الطب النفسي الجسمي

5

د. مراد وهبة

هو من بين التصورات المختلفة التي ظهرت لبيان بزوغ أسباب المرض النفسي في القرن التاسع عشر، مثل إصابة مرضية في الخلايا، وتغيير في البناء التشريحي، واضطراب فسيولوجي أو وظيفي. وفي القرن العشرين تغيرت هذه الأسباب في بعض الحالات مثل ضغط الدم وأمراض الدورة الدموية ومرض السكر، باعتبارها خارج هذه الأسباب. ولكن ما هو العامل السابق على الاضطراب الوظيفي؟

من هنا جاء التفكير في بزوغ ما يسمى بالطب النفسي الجسمي، وهو يعني في المقام الأول التخلص من “إما هذا أو ذاك”، أي مما هو نفسي المنشأ أو جسمي المنشأ، والبحث عن العلاقة بين المنشأين اللذين يكونان دائمًا موجودين؛ لأن المريض هو إنسان يستجيب بكليته للمنبهات الخارجية والداخلية، سواء كان هذا المنبه ميكروبًا أو تيار هواء أو نوعًا معينًا من الغذاء أو موقفًا اجتماعيًا.

الطب النفسي الجسمي يقترب في موقعه من موقف البحث العلمي الحديث الذي لا يبحث عن العلة الظاهرة، بل عن شبكة العوامل التي تعين بتفاعلها وترابطها الظاهرة. فالطبيب عندما يكون بصدد مريض مصاب مثلًا بالقرحة المعدية، عليه إثارة الأسئلة الثلاثة الآتية: مَنْ هو المريض وما هي شخصيته واستعداداته الجسمية والنفسية؟ ما هي بيئته؟ الميكانيزم: ماذا حدث في أعضاء المريض؟ كيفية توريد الدم في الأوعية الدموية؟ نسبة الحموضة هل هي زائدة؟.

في مثل هذه النظرية يكون العنصر النفسي جزءًا من الدراسة وأحد العوامل المسببة للمرض والتي تظهر في مستويات مختلفة في نمو الشخصية. ويتضح من الدراسات الإكلينيكية أن العامل الذي يحدد درجة خطورة العامل البيئي، وبالتالى نوع الميكانيزمات التي سيعمل بواسطتها هذا العامل، هو في نهاية الأمر بناء الشخصية، خاصة من ناحية كيفية الشخص للتكيف مع بعض مواقف الحياة، وصورة استجابته لها، ومقدار القلق الذي يعانيه، ودرجة خطورة الصراعات القائمة في نفسه وفي لا شعوره خاصة.

وعندما يكون الطبيب بصدد حالة مريض، عليه أن يقوم بالخطوات التالية: التاريخ الطبي للمريض، بيانات عن أسرته وبيئته الاجتماعية، وكشف طبي دقيق بالاستعانة باختبارات المعمل؛ وذلك إما للتأكد من عدم وجود مرض عضوي، أو لتحديد طبيعة المشكلة العضوية وتقدير العجز الذي من شأن الحالة العضوية أن تحدثه.

في الحالة الثانية يبيّن الطبيب للمريض أن العجز الذي يشكو منه لا يتناسب مع الحالة العضوية، وأن اضطرابًا في حياته الانفعالية قد يكون من شأنه إحداث الأعراض التي يشكو منها. وعلى ذلك يجب تشجيع المريض بطريقة غير مباشرة على أن يتحدث عن مختلف متاعبه الشخصية والعائلية والمهنية دون الاقتصار على ما يشكو منه من أعراض. ومن الوسائل الناجحة لمساعدة المرضى الإشارة إلى ما للأعراض المرضية من دلالة رمزية، أي أن للأعضاء لغة يستخدمها المريض للتعبير عن حالات نفسية؛ تضاف مثلًا الأعراض الجسمية المصاحبة للغيرة لدى الطفل.

والخلاصة أن الجهاز المعدي المعوي هو الطريق الأكثر من غيره من الأجهزة، الطريق الذي من خلاله يعبر الشخص عن سلوكه وعن انفعالاته. ويمكن تلخيص ما سبق فيما يلي: إذا وجدت أعراضًا دون أساس عضوي، أو إذا كان المرض العضوي لا يفسر هذه الأعراض تفسيرًا وافيًا، فعلينا حينئذ أن نبحث عن دلالة هذه الأعراض من وجهة نظر السلوك.

ولكن الحياة أقوى من النظريات، فقد تلاحقت الأدلة الدامغة في السنوات العشرين الأخيرة التي تثبت تأثير الانفعالات النفسية في وظائف المعدة، وما تحدثه من انقلاب خطير في فسيولوجية هذا العضو مما قد يؤدي في النهاية، إذا طال به الأمد، إلى آفة القرحة. ويجدر بنا أن نذكر للتو مشاهدة طبيبين لحالة فريدة هي -بلا شك- تعتبر حالة فريدة ووثيقة ناطقة في هذا الصدد؛ فقد أتيح لهما أن يشاهدا مريضًا أجريت له عملية جراحية منذ سبع وأربعين سنة، هيأ له الجراح بها فتحة خارجية في المعدة أشبه شيء بفم معدي، فكان يمضغ طعامه ويصبه في أنبوبة تدخل إلى المعدة عن طريق هذه الفتحة.

وقد استطاع هذان الطبيبان أن يراقبا خلال هذه الفتحة تأثير المنبهات المختلفة في غشاء المعدة المخاطي وفي حركة جدرانها، فتبين أن كثيرًا من الانفعالات مثل القلق النفسي والغضب بنوع خاص يفرز حامضًا سيئ التأثير. وإذا دامت هذه التغيرات زمنًا طويلًا واشتد فعلها، ظهرت في غشاء المعدة بقع من النزيف ومظاهر تقرح لا تلبث، إذا طال الأمد، أن تتحول إلى قرحات، حتى إذا هدأ الإفراز وهبط الاحتقان وقلت الحركة فإن هذه القرحات لا تلبث أن تندمل.

والدراسة الدقيقة لسيكولوجية هؤلاء المرضى لم تأتِ إلا عن طريق التحليل النفسي الذي أُجري بمعهد شيكاغو للتحليل النفسي على دراسة طائفة من المرضى بقرحات المعدة والاثني عشر، وانتهوا إلى نتائج قد يمكن تلخيصها فيما يأتي: أن السمات الظاهرة في بناء شخصية هؤلاء المرضى، كما لاحظها بعض الأطباء، تفصح عن نفسها في سلوكهم فنرى المريض وكأنه يوعز أنه رجل القدرة والنشاط والإنتاج، وأنه أهل للمنح وتقديم العون للناس، وتحمل التبعات، ويحرص على أن يكون الزعيم المقتدر، لا يعوزه شيء، ولا يسأل أحدًا. ولكن التحليل النفسي يكشف عما يخفيه هذا السلوك الظاهر من ميول دفينة هي نقيض هذا السلوك، وهي ميول قوية وتتمثل في أن يكونوا موضع الحب والعطف. ويدل التحليل على أن هؤلاء المرضى ينكرون على أنفسهم هذه الميول الدفينة فيكتمونها في أعماقهم، ويقوم في أنفسهم بشأنها صراع خفي عنيف.

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا