لغة المشاعر

4

هايدي حنا

مشاعر  الخذلان

إن المشاعر التي سوف أشارككم بها هذه المرة هي من أصعب المشاعر التي من الممكن أن نتكلم عنها؛ إنها مشاعر ألم عميقة جدًا عندما يمر بها إنسان لا يجد كلمات بها يصف ما يمر به من مشاعر، وكثيرًا ما تكون لغته في التعبير عنها هي الدموع وليس الصراخ ولا الصوت العالي؛ فقط دموع صامتة. هذه المشاعر تتكون بداخلنا بسبب خيانة أقرب الناس إلينا؛ شخصيات من المفروض أن تكون سبب إحساسنا بالأمان لا كسرتنا ووجعنا؛ إنها مشاعر الخذلان.

الخذلان ليس… لكنه …:

1) الخذلان ليس مرارة: فالمرارة هي مشاعر حقد تنمو بداخلنا تجاه الشخص الذي جرحنا أو من شخص نشعر بالغيرة منه لأنه أفضل بالرغم أنه لم يجرحنا ولا يُشترط أن تكون هناك علاقة عميقة معه… لكنه مشاعر  وجع من شخص تربطنا به علاقة عميقة، ومع مشاعر الوجع هذه تظل بداخلنا مشاعر الحب له ولا نستطيع أن نكرهه.

2) الخذلان ليس إحباطًا: فالإحباط مشاعر تنمو بداخلنا بسبب أن توقعاتنا لم تتحقق، وهي مشاعر تجاه شخص أو موقف، مثلًا تتوقع النجاح في عمل ما لكنك أخفقت وهنا تشعر بالإحباط، أو تتوقع أن هذا الشخص سيقوم بأمر ما دون أن تصارحه أنك تحتاج له فتشعر بالإحباط عندما لا يقوم به…  لكنه وجع داخلي رهيب:

  بسبب كسر الثقة من شخص سمحنا له أن يدخل حياتنا ومنحناه الأمان وهو غدر.

 لأنه جاء من شخص كنا نتوقع منه أن يكون السند والدعم وقت الألم لكن للأسف هو الذي تسبب في الألم وتركنا بمفردنا نواجهه هذا الألم.

 لأنه جاء من شخص كنا دائمًا ندافع عنه ونخاف عليه من الهواء الطائر لئلا يجرحه وفي النهاية هو نفسه الذي جرحنا وتركنا نتخبط في الهواء بمفردنا.

وهذا ما يجعل مشاعر الخذلان أشد وجعًا من أي مشاعر أخرى، وذلك لأنها تجمع بين وجع الخيانة ووجع الفقد؛ تأتي من شخص اخترناه ومنحناه ثقتنا. والجدير بالذكر أن من أصعب ما يحدث لنا ونحن نواجه هذه المشاعر القاسية أننا نشك في أنفسنا..  نعم.. نشك في أنفسنا متسائلين: هو أنا عملت إيه؟ هل أنا غلطت إني وثقت فيه…؟! هذه الأسئلة أساسها عدم تصديق أنه بعد كل هذا الحب والثقة تكون النتيجة هذا الغدر والألم!

إن الخذلان لا يكسر القلب فقط لكنه يجعلنا نُغيِّر أفكارنا وآراءنا ومفاهيمنا عن المجتمع الذي نتعامل معه. الخذلان تأثيره قوي على شخصيتنا حيث إنه يجعلنا حذرين بصورة مَرَضية بألا نثق مرة أخرى في إنسان، وذلك لأنه يجعلنا بصورة لا واعية نغلق قلوبنا ونقرر ألا نفتحها مرة أخرى لأحد، سواء كان حبيبًا أو صديقًا؛ فالخذلان مثل الشرخ الذي يُصيب كوب الزجاج مهما حاولنا معالجته يظل الشرخ موجودًا ويصعب استخدامه مرة أخرى، وهنا نقرر إما نلقيه في القمامة أو إن كان يمثل لنا ذكرى غالية نتركه كديكور دون استخدام؛ هكذا نحن عندما نختبر مشاعر الخذلان، نستمر في حياتنا.. نضحك.. نعمل.. نقوم بواجباتنا… لكن تظل ندبة الخذلان بداخلنا تعكس أنه كان هناك وجع عميق لم يُشفَ بعد، تجعلنا نغلق على أنفسنا ونشعر بالوحدة رغم وجود الناس من حولنا، حيث إن مشاعر الخذلان تُفقِدنا الثقة في الآخر فنصبح غير قادرين على أن نمنح ثقتنا لأي شخص آخر مهما كان هذا الشخص الجديد مختلفًا؛ نستطيع القول إن مشاعر الخذلان تُفقِدنا الشغف بالحياة.

كيف تتعامل مع مشاعر الخذلان كي لا تكسرك:

1) الاعتراف بالمشاعر: وهي أهم خطوة للشفاء ألا تنكر  لكن تواجهه نفسك وتقول: “أنا مجروح”.

2) التعبير عن ألمك: مع شخص موثوق فيه متخصص أو حتى بالكتابة.. فالشفاء يبدأ بخروج الوجع من داخلك وكما يقول الكتاب المقدس: «الْغَمُّ فِي قَلْبِ الرَّجُلِ يُحْنِيهِ» (أمثال 25:12).

3) وضع حدود: مع الشخص الذي خذلك خاصةً إذا كانت هذه طريقته معك وليست مجرد خطأ عابر لأنه بإصرارك على التواجد معه أنت بهذا تسمح له أن يخذلك مرة وعشرة.

4) لا تنسحب من العالم وتنعزل: فالانعزال أخطر طريقة للتعامل مع مشاعر الخذلان لأنه يزيد منها، فأنت في هذا التوقيت تحتاج أن تكون وسط دائرة القريبين منك كي يرفعوك ويسندوك ويمنحوك الأمان حتى تتمكن من الإفاقة من تلك الضربة التي أفقدتك توازنك، والجدير بالذكر أن هذه الخطوة سوف تلغي بداخلك فكرة التعميم بأنه طالما هناك شخص خذلك فهذا يعني أن الجميع هكذا، حيث إنك وجدت الذي يقدم لك التعزية والطبطبة في تلك الدائرة.

5) لا تجعل حياتك تقف عند هذه الأزمة: كن قويًا متحديًا ولا تجعل ألمك ومشاعر الخذلان تكسرك، بل قف مرة أخرى ولملم جروحك وابدأ من جديد، ولا تجعل الشخص الذي خذلك بداخل دائرة اهتماماتك بل انشغل عنه بنفسك وذلك بأن تعمل على تطوير شخصيتك ومواهبك… ضع لنفسك أهدافًا محاولًا الوصول لها.. افرح بنجاحك.. فالخطأ كل الخطأ هو أن تتوقف حياتك بسبب شخص لم يهتم بمشاعرك وخذلك.

6) احذر السقوط في مستنقع جلد الذات بأنك تفكر: “أنا عملت إيه يخليه يعمل كده.. غلطت في إيه.. قصرت في إيه…؟” اخرج من هذه الدائرة وتأكد أنك لم تكن السبب في أي شيء، فهذه شخصية خائنة من حيث المبدأ مهما فعلت لها، لأن الأمين يظل أمينًا مهما فعلت وكنت؛ والغدار يستمر في غدره مهما حاولت؛ لذا اخرج من دائرة جلد الذات لأنها مؤلمة وتجعلك مستمرًا  في دائرة مشاعر الخذلان المنهكة لصحتك النفسية والذهنية والجسدية.

7) التعلم والنضج: تعلَّم من جرحك واستمر في حياتك، فمشاعر الخذلان سببها الثقة في شخص لا يستحق هذه الثقة، وهنا عليك أن تتعلم ألا تنبهر بالمظاهر وتتسرع بتكوين علاقة عميقة وتمنح ثقتك ثم تكتشف الحقيقية؛ إن الكتاب المقدس يعلِّمنا في كثير من المواقف ألا ننبهر بالمظهر، لأنه قد يكون تحت الجمال الخارجي قبح داخلي؛ ومن أشهر تلك المواقف التي ذكرها لنا الكتاب المقدس موقف لوط والله من سدوم وعمورة وذلك في (تكوين 13: 10- 13)، حيث رأى لوط الأرض أنها “كَجَنَّةِ الرَّبِّ”.. أما الله: “كَانَ أَهْلُ سَدُومَ أَشْرَارًا وَخُطَاةً لَدَى الرَّبِّ جِدًّا”.

8)      كن “مُلَازِمًا لِلْكَلِمَةِ ٱلصَّادِقَةِ”: وهذا ليس وقت الألم فقط بل بصفة عامة التصق بكلمة الله، فقربك من الله وطاعتك لكلمته تمنحك الحكمة على التمييز بين الخير والشر كما يقول الكتاب: “صَارَتْ لَهُمُ الْحَوَاسُّ مُدَرَّبَةً عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ” (عبرانيين 14:5).

أخيرًا… قد تؤلمنا مشاعر الخذلان بل وتكسر بداخلنا شيء… لكنها ليست النهاية، بل علينا أن نتعلم منها؛ نتعلم متى نمنح الثقة، كيف تكون ثقتنا الأكيدة في إلهنا. لتكن مشاعر الخذلان بابًا لنضج أعمق في شخصيتنا وقراراتنا، وليس نهاية قصتك.. بل فصلًا جديدًا وبابًا جديدًا لبداية جديدة يملأها الأمل.

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا