع8: 4): “فالذين تشتتوا جالوا مبشرين بالكلمة”. وقد أرسلت الكنيسة في أورشليم برنابا ليقود العمل التبشيري في أنطاكية ودعا بولس ليعاونه في الوعظ والتعليم، وهذا ما نراه في سفر أعمال الرسل (أع11: 19-25): “أما الذين تشتتوا من جراء الضيق الذي حصل بسبب استفانوس فاجتازوا إلَى فينيقية وقبرس وأنطاكية… ثم خرج برنابا إلى طرسوس ليطلب شاول. ولما وجده جاء به إلى أنطاكية”.
ويحكي لنا التاريخ أنه عندما تولى الإمبراطور الطاغية الشرس دقلديانوس الإمبراطورية الرومانية (284-305) اضطهد المسيحية بأسلوب وحشي رهيب وأذاق المسيحيين كؤوسًا من العذاب والمرارة، وأراد أن يمحو المسيحية من على وجه الأرض فأصدر أربعة فرمانات وهي:
1. هدم الكنائس.
2. إتلاف الكتب المقدسة.
3. السماح لرجال الدين المسيحي بالحرية إن قدموا ذبائح للآلهة الوثنية، والحكم عليهم بالتعذيب إذا رفضوا.
4. تنفيذ حكم الموت في جميع المسيحيين الذين يثبتون ولائهم للمسيحية.
الجدير بالذكر أن التقويم القبطي بدأ عام 284م وهي سنة تولى دقلديانوس العرش تذكاراَ للشهداء حيث قتل آلاف المؤمنين الأتقياء . والسؤال هو: هل استطاع دقلديانوس أن يمحو المسيحية؟
الحقيقة هي أنه ما هي إلا سنين قليلة وتغير الحال تمامًا، فقد تولى قسطنطين الحكم وفي عهده أصبحت المسيحية هي الدين الرسمي للإمبراطورية .
نعم ! لقد قال الرب يسوع: “على هذه الصخرة أبني كنيستي، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها” (مت16: 18).
كيف لا؟! والوعد من القديم مكتوب: “كل آلةٍ صورت ضدك لا تنجح، وكل لسانٍ يقوم عليك في القضاء تحكمين عليه” (إش54: 17).
نعم! لقد وضعت الكنيسة في وسط عالم مضطرب، محاربات وتحديات من كل جانب، لكن سلام الله أقوى وأعظم، وتاريخ شعب الله حافل بالمؤامرات والمكائد والحروب التي أقامها الآشوريون والبابليون وغيرهم ضدهم، لكنها جميعًا باءت بالفشل، وكانت النصرة من نصيب شعب الرب.
نعم! إذا أرادت الكنيسة أن تقوم برسالتها فيجب أن تكون مستعدة لدفع الضريبة والثمن.
كيف لا؟! ورب الكنيسة قال: “للثعالب أوجرة، ولطيور السماء أوكار، وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه” (لو 9: 58). ليس المقصود هنا أن الرب يسوع لم يكن يمتلك المكان الذي ينام فيه كما يظن البعض، أنما الواقع أن معنى الكلمات أنه يحمل رسالة تجعله لا يستطيع أن ينام أو يستريح قبل أن يتممها، بينما تنام الثعالب في أوجرتها، والطيور في أوكارها هادئة بعد يوم طويل، بينما هو في توتر دائم إلى أن يتمم رسالته، ولذلك عندما قدم له التلاميذ الطعام بعد سفر طويل وتعب وجوع وقالوا له: “يا معلم، كل” قال لهم: “طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني وأتمم عمله” (يو4: 34).
ولكن عندما وصل إلى الصليب، وقال: “قد أكمل”. نقرأ أنه “نكس رأسه وأسلم الروح”. وتأتي كلمة “نكس” بمعنى “أسند”، وهذا معناه أنه لم يسترح ولم يهدأ ولم يهنأ بمذاق النوم أو الراحة إلا بعد أن أكمل الخلاص… أكمل الفداء… أكمل الحب… أكمل القصد الإلهي… أكمل السعي الأزلي… أكمل التدبير السماوي.
كيف لا؟! ألم تسطر ريشة الوحي في (إش42: 4) النبوة عن الرب يسوع “لا يكل ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض” بمعنى أنه لا يهدأ ولا يهنأ له بالٌ حتى يتمم رسالته؟
هذا النص التأملي يضفي لمسةً روحيةً عميقةً على المقال؛ فهو يربط بين “إتمام العمل” وبين “الراحة الحقيقية”، ويقدم نموذجاً للقيادة الخادمة التي لا تبحث عن مجدٍ ذاتي أو راحةٍ جسدية بل عن تحقيق المشيئة الإلهية.
وهكذا كل مَنْ يود أن يقوم بدوره عليه أن يكون على استعداد لدفع الضريبة والثمن، فنقرأ عن حدث ليوحنا المعمدان الذي قال للملك بكل جرأة: “لا يحل لك”. ألم يقطع هيرودس رأسه؟ وهناك تقليد قديم يقول إنه بعد أن أحضرت هيروديا رأس يوحنا المعمدان على طبق إلى أمها، قطعت أمها لسانه بالسكين لأنه اللسان الذي كان يؤنبها ويوبخها.
– والسؤال هو: مَنْ لديه استعداد في سبيل الخدمة أن يدفع الثمن حتى لو كان الثمن حياته؟
ونقرأ عن بولس في (2كو11: 24-27) بشأن كم الآلام التي تعرض لها في طريق الخدمة.
وفي (أع20: 31) يقول عن خدمته في أفسس: ” “اسهروا، متذكرين أني ثلاث سنين ليلاً ونهاراً، لم أفتر عن أن أنذر بدموعٍ كل واحدٍ”. لقد كان بولس يشعر بتوحد مع الشعب الذي يخدمه ويرتبط بهم بعلاقة شخصية فيطلق على نفسه لقب “الأب” في علاقته مع شعبه كما نرى هذا في كلامه إلى أهل تسالونيكي (1تس2: 11): “كما تعلمون كيف كنا نعظ كل واحدٍ منكم كالأب لأولاده، ونشجعكم”، وحكى عن خدمته في أفسس في (أع20: 31).
نعم! مَنْ يذرف الدموع السخينة على الشعب؟
نعم! لقد كان بولس يذوب حبًا على مَنْ يخدمهم فمكتوب في (2كو11: 29): “من يضعف وأنا لا أضعف؟ من يعثر وأنا لا ألتهب؟” وتأتي هذه الكلمات في الترجمة الحديثة: “من يضعف وأنا لا ألتهب من أجله؟”