قال الرسول بولس: “من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم، وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس، إذ أخطأ الجميع” (رو5: 12).
ثم قال أيضًا: “لكن قد ملك الموت من آدم إلى موسى، وذلك على الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم، الذي هو مثال الآتي” (رو5: 14).
وقد يعترض البعض قائلًا: إذا كان هناك أناس لم يخطئوا «على شبه تعدي آدم»، فلماذا ملك عليهم الموت؟ وهل من العدل أن يُحسب الجميع تحت نتائج خطية آدم؟ وهل يُدان الإنسان بسبب خطية لم يرتكبها شخصيًا؟
الإجابة المختصرة
بولس لا يقول إن الناس أبرياء تمامًا ثم يُدانون ظلمًا بسبب آدم. المقصود أن هناك من لم يخطئوا بنفس طريقة آدم، أي لم يكسروا وصية مباشرة معلنة كما فعل آدم، ومع ذلك فهم داخلون في الجنس البشري الساقط، وورثوا نتائج السقوط والموت. آدم كان رأسًا وممثلًا للبشرية، وبسقوطه دخلت الخطية والموت إلى العالم. لكن المسيح، آدم الأخير، جاء ليقابل هذا الحكم بنعمة أعظم. ومن بلغ سن المسؤولية الأخلاقية يُدان أيضًا على خطاياه الشخصية، أما الأطفال ومن لم يبلغوا الإدراك الأخلاقي فالأمر يُفهَم في ضوء رحمة الله وعمل المسيح.
الفكرة الأساسية: لم يخطئ الجميع بنفس طريقة آدم، لكن الجميع دخلوا في نتائج سقوط آدم، ثم كل من يبلغ المسؤولية يُحاسَب أيضًا على خطاياه الشخصية.
موضع الاعتراض
الاعتراض يركز على عبارة: “الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم” (رو5: 14).
فإذا كان هؤلاء لم يخطئوا مثل آدم، فلماذا ملك عليهم الموت؟ كيف يكونون تحت حكم الموت وهم لم يرتكبوا نفس نوع المعصية المباشرة التي ارتكبها آدم؟
الجواب يحتاج إلى التمييز بين أنواع مختلفة من العلاقة بالخطية: خطية آدم كرأس وممثل للجنس البشري، والطبيعة الساقطة التي ورثها الإنسان، والخطايا الشخصية التي يرتكبها الإنسان عندما يبلغ الإدراك والمسؤولية.
أولًا: من هم الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم؟
يمكن أن يدخل تحت هذه العبارة نوعان من البشر:
الأطفال الذين لم يبلغوا سن الإدراك والمسؤولية الأخلاقية.
الأمم الذين لم تكن عندهم وصية مباشرة مثل وصية آدم، أو ناموس موسى المكتوب، ومع ذلك كانت لهم شهادة الضمير.
فآدم أخطأ ضد وصية واضحة ومباشرة من الله. أما الذين جاءوا بين آدم وموسى فلم يكن عندهم ناموس موسى المكتوب، ومع ذلك ملك عليهم الموت. وهذا يثبت أن الموت لم ينتظر إعطاء الناموس، بل دخل إلى الجنس البشري بسبب سقوط آدم، ثم ظهر أيضًا في خطايا البشر الشخصية.
ثانيًا: الأطفال ومسألة المسؤولية الأخلاقية
يرى كثير من الدارسين أن الأطفال الذين يموتون قبل سن الإدراك الأخلاقي هم في رحمة الله، ولا يُعاملون كمن رفضوا الله عن معرفة وتمرد شخصي. ويُستدل على ذلك من عدة إشارات كتابية.
عندما مات طفل داود، قال داود: “أنا ذاهب إليه، وأما هو فلا يرجع إليّ” (2صم12: 23).
وهذا يُفهم منه أن داود كان ينتظر أن يذهب إلى حيث الطفل، لا أن الطفل قد فُقد بلا رجاء.
كما يتكلم داود في المزمور عن معرفة الله للإنسان حتى قبل ولادته: “رأت عيناك أعضائي، وفي سفرك كلها كتبت، يوم تصورت، إذ لم يكن واحد منها” (مز139: 16).
وهذا يعلن أن الجنين ليس مجهولًا عند الله، بل هو موضوع عنايته ومعرفته.
ثالثًا: الكتاب يميّز بين من يدرك الشر والخير ومن لا يدرك
إشعياء يتكلم عن مرحلة لا يكون فيها الطفل قد عرف بعد أن يرفض الشر ويختار الخير: “زبدًا وعسلًا يأكل متى عرف أن يرفض الشر ويختار الخير” (إش7: 15).
هذا يدل على وجود مرحلة قبل الإدراك الأخلاقي الكامل. وكذلك قال الرب يسوع لليهود: “لو كنتم عميانًا لما كانت لكم خطية. ولكن الآن تقولون: إننا نبصر. فخطيتكم باقية” (يو9: 41).
فالمسؤولية ترتبط بالنور والمعرفة والإدراك. من يدّعي أنه يبصر ويرفض الحق يكون مسؤولًا بطريقة تختلف عن من لا يملك الإدراك.
رابعًا: عمل المسيح يغطي من لا يملكون المسؤولية الشخصية
بولس يضع خطية آدم وعمل المسيح في مقابلة واضحة. كما دخل الحكم من جهة آدم، جاءت النعمة والبر من جهة المسيح: “فإذًا كما بخطية واحدة صار الحكم إلى جميع الناس للدينونة، هكذا ببر واحد صارت الهبة إلى جميع الناس، لتبرير الحياة” (رو5: 18).
“لأنه كما بمعصية الإنسان الواحد جعل الكثيرون خطاة، هكذا أيضًا بإطاعة الواحد سيجعل الكثيرون أبرارًا” (رو5: 19).
لذلك، من جهة الأطفال ومن لم يبلغوا المسؤولية الأخلاقية، لا ينبغي أن يُفهم تعليم الخطية الأصلية كأنه يلغي رحمة الله أو عمل المسيح. فالنعمة في المسيح أعظم من الخطية، وعمله هو أساس كل رجاء.
تمييز مهم: الموت دخل بسبب آدم، لكن الخلاص والرجاء لا يُفهمان إلا في ضوء المسيح، آدم الأخير، الذي جاء ليبطل سلطان الخطية والموت.
خامسًا: الجميع أخطأوا في آدم كرأس وممثل
يشرح المصدر أن البشر جميعًا أخطأوا «في آدم» من جهة أنه رأس وممثل للجنس البشري. لذلك نُسبت نتائج سقوطه إلى الجنس البشري كله، ودخل الموت إلى الجميع.
هذا لا يعني أن كل إنسان ارتكب نفس الفعل الشخصي الذي ارتكبه آدم، بل يعني أن آدم، بوصفه رأس البشرية، أدخل الجنس البشري كله في حالة سقوط وموت. ولهذا قال بولس: “هكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس، إذ أخطأ الجميع” (رو5: 12).
فحتى الذين لم يخطئوا بنفس صورة آدم، دخلوا في واقع البشرية الساقطة التي ملك عليها الموت.
سادسًا: المسيح أزال الذنب القضائي المرتبط بآدم
إذا كان آدم رأسًا وممثلًا أدخل البشرية في السقوط، فالمسيح أيضًا رأس وممثل جديد جاء بالبر والحياة. لذلك لا يقف تعليم بولس عند آدم والموت، بل ينتقل إلى المسيح والنعمة.
فمن جهة الدينونة القضائية المرتبطة بآدم، جاء عمل المسيح ليقابلها ويحرر الجنس البشري منها. لكن من يبلغ سن المسؤولية ويختار الخطية بإرادته، يكون مسؤولًا عن خطاياه الشخصية، ويحتاج أن يقبل نعمة المسيح بالإيمان والتوبة.
إذن، لا يُدان الإنسان البالغ فقط لأنه من نسل آدم، بل لأنه أيضًا يخطئ فعليًا ويكسر النور الذي عنده.
سابعًا: من لم يكن عندهم ناموس موسى كان عندهم ضمير
بين آدم وموسى لم يكن الناموس المكتوب قد أُعطي بعد، ومع ذلك لم يكن الناس بلا مسؤولية أخلاقية. فقد أوضح بولس أن الأمم، حتى دون ناموس موسى، لهم عمل الناموس مكتوبًا في قلوبهم: “لأن الأمم الذين ليس عندهم الناموس، متى فعلوا بالطبيعة ما هو في الناموس، فهؤلاء إذ ليس لهم الناموس هم ناموس لأنفسهم، الذين يظهرون عمل الناموس مكتوبًا في قلوبهم، شاهدًا أيضًا ضميرهم وأفكارهم فيما بينها مشتكية أو محتجة” (رومية 2: 14-15).
