جلوريا حنا
نحتفل هذا الشهر بعيد الحب، وهذا اليوم بالذات يكون له طابع خاص عن باقي السنة، فحتى عندما يعبِّر الجميع بشكل مستمر عن محبتهم لبعضهم، يكون هذا اليوم مختلفًا؛ فيه تُقدَّم الهدايا وكروت التهنئة أو ربما رسالة أو كلمة تقال بصدق، ولا يكون الأمر حكرًا على الأحباء، بل أيضًا الأصدقاء والأقارب، وأيضًا تحتفل الكنائس بأن الله محبة وهو أصل محبتنا لبعضنا؛ فالله قد بذل ابنه لأجلنا. لكن هل فكرت كيف يمكن للحب أن يكون مؤذيًا؟
يؤذينا الحب أو نؤذي مَنْ نحبهم إذا أحببنا بشكل خاطئ؛ نعم يا عزيزي… هناك طرق صحيحة للحب وطرق خاطئة، وهناك الكثير من الأمثلة لهذا الأمر. تجد الابن المدلل الذي يدلله والداه بدافع الحب، فينشأ أنانيًا غير مهتم بالآخرين وغير قادر على تحمل مسؤولية نفسه، وتجد الأب الصارم الذي يضغط على أولاده أيضًا بدافع الحب، فنجدهم خائفين غير واثقين من أنفسهم أو ربما نجدهم أكثر قسوةً منه. لاحظ عزيزي القارئ إني لم أقل بسبب الكراهية، بل في الحقيقة هم يحبونهم بصدق ويريدون الأفضل لهم ويريدون أن يكونوا أفضل منهم، والكثير من الأمثلة التي يمكن أن نجدها حولنا نجد فيها شخصًا يؤذي أحدًا بمحبته، أو شخصًا يؤذي نفسه أيضًا بسبب الحب.
ذكرت الكاتبة “فرنسين ريفرز” مثل ذلك الحب في كتابها “رجاء أمها”، فأم بطلة القصة مارتا دللت ابنتها الصغرى كثيرًا لأنها كانت ضعيفة، بينما تُركت أختها مارتا لقسوة أبيها الذي طالما كرهها ورآها قبيحة، فنشأت مارتا قوية وصلبة قادرة على المطالبة بحقها من فم الأسد بينما أختها المدللة نشأت هشة ومستسلمة. كما ذكرت رواية “الحب المحرر” كيف أن والدة سارة أذت نفسها بسبب حبها لوالد سارة الذي تخلى عنها. والجدير بالذكر أن الكتاب المقدس ذكر لنا أيضًا أمثلة لمثل هذا الحب الخاطئ/المؤذي، فرأينا يعقوب يفرّق في معاملته بين يوسف وسائر إخوته فابتدأوا يغارون منه وأذوه في النهاية، كما نرى شمشون الذي سلَّم نفسه لدليلة وفي النهاية أذلته.
عزيزي… جميل أن نحب ونعبِّر عن تلك المحبة بطريقتنا، لكن يجب أن يفهم الآخر تلك الطريقة ويحبها هو أيضًا؛ فربما نرى أن طريقتنا مناسبة لنا لكنها غير مناسبة له، وإلا فسوف نؤذيه ونؤذي أنفسنا، فالمحبة بين الأصدقاء يجب أن يكون بها بعض الحدود، نعم، كلما زادت القرابة قلت تلك الحدود، لكن الحقيقة وجود تلك الحدود يحميها من الانهيار التام، ونرى في الكتاب مثالًا لمحبة الأصدقاء بين داود ويوناثان، ونرى محبة أسرية صحية في أسرة تيموثاوس، تلك المحبة التي جعلت منه خادمًا يعتمد عليه بولس. ربما أكثر ما يساعد المحبة على البقاء حية هو الحوار والنقاش، فالحوار يسمح لنا بأن نفهم بعضنا أكثر ونعرف الطرق المناسبة لإظهار المحبة، وإله المحبة يعطينا الحكمة لنكون مثله.