تحقيق: د. ماريانا يوسف
القنبلة التي ظلت مخبأة لسنوات عديدة، انفجرت أخيرًا في وجوهنا، ولم تكن شظاياها هذه المرة من حديد، بل كانت خيبات أمل ومشاعر مكبوتة استمرت سنوات داخل قلوبنا، فكان البعض يتعامل مع خيبات الأمل تلك بالصمت كبديل عن المواجهة، حتى ظن البعض بأن التجاهل يعني النجاة.
وحينما أدار الأقباط ظهورهم للهروب من تلك المواجهة، كان الفتيل يشتعل أكثر وأكثر كل يوم، حتى جاء اليوم الموعود، وانفجر فيه كل شيء دفعة واحدة، ليظهر الخوف الذي اعترى قلوبنا، فالحقيقة التي تجاهلناها بالأمس، ها هي تقف اليوم عارية، بلا أقنعة وبلا أعذار، ولم تكن المشكلة في الانفجار ذاته، بل في السنوات التي قضيناها ونحن نتظاهر بأن القنبلة غير موجودة من الأساس.
ولعلنا نتساءل اليوم: هل ما حدث هو النهاية؟ أم أنه مجرد بداية المواجهة؟
تساؤلات من عمق الأزمة:
ما جدوى العظات الروحية الرنانة إذا ظلت حبيسة المنابر فقط؟
ما فائدة العظات التي لا تترجم إلى رحمة، ولا تلامس الحقيقة؟
كيف يمكننا تحويل العظات الروحية إلى إنجيل معاش؟!
هل من المعقول أن الكنيسة، التي تُعد جماعة المؤمنين، لم تعد متاحة اليوم لكل المؤمنين، ولم تعد رحمتها تسري على الجميع؟
كيف يمكن تصديق رجل دين يحدثني عن المحبة والغفران، ثم يقوم بحرمان أحد أبنائه من ممارسة الأسرار؟!
كيف يتحدث البعض عن حتمية تنفيذ أحكام دينية، ويرفع شعارات عن الطلاق، ولا تُفعَّل هذه الأحكام سوى على الضعفاء والفقراء فقط؟!!
أصل الواقعة
رفضت كنيسة مارمرقس كليوباترا قيد طفل بمدارس الأحد بسبب تقديم أسرته عقد إيجار للشقة التي تقيم بها، بدلًا من مستند يثبت ملكية السكن.
وبحسب الروايات التي انتشرت عبر صفحات ومجموعات قبطية، فإن أسرة الطفل تقدمت بطلب لإلحاق نجلها بخدمة مدارس الأحد والأنشطة الكنسية التابعة لكنيسة مارمرقس كليوباترا، باعتبارها تقيم داخل نطاق المنطقة منذ فترة، إلا أنها فوجئت -وفقًا لما تم تداوله- بطلب مستندات خاصة بمحل الإقامة، ثم إبلاغها بأن عقد الإيجار المقدم لا يفي بالاشتراطات المطلوبة لاستكمال إجراءات القيد.
ومدارس الأحد -لمن لا يعرف- هي نشاط تقدمه الكنائس، يشمل فصولًا للمراحل الدراسية والفئات المختلفة تحت اسم “اجتماعات”، منها فصول للمرحلة الابتدائية والإعدادية والثانوية، وكذلك اجتماعات للشباب والأسر والسيدات والمسنين، وتشمل فقرات من الترنيم ودراسة الكتاب المقدس والموضوعات الروحية أو الاجتماعية، يعلِّم فيها قساوسة الكنيسة إلى جانب معلمين متطوعين يُطلق عليهم “خُدَّام”.
كما تنظم الكنائس رحلات وأنشطة صيفية، يُعد أكبرها مهرجان الكرازة.
بين التنظيم والتمييز.. هل تحولت بعض الكنائس إلى فضاءات مغلقة أمام الفقراء والمغتربين؟
حدث توجيه داخلي صدر في عام 2013 ببعض الكنائس الراقية، يقضي بتقسيم مدارس الأحد التابعة للكنيسة حسب نوعية المدارس التي يرتادها الطلاب، بحيث تُخصص أوقات لطلاب المدارس الدولية (الإنترناشونال)، وأخرى لطلاب المدارس الخاصة الوطنية (الناشونال) عربي أو لغات، وثالثة لطلاب المدارس الحكومية العادية.
هذا التقسيم المبني على التمييز الطبقي فتح الباب للتنمر وإساءة التعامل بين الأطفال، بعد أن تحدد موقع كل واحد منهم داخل مدارس الأحد وفق طبقته الاجتماعية؛ لأنه، في الغالب، يرتاد الأغنياء مدارس الإنترناشونال، وأبناء الطبقة المتوسطة يرتادون مدارس الناشونال، بينما يرتاد الفقراء المدارس الحكومية.
وتبرر تلك الكنائس أن تحديد فصول لطلاب المدارس الإنترناشونال جاء كرد فعل على ضغط الأهالي، إذ إن “هناك أناسًا أغنياء وضعوا أنفسهم في دائرة لا يريدون أن يدخلها أحد ليس شبيهًا بهم”، موضحة أن “التصنيف أصبح يحدث بشكل تلقائي؛ لأن هناك حاجزًا نفسيًا وطبقيًا، والأطفال لا يستطيعون مجاراة زملائهم الذين يمتلكون إمكانيات مادية أكبر”.
القس روفائيل قليني، صاحب فكرة تقسيم مدارس الأحد: القرار لم يأتِ من فراغ، بل نتج عن مواقف حتمت الخطوة
يدافع القس روفائيل قليني، صاحب فكرة تقسيم مدارس الأحد بإحدى كنائس الأحياء الراقية منذ عام 2013، وكاهن كنيسة الأنبا شنودة بحي الزلزال بالمقطم حاليًا، عن الفكرة قائلًا: “لم يأتِ قرار التقسيم من فراغ، بل نتج عن مواقف حتمت الخطوة”. هكذا يبرر القرار، مضيفًا: “اتفاجئنا بطفل مش عايز يقعد جنب ابن الغفير، وقال: أنا ما أقعدش جنب ده، بالرغم إن ده متفوق ومميز أخلاقيًا”. ويعتقد قليني أن التوجيه المباشر ليس دور الكنيسة، موضحًا: “نكتفي بالوعظ عمومًا”.
ويتجاوز الأمر مقاعد الدراسة إلى الأنشطة الصيفية، إذ يقول: “بنواجه مشكلة إننا نختار مكان مصيف يناسب الشريحتين، المصيف المتوسط مش هيجذب اللي بيدرسوا في الإنترناشونال، وبيروحوا أفخم الفنادق، وبيعملوا أعياد ميلادهم في ديزني لاند، ويعزموا صحابهم، ويحجزولهم طيران. من الناحية التانية، اللي ما عندوش مقدرة يحجز الرحلة دي هيكلف الكنيسة مبلغًا كبيرًا لدعمه”.
ويلاحظ كاهن الكنيسة أن الأطفال من أبناء الطبقات العاملة يشعرون بالفروق بينهم وبين غيرهم، قائلًا: “بلاقيهم مستخبيين تحت الكراسي، مش عايزين حد يشوفهم”، مؤكدًا أن الفروق ليست اقتصادية فقط، ولكنها فروق لغة وثقافة وسلوك ومظهر.
ويضيف: “حتى في القداسات الكبيرة، البوابين وأولادهم بتلاقيهم من نفسهم واخدين آخر ركن في الكنيسة، عشان ما يقعدوش جنب اللي بيخدموهم. هو مش بيبقى حاسس براحة وسط التجمع، وهما شكلهم باين بالجلابية والطرحة”. ويستدرك: “ما نقدرش نجمعهم غير في الكشافة، عشان عقيدتها البساطة والاعتماد على البيئة والزي الموحد”.
ولا يأتي الشعور بالفوارق من الأسفل إلى الأعلى فحسب، إذ يرى الكاهن أن العكس يحدث أيضًا، مدللًا على ذلك بقوله: “كان فيه تلميذة عانت من التنمر في كنيسة مارمرقس، من أشهر كنائس مصر الجديدة، بسبب إن دراستها إنترناشونال، وما بتتكلمش عربي، وبتستخدم الكتب المترجمة، واتعرضت للسخرية وانقطعت عن الكنيسة، ولما عرفت بتقسيم مدارس الأحد بكنايس التجمع، رجعت وشكرتني على هذا القرار لتوفير بيئة آمنة”.
ويعتقد قليني أن فكرة التقسيم نجحت، قائلًا: “كنا بنجمع الأطفال يوم الجمعة، وقسمنا اللغات مساء السبت، والحكومي الخميس. حاول الأهالي البسطاء اقتحام الكنيسة لإدخال أبنائهم عنوة يوم السبت للاستفادة من الهدايا العينية، فخليناهم يوم الخميس زي ما هما، وبقينا نوزع هدايا قيّمة وأكلًا مجانيًا، واتسع جدول اليوم ليبدأ بالقداس الخاص بهم. لذلك تضاعف العدد من 70 إلى 140 في شهر واحد، وده دليل إنهم حسوا إن الوسط مريح لهم نفسيًا”.
وأكد أن القداسات في الأحياء الراقية عادة ما تكون مقسمة بصورة تلقائية؛ فالأحد للفئة الأعلى ورجال الأعمال، والسبت للموظفين والبسطاء، أما الجمعة فهي شاملة للجميع.
أستاذة علم الاجتماع: هذا التمييز يتسبب في شعور مؤلم لدى الأطفال الأقل حظًا اجتماعيًا
من جانبها، أكدت الدكتورة سامية قدري، أستاذة علم الاجتماع بكلية البنات بجامعة عين شمس، أن هذا التمييز يتسبب في شعور مؤلم لدى الأطفال الأقل حظًا اجتماعيًا.
وتسترجع سامية النصيحة التي كانت تلتزم بها عندما كانت مسؤولة عن مدارس الأحد بكنيسة الشهيدة دميانة بالعمرانية في الجيزة، وهي الآية: “لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى”، معتبرة أن الأولى بالرعاية هم الأكثر احتياجًا.
وتؤمن سامية بأن دور الكنيسة هو تحقيق الشعور بالمساواة، قائلة: “ده اللي كنا بنعمله، في المصايف نديهم كلهم هدايا ومايوهات عشان كله يبقى زي بعضه، ونعمل الأكل بإيدينا والعيال تاكل جنب بعض”. وتعتقد سامية أن تجربتها نجحت في تحدي الطبقية، مضيفة: “العدالة والمساواة في الحب والاهتمام مهمتان للغاية؛ لأنها رسالة المسيح الذي أوصى: «دعوا الأولاد يأتون إليَّ»”.
وتخشى أستاذة علم الاجتماع من أن يؤثر التمييز الطبقي على موقف الأقباط من كنيستهم، قائلة: “الكنيسة منذ نشأتها تضم جميع فئات المسيحيين، وكلما سقط أحد الأساقفة في التمييز بين الفقراء والأغنياء، تحدث ثورة ضده ويهجر الناس الكنيسة”.
وبينما ترفض سامية التفرقة الطبقية في مدارس الأحد، فإنها تشير إلى مميزات الدمج، مؤكدة أنه “يخلق تنافسية ودافعًا للأطفال للتعاطف فيما بينهم والشعور بغيرهم”.
الكنائس القبطية الحائرة بين التنظيم والقدرة الاستيعابية.. وبين الرفض والاتهام بالطبقية
أضاءت الواقعة الخاصة بكنيسة كليوباترا معضلة حقيقية ذات جانبين، وكلاهما يحمل وجهة نظر وجيهة:
الجانب الأول: منطق النظام والأرقام
الطاقة الاستيعابية:
الكنيسة، في النهاية، لها نطاق جغرافي محدد، وعدد من الفصول والخدام محكوم بطاقة استيعابية معينة لا يمكن تجاوزها.
أولوية الخدمة:
إذا فتحت كل كنيسة شهيرة أبوابها لجميع الأشخاص من مختلف المناطق السكنية، ستنهار الخدمة، ولن تتمكن من تلبية احتياجات أبناء المنطقة المحيطة بها، الذين تُعد الكنيسة مسؤولة عنهم بالدرجة الأولى.
التنظيم اللوجستي:
فكرة “المربع السكني” هي تنظيم إداري بحت، يهدف إلى ضمان التكافؤ وتجنب التكدس، ويُعد عقد الإيجار أحيانًا وسيلة لإثبات إقامة الشخص فعليًا داخل هذا النطاق، وأنه ليس قادمًا من خارجه.
الجانب الثاني: روح الكنيسة وإنسانيتها
بيت الله المفتوح:
الكنيسة، في الأول والآخر، هي “بيت الله” المفتوح للجميع، وليست شركة استثمار عقاري تصنف الناس بناءً على عقود التمليك أو الإيجار!
التعاطف والرعاية:
هذه النبرة الإدارية الجافة، والطريقة الصادمة التي تُطبق بها اللوائح، تكسر قلب أبٍ كل ذنبه أنه يسعى إلى ربط أبنائه بالكنيسة.
خطر البيروقراطية:
عندما يتحول الدين إلى “بيروقراطية” وأوراق واعتمادات، تتلاشى الروحانيات، ويُضرب مفهوم الرعاية الروحية في مقتل.
وتكمن الخلاصة هنا في التساؤل الآتي: كيف يمكن للكنيسة أن تحافظ على نظامها الإداري ومساحاتها المحدودة، بما يضمن نجاح الخدمة واستمراريتها، دون أن تقع في فخ الجفاف الروحي، أو تتسبب في إبعاد الناس وتوجيه كلمات جارحة لهم؟
المتحدث الرسمي باسم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية: التقسيم لمراعاة مخاطبة كل مستوى تعليمي وفقًا للثقافة والمفاهيم والأسلوب واللغة
من جهته، يعلّق القمص موسى إبراهيم، المتحدث الرسمي باسم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، على تقسيم الخدمة على أساس نوع التعليم، مؤكدًا أنها تحمل وجهة نظر رعوية. ويوضح أن اختلاف المناهج الدراسية يؤثر على المعرفة الثقافية لدى التلاميذ، ما يؤدي إلى تباين واضح، لذا يجب مراعاة مخاطبة كل مستوى تعليمي وفقًا للثقافة والمفاهيم والأسلوب واللغة.
وينفي المتحدث الرسمي صفة التمييز عن هذا التقسيم، مؤكدًا أن “هذا الاهتمام يُحسب للكنيسة في اختيارها لغة الخطاب، وحرصها على عدم التفريق بين أبنائها، بدليل أنها منحت مساحة للتعلم للجميع”، مشيرًا إلى أن هذه الرؤية لا وجود لها في الفكر الكنسي. وأضاف أن “أي شكل تنظيمي يهدف إلى جودة الرسالة وتناسبها مع الخلفية الاجتماعية للأطفال، كما أن الأنشطة الترفيهية، كالرحلات والمصايف، كلها لها أهداف ورسالة رعوية وخدمية”.
القمص داود لمعي: “اللي بيهاجمونا ناس فاضية ومش فاهمين حاجة”
بعد اتهام كنيسة مارمرقس بكليوباترا بأنها مخصصة للأغنياء فقط، قال القمص داود لمعي، في إحدى عظاته مؤخرًا، ردًا على هذا الاتهام، إنه شن هجومًا حادًا على مواقع التواصل الاجتماعي وعلى من يهاجمونه أو يهاجمون كنيسة مارمرقس بكليوباترا، ووصفهم بأنهم “ناس فاضية ومش فاهمين ومش عارفين”، مؤكدًا أن الله سيحاسبهم على خطاياهم وتطاولهم.
القمص بولس جورج يؤكد: التقسيم من أجل تنظيم الخدمة وليس طبقية
جاء رد حاسم من القمص بولس جورج بشأن ما أثير حول وجود طبقية داخل الكنيسة بين الغني والفقير، مؤكدًا أن الأمر يتعلق بتنظيم الخدمة وليس بالتمييز.
وكانت قد وصلت إلى القمص بولس جورج شكوى تفيد بوجود ما يشبه التفرقة داخل مدارس الأحد بين الأطفال، حيث ذكر صاحب الشكوى أن أبناء المدارس “الإنترناشيونال” تُخصص لهم اجتماعات وأنشطة خاصة، مع توفير أوقات وخدمات مختلفة لهم داخل الكنيسة، بينما يُترك باقي الأطفال من الطبقة المتوسطة أو الأقل لحضور مدارس الأحد العادية فقط، دون اختلاط أو مشاركة مع غيرهم.
وأضاف صاحب الشكوى أن هذا الوضع يعطي انطباعًا بوجود نوع من الفصل داخل الكنيسة، وكأنها لا تعامل الجميع باعتبارهم جسدًا واحدًا، مشيرًا إلى أن الأطفال الأغنياء يحصلون على اهتمام ورحلات وخدمات وامتيازات أكثر، في حين لا يحصل باقي الأطفال على المستوى نفسه من الاهتمام، وهو ما اعتبره سببًا في شعوره بأن الكنيسة تحولت إلى أماكن مختلفة داخل المكان الواحد.
ورد القمص بولس جورج، في مقطع فيديو متداول، على هذه الاتهامات، مؤكدًا أن أي تمييز داخل الكنيسة بين الغني والفقير مرفوض تمامًا، وأن الكنيسة التي تميز بين الناس على أساس المال أو المكانة الاجتماعية ليست كنيسة المسيح.
وأضاف أن المسيح نفسه وُلد فقيرًا، وُلد في مذود بسيط، ولم يولد في قصر أو وسط مظاهر رفاهية أو حشم أو خدم، وبالتالي فإن وجود أي شكل من أشكال التمييز داخل الكنيسة يُعد انحرافًا عن روح المسيح، وإذا وُجد هذا النوع من التفرقة، فإن الكنيسة تصبح، في هذه الحالة، أقرب إلى العنصرية.
وأشار إلى أن الكنيسة وُصفت في سفر أعمال الرسل بأنها عمود الحق وقاعدته، وبالتالي لا يصح أن يوجد فيها أي شكل من أشكال التمييز أو المحاباة بين الناس.
وتابع القمص بولس جورج موضحًا أنه إذا كان هناك اختلاف في طرق الخدمة داخل الكنيسة، فإن ذلك لا يُعد تمييزًا في حد ذاته، وإنما يعتمد على الهدف منه. فإذا كان الهدف هو تقديم الخدمة بطريقة تناسب كل فئة وتساعدها على الفهم والتفاعل، فهذا أمر طبيعي.
وضرب مثالًا بأن بعض الأطفال في المدارس الدولية أو مدارس اللغات قد لا تكون لديهم القدرة نفسها على فهم اللغة العربية الفصحى بسهولة، لذلك قد يُشرح المحتوى بطريقة مختلفة أو بلغة أبسط، وهذا ليس تفضيلًا لفئة على أخرى، بل أسلوبًا لخدمة كل مجموعة بالطريقة المناسبة لها.
وأكد أن المشكلة ليست في اختلاف أساليب الخدمة، ولكن في تحويل هذا الاختلاف إلى تفضيل أو احتقار أو فصل بين الناس، أما إذا كان الهدف هو إيصال الخدمة بشكل أفضل، فإن ذلك يدخل في إطار الحكمة في الخدمة وليس التمييز.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن الكنيسة يجب أن تظل جسدًا واحدًا، وأن المحبة هي الأساس، وأن الخدمة يجب أن تُقدَّم للجميع بالروح نفسها، ولكن بطرق مختلفة تناسب الاحتياج، دون أي شكل من أشكال التفرقة أو التمييز.
المعترضون على فكرة تقسيم الصلوات والاجتماعات
الناشط القبطي مايكل عزيز يتساءل: هل من المعقول أن الكنيسة، التي تُعد جماعة المؤمنين، لم تعد اليوم متاحة لكل المؤمنين، ولم تعد رحمتها تسري على الجميع؟
يرى الناشط القبطي مايكل عزيز أن خدمة الأطفال بالكنيسة القبطية ليست امتيازًا يُمنح لفئة معينة، بل هي حق روحي مكتسب لكل طفل قبطي. ويستشهد بقول السيد المسيح: “دعوا الأولاد يأتون إليَّ ولا تمنعوهم، لأن لمثل هؤلاء ملكوت السماوات” (مت 19: 14). ويضيف أن تحويل هذا الحق إلى إجراءات معقدة أو معايير غير مفهومة يخلق حواجز نفسية واجتماعية خطيرة بين المؤمنين، لا تمت بصلة إلى روح الإنجيل.
ويكمل عزيز أن التعليم الروحي الحقيقي لا يُقاس بمدى بلاغته أو بروعة مفرداته، بل بقدرته على أن يتحول إلى فعل حقيقي وإنجيل مُعاش يمتد لإعانة المؤمنين، متسائلًا: “هل نجح كهنة كنيسة كليوباترا في تحقيق متطلبات الخدمة للجميع، أم كان للواقع رأي آخر؟!”.
ويؤكد أن التغيير إلى الأفضل لن يبدأ بالعظات الرنانة التي ينادي بها رجال الدين على منابرهم، وإنما يبدأ بتنفيذ تلك العظات على أرض الواقع دون فرز أو تمييز.
ويختتم عزيز بالتأكيد على أن الكلمة الروحية التي لا تُعاش بحسب الإنجيل تفقد معناها، وأن الإيمان الذي لا يُترجم إلى محبة حقيقية يصبح مجرد شعار زائف، مضيفًا: “ففاقد الشيء لا يعطيه”.
ساندي عيد شكري: بقيت لأكثر من ثلاث سنوات تائهة بين كنائس القاهرة لمجرد أنني مغتربة ولا أملك أي عقود تمليك أو إيجار
من جانبها، روت ساندي عيد شكري، عبر صفحتها على موقع “فيسبوك”، شهادة عن واقعة مشابهة مرت بها شخصيًا، حيث قالت إن رفض بعض الكنائس في القاهرة للمؤمنين ليس أمرًا جديدًا، وإن المغتربين يعانون من هذه المشكلة منذ فترة جائحة كورونا.
