أصبح الطفل يوسف، الذي لم يتجاوز الـ13 سنة، بين ليلة وضُحاها صاحب لقب “سفّاح الإسماعيلية”! حيث قتل زميله “محمد”، ثم قام بتمزيق جثته إلى ستة أجزاء بمنشار والده الكهربائي، وبعدها ألقى أشلاء زميله في أماكن متفرقة. الجميع يتكلم ويحلل ويحكم، فهناك مَن يُكذّب كون هذا الطفل قام بمثل تلك الجريمة الشنعاء، بل ويبتكر قصة أن يوسف يُخفي الحقيقة ويحاول حماية شخصٍ ما. وليس هذا فقط، بل توجد فئة وصل بها خيالها إلى تحليلٍ يفيد بأن والده ساعده في تمزيق الجثة، لأنه هو ووالده عضوان في منظمة لتجارة الأعضاء!
وهناك فئة مختلفة نظرت إلى هذه القضية من منظورٍ آخر، وهو كيفية معاقبة القاتل. هذه الفئة تطالب بتنفيذ حكم الإعدام عليه، ولا يجب أن يُعامل معاملة القاصر. وآخرون يتوقعون أن القضية سوف تنتهي بأن هذا الطفل يعاني من مرضٍ نفسي ولن يُحاكم على هذا الأساس، ومن ثَمَّ يضيع حق الطفل محمد –الضحية–.
وهكذا، ما بين مؤيدٍ ورافضٍ، ولكلٍّ منهم تبريراته التي تثبت وجهة نظره. ولكن الغريب أنه بالرغم من اختلاف الآراء حول هذه الجريمة، إلا أنهم اتفقوا جميعًا على أن المجرم الحقيقي هو الإنترنت! فالجميع يُلقي اللوم على وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك لأن يوسف اعترف بأن ما قام به كان نتيجة مشاهدته فيلمًا فيه قاتلٌ متسلسل على هاتفه المحمول، حيث قام بتقليده في القتل وطريقة تمزيق الجسد، وساعد على ذلك مشاهدته للألعاب العنيفة التي تحتوي على قتل الخصم.
وهنا قفز إلى ذهني سؤال: هل الجاني الحقيقي هو بالفعل الإنترنت والمحتوى الذي يشاهده يوسف عليه؟!
إن كنا سنصدق هذه الأكذوبة، فنحن بهذا ندفن رؤوسنا في الرمل كي لا نواجه الحقيقة، وكلما دفنّا رؤوسنا في الرمل انتشرت مثل هذه الجرائم بين أطفالنا المراهقين. لذا يجب معرفة الجاني الحقيقي كي نحمي جيلًا كاملًا من هذه الجرائم البشعة، وما خفي كان أعظم.
لقد شهد الجيران بأن يوسف كان طفلًا هادئ الطباع، وفي الآونة الأخيرة أصبح طفلًا منطويًا، ورفيقه الوحيد هاتفه المحمول. فماذا حدث له كي يتحول من طفلٍ هادئ إلى سفّاح؟ هل بالفعل المحتوى الذي كان يشاهده هو السبب؟
لكي نعرف السبب، دعني أشاركك عزيزي القارئ حياة يوسف كما ذكرت وسائل التواصل الاجتماعي:
يوسف طفل من بين ثلاثة أطفال، قرر والداه الانفصال، ثم تزوجت والدته عمَّ زوجها! وتركت أطفالها لوالدهم الذي يعمل نجارًا أو كهربائيًا -اختلفت الآراء حول مهنته-، المهم أنه يعمل طوال اليوم تاركًا أطفاله بمفردهم. وبما أن والدتهم قررت تركهم هكذا بدمٍ بارد، ووالدهم يغيب طوال اليوم، هنا يأتي السؤال: مَن الذي يهتم بهم؟
الإجابة عن هذا السؤال: هم أنفسهم! وهذا بحسب شهادة الجيران، حيث يهتمون بأنفسهم ويقومون بأعمال المنزل من نظافةٍ وطهوٍ وغسيل… مع العلم أن يوسف هو الطفل الأكبر، وله أختٌ عمرها ست سنوات، وأخٌ عمره ثلاث سنوات -وذلك بحسب ما ذكرت وسائل التواصل الاجتماعي-. لذا كان كل العبء على يوسف كما أجمع الجيران.
هذا فيما يخصّ الاهتمام الجسدي، لكن ماذا عن الاهتمام النفسي؟ هل من الممكن أن يسدّ يوسف لنفسه ولإخوته هذا الاحتياج؟
إن تعمقنا أكثر في حياة يوسف، سنكتشف أنه قبل أن يكون جانيًا فهو ضحية، نعم… هو ضحية والديه:
أولًا: الأم
قررت الانفصال عن والده، وهنا أمامنا قصتان:
القصة الأولى: بما أنها تزوجت من عمِّ زوجها، فهذا يشير إلى أنها كانت على علاقةٍ به وهي متزوجة، وكان الطلاق أساسه الزواج بهذا الرجل. وهذا يعكس لنا طبيعة تلك المرأة التي تبرأت من الأمومة، إذ نسيت واجبها كأم نحو أطفالها الثلاثة، وجرت وراء شهواتها. والنتيجة الطبيعية: طفلٌ وحيد لا يجد مَن يسانده أو يرشده، خاصة أنه في بداية مرحلة المراهقة التي يحاول فيها أن يجد هويته وشخصيته. وبما أنه لم يجد داعمًا في العالم الواقعي، اختار العالم الافتراضي ليكون صديقه وداعمه، ومن هنا وقع في ممارساتٍ خاطئة طالما بدأ التصفح على وسائل التواصل الاجتماعي وقضى وقته معها.
القصة الثانية: أن الأب كان صعب العشرة، لذا لم تستطع الأم الاستمرار معه وقررت الانفصال عنه. ولكن هذا لا يُعفيها من المسؤولية، فكيف يُطيعها قلبها أن تترك أطفالها مع زوجٍ صعب الطباع؟ فهذه أنانية منها أن تهرب وتستمتع بحياتها مع زوجها الجديد، تاركةً أطفالها يحصدون ما لم يزرعوه.
والغريب أنه حتى وقت كتابة هذه السطور لم تظهر الأم في الصورة إطلاقًا، بالرغم من تصدُّر قصة يوسف كل وسائل التواصل الاجتماعي حتى أصبحت تريندًا في أقل من يومين!
ثانيًا: الأب
يعمل طوال اليوم تاركًا أطفاله في البيت بمفردهم، وهذا السلوك غالبًا سببه أحد أمرين:
إما الهروب من ألمه؛ ففي حال أن زوجته قررت الانفصال للزواج من “عمه”، فإنه –كرجلٍ مكسور– قرر الهروب من البيت والانغماس في العمل لينسى ما مر به من غدرٍ وخيانة. ولكن هذا لا يُعفيه من مسؤوليته تجاه أطفاله، فكيف يتركهم يواجهون الحياة بلا سندٍ ولا حماية؟ كيف يطاوعه قلبه أن يُحمّلهم خطأ زوجته؟!
أو أنه يتصف بصفاتٍ سلبية مثل انعدام المسؤولية أو قسوة القلب. لا أعتقد أن سبب الطلاق هو خيانته، وإلا لتزوج بعد الطلاق مباشرة، لذا يُرجَّح أن السبب هو طباعه الصعبة: البخل أو اللامسؤولية أو القسوة، فترك أولاده يهتمون بأنفسهم دون مساندةٍ منه لأنه لم يتعوّد تحمّل المسؤولية.
ثالثًا: أحداث ما قبل الطلاق:
لا أتوقع أن يكون الطلاق حدث بهدوء في مثل تلك الظروف التي ذكرتها سابقًا، وهنا نجد أن الأطفال يعانون من الإهمال حتى قبل طلاق والديهم.
في رأيك، كيف تعتقد أن تكون حياة يوسف وسط هذا الجو الملوث؟
إن هذا الجو من الإهمال يجعل الطفل يقوم بسلوكيات مؤذية لنفسه دون أن يدري، حيث لا توجد مراقبة، ولا من يرشده ويحميه، ولا من يمنحه الحب الذي يحتاجه، بل دعنا نقول: لا توجد من الأساس أسرة!
وسط هذا الجو السام، رفض يوسف العالم الواقعي الكاذب الأناني، وانغمس في العالم الافتراضي، بل وبدأ يتقمص شخصياته. وهذا بحسب ما ذكرته إحدى الجرائد الإلكترونية، حيث صارح يوسف النيابة بأنه قام بتنفيذ الجريمة متقمصًا دور البطل في أحد الأفلام الأجنبية التي شاهدها مؤخرًا.
والجدير بالذكر أن أكثر مرحلة حساسة لتوتر العلاقة بين الآباء وانفصالهم هي مرحلة المراهقة، حيث تؤثر على ردود أفعال المراهق إما بالانطواء أو بالغضب، وفي حالة الغضب يقوم المراهق بإزاحة هذه المشاعر على الآخرين عوضًا عن توجيهها لوالديه؛ وهذه هي حالة يوسف الذي وجد نفسه في ألعاب العنف متنفسًا لغضبه، بل وأحب البطل العنيف الذي يقتل وينتقم لنفسه واعتبره مثله الأعلى.
إن الجاني الحقيقي ليس يوسف، ولا حتى وسائل السوشيال ميديا، بل والديه، وعلينا أن نعترف بهذا كي لا تزداد المشكلة وتتفاقم. والدليل على ذلك أن هناك مراهقين لا يتأثرون بالعالم الافتراضي، بل لديهم وعي وحكمة في التعامل مع وسائل السوشيال ميديا، وذلك بسبب أنهم محاطون بمحبة والديهم.
إن إهمال الأهل لأطفالهم، وتوتر العلاقة بين الزوجين، وأنانيتهم هي الجاني الحقيقي. وإن كنا نريد حماية أطفالنا المراهقين من شر وسائل السوشيال ميديا وتعليمهم كيفية استخدامها بصورة متزنة، يجب مواجهة هذه الحقيقة بدون إنكار. علينا أن نتوقف عن استخدام تلك الشماعة التي دائمًا نُلقي عليها أخطائنا لراحة ضمائرنا، لأنه وإن استراحت ضمائرنا اليوم، هناك يوم سنقف فيه أمام الله نُحاسب على أفعالنا مع أطفالنا، تلك الأمانة التي استودعها الله بين أيدينا.