فالذين لم يخطئوا مثل آدم، أي لم يكسروا وصية مباشرة مثل وصيته، لم يكونوا بلا أي نور. كانت لهم شهادة الضمير، ولذلك كانوا مسؤولين عن أفعالهم.
ثامنًا: عدم الخطية مثل آدم لا يعني عدم الخطية مطلقًا
عبارة «لم يخطئوا على شبه تعدي آدم» لا تعني أنهم لم يكونوا خطاة بأي معنى. بل تعني أنهم لم يخطئوا بنفس النمط: آدم كسر وصية مباشرة معلنة من الله قبل وجود الناموس، أما كثيرون بعده لم تكن عندهم نفس الوصية المحددة، ومع ذلك كانوا خطاة ومسؤولين.
لذلك لا يجوز تحويل العبارة إلى دليل على براءة كاملة. فبولس نفسه يقول لاحقًا: “إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله” (رو3: 23).
فالفرق ليس بين آدم الخاطئ وبشر أبرياء تمامًا، بل بين شكل تعدي آدم المباشر، وأشكال خطية البشر الذين جاءوا بعده.
تاسعًا: الإنسان يموت لأن الخطية دخلت ولأنه يخطئ
الموت دخل إلى العالم بسبب خطية آدم، لكنه أيضًا مرتبط بخطية الإنسان الشخصية. يقول بولس: “لأن أجرة الخطية هي موت، وأما هبة الله فهي حياة أبدية بالمسيح يسوع ربنا” (رومية 6: 23).
فالإنسان يعيش في عالم دخل إليه الموت بسبب آدم، وهو أيضًا يختبر الموت كأجرة للخطية. لكن الآية لا تنتهي بالموت، بل تعلن الهبة: «حياة أبدية بالمسيح يسوع ربنا”.
المبدأ الدفاعي: عدل الله يظهر في إدانة الخطية، ورحمته تظهر في تقديم الخلاص بالمسيح لمن يقبله.
هل الله عادل في إدانة الخطية؟
نعم. الله عادل لأنه لا يدين الشر اعتباطًا، بل يدين الخطية الحقيقية. البشر ليسوا أبرياء أمام الله؛ فهم داخلون في طبيعة ساقطة، ولديهم ضمير، ويفعلون خطايا شخصية عندما يبلغون الإدراك والمسؤولية.
وفي الوقت نفسه، الله رحيم لأنه لم يترك البشر تحت الموت فقط، بل أرسل المسيح ليحمل الدينونة ويفتح باب الحياة. لذلك فتعليم رومية 5 لا ينتهي بآدم، بل يبلغ ذروته في المسيح.
الرد المختصر على الشبهة
(رو5: 14) لا تقول إن هناك أناسًا أبرياء تمامًا دِينوا ظلمًا. بل تقول إن الموت ملك حتى على الذين لم يخطئوا بنفس طريقة آدم، أي لم يكسروا وصية مباشرة مثل وصيته. هؤلاء ما زالوا داخلين في البشرية الساقطة بسبب آدم، كما أن كل من يبلغ الإدراك يخطئ شخصيًا ويُحاسَب بحسب النور الذي عنده. أما الأطفال ومن لم يبلغوا المسؤولية الأخلاقية، فيُفهم أمرهم في ضوء رحمة الله وعمل المسيح. فالله عادل في إدانة الخطية، ورحيم في تقديم الخلاص بالمسيح.
الخلاصة
ليس ظلمًا أن يتكلم بولس عن ملك الموت بسبب آدم، لأن آدم كان رأس الجنس البشري، وبسقوطه دخلت الخطية والموت إلى العالم. ومع ذلك، لا يُلغى حساب الخطية الشخصية، ولا تُلغى رحمة الله تجاه من لم يبلغوا المسؤولية الأخلاقية. فالبشر يموتون لأنهم في آدم، ويُحاسَبون عندما يخطئون بإرادتهم، لكن المسيح جاء ليقابل سقوط آدم بنعمة أعظم، ويفتح باب الحياة الأبدية لمن يقبل الخلاص.