أول دعوى قضائية ضد الله! (8) محاكمة الله

4

أ.د. أماني ألبرت

نجح أيوب في تجربته مبدئيًا، وأبهج قلب الله، فقد سلَّم له وقبل من يده ولكن مرت الأيام ولم يتغير شيء، بل زادت الحالة سوءًا. ظن أيوب أن قبوله وتسليمه سيسرع من ظهور الله بقوة لإصلاح الأمور، ولكن شيئًا لم يحدث.

استيقظ الأيام التالية ولديه رجاء أن صديقه الحبيب لن يتركه متألمًا، ولكن بدا أن الله غير موجود في الجوار.

بدا أمله يتضاءل، وأدرك أن أيام بركته حدثت حينما – كما قال – كان “القدير بعد معي” و”القدير لم يزل معي” (أي29: 5)، فما يبدو من الواقع هو أن الله تركه. ولكن كيف يفعل هذا؟ وهو صديقه؟ كيف وقد سلَّم له أيوب أموره؟ وتُرى هل تركه الله عن عمد؟! تسربت التساؤلات في البداية على استحياء لعقل أيوب، ثم استيقظ في إحباطه ويأسه وعلت الأصوات المحيطة لا شيء فيها يقول عكس هذا، فلو كان موجود فعلًا لكان أعلن عن ذاته.

وهنا نجح الشيطان في لعبته، فقد خدع أيوب لينقلب على الله بأنه السبب فيما حدث رغم أنه هو الحية الخبيثة الذي فعل كل شيء، وهنا بدأ أيوب يتخلى عن مكانته ولم يعد يظهر أمام المحكمة.

فهو لم يعد قادرًا على الاحتمال، خاصةً انه انتظر تدخل الله الذي يبدو أنه غاب تمامًا عن حياته، ففكر أن يحاكم الله!

في البداية أراد أن يعاتب الله (أي13: 3) واستخدم الفعل “يحاجه” (أي9: 3) في إشارة إلى أنه كان يفكر في رفع دعوى قضائية ضد الله، وتعني “لو أراد رجل أن يحاكم معه”، “إذا أراد شخص ما أن يقاضي الله”.

واستخدم السفر مصطلحات قانونية مثل: “أجادله وأبني دفاعًا يؤثر على الله؟” (9: 14)، “فمن سيقدم له مذكرة الاستدعاء؟” (ع 19)، “أعرض أمامه دعواي وأملأ فمي حججًا” (23: 3-4)، “أحاججه بشأن قضيتي”(13: 3)، “أطرح قضيتي” (13: 22).

“ترسل شهودًا جددًا عليَّ” (أي10: 17)، وهي استعارة قانونية قد تشير لتزايد مرض أيوب كما قد تشير إلى أصدقائه الذين اتهموه.

وخلال السفر اعتبر أيوب الله “خصمه” (أي31: 35) وطلب أن يكتب شكواه ليفهم ويرد عليها “ليت خصمي يقدم شكواه مكتوبة!” (أي31: 35)

كما أشار أصدقائه مستنكرين إلى “أن الله لا يعين ميعادًا يحاكم فيه الإنسان لدى قضائه، بل يسحق العظماء من غير بحث”(46) (أي34 :23) أو لا يعين موعد “ليدعوه للمثول أمامه في محاكمة”، وحتى حين أجاب الرب أيوب من العاصفة استخدم المصطلح القانوني “إجابة ” يعني الرد على اتهام في المحكمة، وخاصةً في ظل استجواب الشهود (38: 1-42: 6).

ظل أيوب يتحدث ويتحدث معربًا عن ألمه وضيقه من الله، ويتساءل: ما هي خطيته؟ والله صامت وألم أيوب يزداد، فظل يتحدث إلى أن قال كل الكلام الممكن أن يُقال ثم سكت .. وعلى غير توقعه استعلن له الله، متسائلًا: “هل ستجلبني أنا القدير إلى المحكمة وترفع دعوى قضائية؟” (أي40: 2)

 الخصم هو القاضي!

بسبب ظنه في أن الله هو سبب ما يمر به، كانت معضلة أيوب القانونية هي أن الله هو الخصم والقاضي معًا، إذ يحسب أن فرصة موافقة الله للوقوف أمامه في المحاكمة ضئيلة للغاية، فقال: كيف يمكن أن أكون بريئًا أمام الله عندما يكون هو القاضي والديان والخصم في نفس الوقت؟ “ولو كنت بريئًا لا أُجيب، خصمي نفسه حاكمي” (9: 15) “دياني”، “قاضي”.

ورغم أن الله لم يكن الخصم بل الشيطان، لكن نجحت الحية الماكرة أن تفسد ذهن أيوب وهو ما يحدث معنا في ظروفنا حين يهيئ لنا الشيطان أن الرب هو السبب في ظروفنا وأنه الخصم!

وهو ما نبَّه الرسول بولس لهذا: “ولكنني أخاف أنه كما خدعت حواء بمكرها هكذا تفسد أذهانكم عن البساطة التي في المسيح” (2كو11: 3)، وعبارة “تفسد أذهانكم” تعني “تضلل عقولكم” و”تتوقفوا عن التفكير في المسيح بطريقة أمينة ومخلصة” (17).