وأضافت: “أتذكر أنني بقيت لأكثر من ثلاث سنوات تائهة بين كنائس القاهرة، لمجرد أنني مغتربة ولا أملك أي عقود تمليك أو إيجار”.
وتابعت: “أتذكر أيضًا، منذ بضعة أشهر، أنني ذهبت أنا وزوجي فادي إلى كنيسة الملاك في منطقة شيراتون، نظرًا لقربها من مقر عملنا هناك، ولأنها تبعد عشر دقائق فقط عن منزلنا في منطقة النزهة. كنت أسأل عن مواعيد اجتماعات الكنيسة والقداسات والكشافة وفصول إعداد الخدام، فقيل لي بالحرف الواحد: “لا يمكننا إخبارك بالمواعيد إلا بعد ملء استمارة عضوية مع الأب الكاهن فلان”.
وأضافت: “ذهبنا إلى الأب الكاهن، وكان رده أنه يجب أن يكون عنوان السكن في بطاقة الهوية تابعًا لمنطقة شيراتون، وأن يقوم هو بزيارتنا في منزلنا هناك أولًا، وبعد ذلك يبلغنا بالمواعيد. فتساءلت: وماذا لو كانت المسافة بيننا عشر دقائق فقط؟”.
وتقول إن الرد كان بالرفض، وأنه لا يمكن لهما المشاركة في أي اجتماعات، وأن أقصى ما يُسمح به هو الحضور العادي للقداسات.
وتابعت: “أما الاجتماعات، وإعداد الخدام، والكشافة -وهي الأنشطة التي تبني انتماءنا للكنيسة في الأساس- فهي ممنوعة!”.
وأشارت إلى أن المبرر كان أن هذا قرار من قداسة البابا، ويهدف إلى تنظيم الأمور بسبب تزايد الأعداد، مضيفة: “بمعنى آخر، أرفض أي شخص من خارج النطاق الجغرافي، حتى وإن كان في أمسّ الحاجة إلى الانتماء إلى كنيسة!”.
وأضافت أن الكاهن أكمل حديثه قائلًا إنهم عندما يقومون بعمل استثناءات، يتفاقم الأمر، لدرجة أن شخصًا جاءه مرة من منطقة الوراق، متسائلًا: “كيف أقبل شخصًا كهذا في الكنيسة؟ ومن أين لي بالوقت لأقوم بافتقاده؟”.
وتتساءل ساندي: “هل يُعقل أن رجلًا يأتي من الوراق، متكبدًا عناء الطريق أسبوعيًا من مرتين إلى ثلاث مرات، ويستغرق في كل مرة من ساعة إلى ساعة ونصف ذهابًا وإيابًا، وهو راضٍ بذلك تمامًا، ثم تقوم أنت، ككاهن وراعٍ للكنيسة، برفضه؟!”.
وتضيف: “إذا كان مبررك، ككاهن، في اتخاذ هذا الإجراء هو منع التكدس والازدحام في الكنيسة، فاترك لي حرية الاختيار؛ أن آتي فلا أشعر بالراحة، وأقرر بنفسي البحث عن مكان آخر، بدلًا من أن تقول لي صراحة: “ليس لك مكان هنا”.
وفي النهاية…
فإن التعليم الروحي الحقيقي لا يُقاس بمدى بلاغته أو بروعة مفرداته، بل بقدرته على أن يتحول إلى فعل حقيقي وإنجيل مُعاش يمتد لإعانة المؤمنين.
فالتغيير إلى الأفضل لن يبدأ بالعظات الروحية التي ينادي بها رجال الإكليروس على منابرهم الإعلامية، وإنما يبدأ بالتطبيق العملي لفحوى تلك العظات على أرض الواقع، عبر فتح أبواب كنائسنا للجميع دون تمييز: للخطاة، وللغرباء، وللضعفاء، وللفقراء، وللمنبوذين، ولصناع المحتوى والمؤثرين، وللمرضى والمهمشين، وغيرهم.
فالكلمة الروحية التي لا تُعاش بحسب الإنجيل تفقد معناها، وقد علمنا الكتاب المقدس أن “الإيمان بدون أعمال ميت”، وأن الإيمان الذي لا يُترجم إلى محبة حقيقية يصبح مجرد شعار زائف.
ففاقد الشيء لا يعطيه.