’”في أحد الأيام، جاء أعضاء المحكمة السماوية ليمثلوا أمام الرب، وجاء معهم الشيطان المشتكي” (أيوب1: 6)
يناقش المقال قاعة مجلس القضاء وأعضاء المحكمة السماوية والتقدم بطلب لمحاكمة الله والمحكمة السماوية وأصعب معضلة قانونية.
أعضاء المحكمة السماوية
من داخل القاعة الملكية الكبرى، حيث العرش الموضوع في السماء، جلس القديم الأيام على كرسي عال ومرتفع، وأذياله تملأ المكان، ثيابه بيضاء كالثلج وشعره أبيض كالصوف النقي، يشع نورًا كالماس والعقيق الأحمر، عرشه لهيب نار وعجلات العرش ملتهبة، يتدفق من أمامه نهر نار، وحول العرش قوس قزح ومنظره كالزمرد الأخضر، ومن العرش تخرج أصوات بروق ورعود، وقدامه مشاعل نار متقدة، وما يشبه بحرًا كأنه من بلور شفاف، وألوف وملايين من الملائكة يقفون أمامه، الكل واقف يعطي مجدًا وكرامة وشكرًا للجالس على العرش، يسبحون ويسجدون قدوس قدوس قدوس الرب الإله الكائن والذي كان والذي يأتي، «أنت مستحق أيها الرب أن تأخذ المجد والكرامة والقدرة، لأنك أنت خلقت كل الأشياء، وهى بإرادتك كائنة وخلقت» (رؤيا4: 11).
ومن داخل هذا المكان المهيب، سُمح للكائنات السماوية بالدخول في أحد الأيام، “وذات يوم جاء الملائكة ليمثلوا أَمام الله، وجاء الشيطان أَيضًا معهم” (أيوب1: 6).
والملائكة تترجم “أبناء الله” وبالعبرية “BENEY ELOHIM”، وهي عبارة تُستخدم لتحديد الكائنات السماوية ذات المسؤوليات أو السلطات القضائية الأعلى. وتترجم “عندما جاء اليوم الذي يظهر فيه السماويون أمام الرب، كان الشيطان هناك في وسطهم”، وتشير الترجمة إلى أن العرش السماوي هو قاعة المحكمة الفعلية “في أحد الأيام، جاء أعضاء المحكمة السماوية ليمثلوا أمام الرب، وجاء معهم الشيطان المشتكي”.
هذه المحكمة السماوية هي محكمة الكون أمام الله الديان العادل، وقد سُمح للشيطان بالتواجد أمام العرش مع بقية الكائنات أو الجنود السماوية من أجل انعقادها، حيث يقف ليؤدي الدور المسموح له والمحدد من الله، لا أقل ولا أكثر، فهو الخصم الذي يشتكي على الإنسان أمام الله، وملائكة الله الفاعلون أمره واقفون أيضًا لإبداء تقاريرهم في القضايا المختلفة.
مجلس القضاء
“ومن أمامه يخرج ويجري نهر من نار، تخدمه ألوف وألوف، وتمثل في محضره ملايين. فانعقد مجلس القضاء وفتحت الكتب” (دانيال7:10)
مجلس القضاء الإلهي هو المحكمة الفعلية التي تُدار منها أحداث الكون، وأحداث حياتنا الشخصية، الله الديان العادل هو القاضي الأعظم، ويسوع المسيح هو المحامي عنا، والمشتكي هو الشيطان، ومحفل الملائكة هم جنوده الفاعلون أمره. وداخل هذه المحكمة هناك كتب مفتوحة تتضمن ملفات خاصة بكل شخص، بما تتضمنه من قضايا ودعاوى وشكايات واتهامات ودفاع.
سُمح للشيطان بالدخول بصفته المشتكي، ولكن ليس لديه الإذن أن يدخل أو يتحدث إلا بسماح من قاضي القضاة، فبادر الله بالحديث سائلًا الشيطان “من أين جئت؟” فقال الشيطان: “كنت أتجول في الأرض وأتمشى فيها” (ع6).
ولأن الله كلي العلم، فهو يعرف جيدًا أن الشيطان يراقب أيوب وقد وضع قلبه ليشتكي عليه، فأعطى له الإذن بالحديث.
“فقال الله للشيطان: لعلك لاحظت عبدي أيوب، فإنه لا مثيل له في الأرض، رجل كامل وصالح، يتقي الله ويبتعد عن الشر” (ع 8).
وهنا بدأ الشيطان في نشر لائحة اتهاماته ضد أيوب فقال لله: “هل أيوب يتقي الله مجانًا؟ أنت وضعت سورًا حوله وحافظت عليه هو وعائلته وكل ما له. وباركت أعماله، فملأت مواشيه الأرض، ولكن مد يدك الآن واضرب كل ما له، فإنه يشتمك في وجهك.”
فقال الله للشيطان: “إذًا، سلمتك كل ما له. إنما لا تمد يدك إليه.”
ثم خرج الشيطان من محضر الله. (ع 9-11) لقد أعلن الشيطان حجته أن أيوب لا يتقي الله حبًا فيه، ولكنه يعبده لأنه باركه، ولأنه حماه هو وعائلته وممتلكاته وكل أعماله ولكن إذا مد الله يده وأخذ كل ما له لن يتقيه ولن يعبده بل سيجدف عليه!
وقف الشيطان منتظرًا الإذن من الله لينفذ مخططاته لعلها تنجح… وافق الله لأنه كان يعرف صديقه أيوب جيدًا ويثق فيه، فقال له: “حسنًا، يمكنك تجربته، افعل ما شئت بكل ما يملك، لكن لا تؤذه جسديًا. كل ما له تحت يدك، ولكن لا يجوز لك أن تمد يدك عليه”. (ع40)
حجم عدوك
لله قدرة غير محدودة ولا نهائية تفوق الإدراك، وبالمقابل فالشيطان ملاك ساقط خلقه الله وله قدرات محدودة، بعد تمرده على الله بقيت له القوة التي منحها الله له، ولكنها محدودة جدًا أمام الله كلي القدرة.
وهو ما توضحه قصة أيوب، فقد قال له الرب: “يمكنك أن تجرب أيوب في ممتلكاته، ولكن لا يجوز لك أن تمد يدك عليه”، وفي المرة الثانية من التجربة سمح له أن يمس جسده، ولكن لا يمس حياته، وبالفعل لم يستطع الشيطان أن يتجاوز هذه الحدود التي حددها الله.
الله هو ضابط الكل، والشيطان ليس مطلق الحرية للتصرف في ظروف حياتنا، وكل شيء يحدث لأولاد الله يكون بإذن من الله وتحت هيمنته، وكما رسم الله للبحار حدودًا لا تتعداها فتغطي الأرض (أيوب38: 8-11) هكذا حدد الشيطان بحدود.
حتى في وقت تجربته لبطرس طلب الإذن أولًا من الله بأن يغربل إيمان بطرس كالحنطة، فسمح الله وصلى لأجل بطرس كي لا يفشل إيمانه. “هوذا الشيطان طلبكم لكي يغربلكم كالحنطة” (لو22: 31) والأصل اليوناني لكلمة طلبكم يعني “طلب أن يحاكمكم”.
طالما نحن أولاد الله ونقوم بالدور المنوط بنا، فلا يمكن أن يسمح أبدًا للشيطان أن يجربنا أكثر مما نستطيع التغلب عليه (1كورنثوس10: 13)
قد يتراءى للبعض أن القدرة على مقاومة الشيطان أقوى مما يستطيعون، وهذا حقيقي إن واجهوه بأنفسهم أو خارج المحكمة السماوية، أو إن تقاعسوا عن أداء دورهم، أو إن أعطوه الحق القانوني للشكاية عليهم. قال جوزف سميث إن “الأرواح الشريرة لها حدودها وقوانينها التي تحكمها، لذا فإن الشيطان وملائكته ليسوا أقوياء” (History of the Church, 4:576)، ورغم أنها محددة إلا أننا أحيانًا نمنحها الإذن ونفتح على أنفسنا بوابات يدخل منها العدو فيبدو أنه أضخم وأقوى.
لم يخطئ
في مدة قصيرة، فقد أيوب أولاده وكل ممتلكاته، وكأن هناك مخططًا مدبرًا ضده، ويبدو أن صديقه تخلى عنه فتركه في يد أعدائه من السبئيين والكلدانيين، أو على الأقل بصمات الله كانت وراء ما حدث. “نار الله سقطت من السماء فأحرقت الغنم والغلمان وأكلتهم، ريح شديدة جاءت من عبر القفر وصدمت زوايا البيت الأربع، فسقط على الغلمان فماتوا” (أيوب1: 16، 19).
فلماذا لم يمنع الرب أعداءه من أذيته؟ لماذا لم يوقف النار والريح؟ اليس هو المتسلط على كل شيء؟
لم يفكر أيوب هكذا: “فقام أيوب ومزق جبته، وجز شعر رأسه، وخر على الأرض وسجد، وقال: عريانًا خرجت من بطن أمي، وعريانًا أعود إلى هناك. الرب أعطى والرب أخذ، فليكن اسم الرب مباركًا. في كل هذا لم يخطئ أيوب ولم ينسب لله جهالة” (20-22).
عبّر أيوب عن حزنه الشديد كإنسان، فمزق جبته وجز شعر رأسه، ولكنه لم يستطع أن يمنع نفسه من السجود لله! بل إنه قدم له الإكرام وباركه قائلًا عبارته الشهيرة: “الرب أعطى الرب أخذ”.
ورغم كل هذه الظروف “لم يخطئ أيوب بإلقاء اللوم على الله” و”لم يتهم الله بالخطأ” و”لم يتذمر بحماقة على الله”، فقد حفظت علاقة أيوب بالله من أن يخطئ في حقه، فهو يعرفه جيدًا، لذا لا يقدر أن يلومه أو يتذمر عليه أو يقول إنه مخطئ.