خارج محضر الله، وبعيدًا عن الوقوف أمام المحكمة السماوية، يمكن أن تضلل الحية طريقة تفكيرنا ويغرر بنا العدو لنتخيل أمورًا غير صحيحة عن الله، فنتوقف عن تقديم الإجلال له والتفكير فيه بطريقة فيها محبة وإخلاص، وهكذا تفسد أفكارنا وتتحول عن بساطتها تجاه المسيح.

معضلة قانونية

حتى أن أيوب طلب وسيط للاستماع إلى قضيته: ” لأنه ليس هو إنسانًا مثلي فأجاوبه، فنأتي جميعًا إلى المحاكمة، ليس بيننا مصالح يضع يده على كلينا” (9: 32-33)، أو “أنا والله لسنا متساويين؛ لا أستطيع رفع قضية ضده. لن ندخل قاعة المحكمة أبدًا كأقران. كم أتمنى أن يكون لدينا محكم ليتدخل ويدعني أواصل حياتي” (32)

والمشكلة أنه لا يعرف أين يجده: “كنت أَنجو إلى الأبد من قاضي. هأنذا أذهب شرقًا فليس هو هناك، وغربًا فلا أشعر به.  شمالًا حيث عمله فلا أنظره. يتعطف الجنوب فلا أراه” (23: 7-9)

ووجد أيوب انه في مشكلة أكبر، وسرعان ما أصيب بالإحباط، فهل يمكن أن يكسب قضيته ضده؟ بالطبع لا، “لا يمكن أن نكسب قضيتنا مرة واحدة في ألف مرة إذا رفعناه إلى المحكمة” أو “إذا أردنا عرض قضيتنا أمامه، فما هي الفرصة التي ستتاح لنا؟ ولا واحد في الألف! (9: 3).

ويكمل أيوب فيقول: “لَو دعوتُ فاستجاب لي، لما آمنتُ بأنه سمع صوتي” (9: 16)، أو “إذا جاء الله إلى المحكمة عندما تواصلت معه، فلن يسمع قضيتي”. وتعبير “دعوتُ” هو الكلمة العبرية ( קראתי – karati)، أي دعوت للقاضي للحصول على حكم مناسب، “حيث لاحظ Schultens أن التعبيرات الواردة في هذه الآيات كلها مأخوذة من محاكم العدل، فحتى لو دعا أيوب القدير إلى دعوى قضائية وتم قبول الحجة ضد الله واستجاب له وظهر الله في المشهد، ووافق أن يترافع أيوب عن براءته، ويقف أمامه بجرأة وتحدي وتساءل بخصوص عدالة التعاملات الإلهية معه، فلن ينجح في محاكمته أمام الله، وكأنه يقول لا أستطيع أن أصدق أنه سيتدخل في شكواي لأنه يتعامل معي بطريقة شديدة القسوة، ويتصرف معي كصاحب سيادة، وليس لديَّ أي سبب لافتراض أنه لن يستمر في التصرف معي بنفس الطريقة حتى الآن لأنني أدنى منه وأصبحتُ مكروهًا بالنسبة له، وما زلتُ مليئًا بعلامات استياء نحوه.” (Barnes’ Notes)

ويقول: الله قوي جدًا يحرك الجبال ويقلبها على رأسها ويهز الأرض، “فكيف يمكنني أن أجادله وأبني دفاعًا من شأنه أن يؤثر على الله؟ على الرغم من أنني بريء، إلا أنني لم أتمكن من إثبات ذلك أبدًا؛ لا أستطيع إلا أن ألقي بنفسي تحت رحمة القاضي” (14-15)، فتساءل: “مَنْ يستطيع أن يدعوه إلى محاكمةٍ؟” (أي 9: 19)

لم يستطع أيوب أن يتراجع، فالتفسيرات غير كافية والمعاناة متزايدة، فمعضلة أيوب القانونية هي أن الله هو الخصم والقاضي، حتى رغم أن دفاعه مبني على مفارقة وهي أنه لا أحد يقف أمام هذا الإله العظيم قياسًا بمجمل الخلق وضخامة الكون، كأنه مجرد نقطة لا تذكر في المدى الشاسع للمجرات.

ويحسب أيوب أن فرص الإجابة على استجواب الله ضئيلة للغاية، ورغم هذا استمر وكأنه يستأنف أمام محكمة أعلى من تلك التي حكمت له، وكأنه على حق!

رأي أيوب أنه بريء ليس بمعنى أنه ليس بلا خطيئة تمامًا، ولكنه بريء من أي خطية تعادل معاناته، فصار غاضبًا ساخطًا، ورغم اعترافه بأن الله أعظم بكثير، أراد التقدم أمامه للمحاكمة وكأنه يشعر بقدر من المساواة معه!

وأمام عظمة وقدرة الله، لم يدرك أيوب أنه ليست لديه أي قضية ليجادلها على الإطلاق أمام هذا الإله العظيم، ووسط مزاعمه أن الله غير مهتم ولا يحقق العدل، سمح الله بهذه التجربة القاسية لأيوب لأنه أراد أن يحول كل حجارة في حياته إلى ذهب، وبينما ظن أيوب أنه خسر علاقته معه، كان هدف الله هو تقوية أواصر العلاقة كما تقوي الرياح العاتية جذور الأشجار في التربة.

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا