لماذا قال المسيح: “لا تلمسيني”؟

0

د. ق. عزت شاكر

عندما ظهر المسيح لمريم المجدلية بعد القيامة قال لها: “لا تلمسيني لأني لم أصعد بعد إلى أبي. ولكن اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم: إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم” (يو20: 17).

هذه الكلمات تطرح العديد من الأسئلة:

لماذا رفض أن تلمسه؟ وهل كان جسده ممنوعًا من اللمس؟

أولًا: جسد المسيح لم يكن ممنوعًا من اللمس:

نعم، لم يكن جسده ممنوعًا بدليل أنه قال للتلاميذ بعد القيامة: “جسّوني وانظروا، فإن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي” (لو24: 40). إنه لم يدعوهم لأن يلمسوه فقط، بل أن “يجسّوه”، وبعد أسبوع من قيامته قال لتوما: “هات إصبعك إلى هنا وأبصر يديَّ. وهات يدك وضعها في جنبي، ولا تكن غير مؤمن بل مؤمنًا” (يو20: 27).

وعندما ندرس قصة القيامة سنجد أن المجدلية لمسته لأنه كما ذكرت لم يكن ممنوعًا من اللمس، فيقول: “وفيما هما منطلقتان لتخبرا تلاميذه إذ يسوع لاقاهما وقال: ”سلام لكما“. فتقدمتا وأمسكتا بقدميه وسجدتا له” (مت28: 9). والكلام هنا عن مريم المجدلية ومريم الأخرى.

إذن السؤال الذي يطرح نفسه هو:

لماذا قال لمريم المجدلية هنا: “لا تلمسيني”؟

إن عبارة “لا تلمسيني” في اللغة اليونانية “مي مو هبتو”، وهي تتكون من كلمة “مي” بمعنى “لا”، وكلمة “هبتو” وهي فعل أمر للمضارع المُصرَّف مع الشخص الثاني (المخاطب) المفرد “أنت” ومعناها “تمسك، تتشبث، تلمس” وهي من الفعل “هبتوماي” بمعنى “أمسك، أتشبث، ألمس” بالإضافة إلى كلمة “مو” وهي ضمير شخصي للشخص الأول (المتكلم) المفرد (أنا) في حالة المضاف إليه. فتكون الترجمة الأدق لهذه العبارة في هذه الآية هي “لا تتشبثي بي، لا تمسكيني”، وكأنها تريد الإمساك به خوفًا من أن تفقده مرة أخرى، وهذا المعنى نجده في معظم ترجمات الكتاب المقدس العربية والإنجليزية.

وبالرغم من أن ترجمة (KJV) ترجمته (Touch Me not) إلا أنها قامت بتنقيحه في ترجمتها (NKJV) وأصبح: (Do not Cling to Me) “لا تتشبثي بي”. فلنلقي نظرة على الترجمات المختلفة:

وقد وردت في الترجمات العربية المختلفة كالآتي:

(ت ب س) (ت ي) (ت ع م) فقال لها يسوع: لا تمسكيني…

(ك ح) فقال لها: لا تمسكي بي! فإني لم أصعد بعد إلى الآب.

وستجد نفس المعنى في كل التراجم الإنجليزية الآتية:

(NIV, RSV, NRSV, ISV, ICB, GNT, EXB, NOG, NCV, NLV, TPT, WEB, WE, OJB, GW, NIRV, CEV, CEB, AMP).

Jesus told her, “Don’t hold on me,

فقال لها يسوع: لا تمسكيني

(NKJV, NLT, NTE, AMPC, CSB, ESV, HCSB, MSG)

Jesus said to her, “Do not cling to me.”

فقال لها يسوع: لا تتشبثي بي.

(MEV, NABRE, CJB) Jesus said to her, “Stop holding on to me,

فقال لها يسوع: توقفي عن التمسك بي.

(NASB, TLV) Jesus said to her, “Stop clinging to Me,

فقال لها يسوع: لا تستمري في التشبث بي.

(EHB, DLNT) Jesus told her, “Do not continue to cling to me,

فقال لها يسوع: لا تستمري في التشبث بي.

إن الرب يسوع لم يرغب أن تحاول مريم المجدلية التشبث به لسببين رئيسيين هما:

1- كان يريدها أن تذهب بسرعة لتخبر التلاميذ:

تخيل أن هناك شخصًا له صديق حميم أو أخ أو ابن، وأصيب في حادث كبير، أو سقطت عليه عمارة، والكل توقع وفاته، وبعد يومين أو ثلاثة أخرجوه من تحت الأنقاض، فماذا يفعل معه؟ بلا شك يريد أن يسأله عما حدث بالضبط، وأين كان، وكيف قضى اليومين الماضيين… الخ. وهكذا كانت المجدلية تريد أن تحكي معه عن كل ما حدث له بكل التفاصيل، وكذلك كانت تريد أن تحكي له عن مشاعرها ومشاعر العائلة والتلاميذ وما حدث لهم. في نفس الوقت كان التلاميذ في رعب شديد وإحباط ويأس، لذلك أراد المسيح أن يحثها على عدم الاستطراد في الحديث، فالأهم أن تتحرك بسرعة لتخبر التلاميذ المذعورين بأنه قام من بين الأموات لذلك أراد أن يقول لها: “لا تصرفي الوقت في حكاوي لا فائدة منها، الأهم اذهبي بسرعة وأخبري التلاميذ بخبر القيامة”.

2- أراد أن يدربها على أسلوب جديد في العلاقة معه:

كما ذكرتُ من قبل، تخيل أن صديقًا لك تحت الأنقاض، والكل يظن أنه مات، وأنت تقف منتظر الجثة، وإذ بفرقة الإنقاذ تُخرِجه حيًا بعد ثلاثة أيام، فماذا تفعل معه؟ لا شك أنك ستعبِّر عن فرحتك ومحبتك ولهفتك وسعادتك، ونحن كشعب شرقي نجيد ونحب التعبير عن المشاعر لأننا شعب عاطفي بطبيعتنا، وهنا أراد المسيح أن يقول لها إن وقت العلاقة الجسدية قد ولى وانتهى، وأن علاقته بهم من الآن ستتغير وستأخذ طابعًا جديدًا، فبدلًا من أن تعتمد على الحواس من نظر ولمس وسمع ستتحول إلى علاقة روحية (يو14: 18، 19، 20؛ 16: 20-28)، والتي ستكون صلة الأجيال والعصور وإلى نهاية التاريخ، إذ ستتحول علاقة العيان إلى علاقة إيمان، من اللمس إلى الإيقان بأمور لا تُرى، أو كما يقول الرسول بولس: “وإن كنا قد عرفنا المسيح حسب الجسد، لكن الآن لا نعرفه بعد” (2كو5: 16).

وربما عندما أدركت أنه قام من الموت ظنت أنه يمكن أن يصعد سريعًا فكانت تحاول منعه من الاختفاء بعد القيامة فأمرها أن تتقبل فكرة صعوده إلى السماء، وأن تذهب وتنقل خبر القيامة لتلاميذه.

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا