القس رأفت رؤوف الجاولي
ما معنى الرحمة؟
الرحمة، من جانب الله، هي أن لا يعامل الإنسان بما يستحقه، أما من جهة الإنسان تجاه أخيه الإنسان، فهي إظهار المشاعر الطيبة والشفقة في معاملة الآخر، ولا سيما في أوقات ألمه واحتياجه.
وتُعرَّف الرحمة بأنها “لطفٌ يفوق ما يُتوقع أو يُطلب من العدل”، فهي ليست مجرد عاطفة، بل موقف عملي يتجلى في عدم الميل إلى الانتقام، والبحث عن الخير للآخر حتى وإن أخطأ عن قصد.
يقول الكتاب المقدس في (لوقا6: 36): “فكونوا رحماء كما أن أباكم أيضًا رحيم”. فإذا اتسم سلوكنا بالمحبة غير الأنانية، فإن هذا السلوك وهذا الفكر يثبتان انتماءنا إلى عائلة الله.
كما جاء: “الله الذي هو غني في الرحمة” (أفسس2: 4)، نعم، فالله هو مصدر الرحمة وواهبها. ويقول المرتل: “الرَّبُّ حَنَّانٌ وَرَحِيمٌ، طَوِيلُ الرُّوحِ وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ… الرَّبُّ صَالِحٌ لِلْكُلِّ، وَمَرَاحِمُهُ عَلَى كُلِّ أَعْمَالِهِ” (مزمور145: 8-9).
ويؤكد الكتاب أيضًا: “من ثم كان ينبغي أن يشبه إخوته في كل شيء لكي يكون رحيمًا ورئيس كهنة أمينًا فيما لله حتى يكفر خطايا الشعب” (عبرانيين2: 17). فالله رحيم في عدله، وعادل في رحمته، لأن صفاته كلٌّ لا يتجزأ.
ولفهم مفهوم الرحمة بصورة أوضح، يمكن تقسيمه إلى نقطتين رئيسيتين:
أولًا: الرحمة في العهد القديم
تُستخدم في أسفار العهد القديم كلمتان أساسيتان للتعبير عن الرحمة الإلهية:
حَسَد Hesed
تشير إلى محبة عميقة وثابتة تربط بين طرفين، وهي ليست مجرد عاطفة عابرة، بل التزام أمين ومحبّة دائمة.
“لأني قلت: إن الرحمة إلى الدهر تُبنى، السماوات تثبت فيها حقك” (مزمور89: 2-3).
رَحَامِيم Rehamim
مأخوذة من كلمة “رحم” الأم، وتشير إلى العلاقة الوثيقة والحنان العميق بين الأم وطفلها.
“هل تنسى المرأة رضيعها فلا ترحم ابن بطنها؟ حتى هؤلاء ينسين، وأنا لا أنساك” (إشعياء49: 15).
إعلانات الرحمة في العهد القديم
أعلن الله لموسى أنه «إله رحيم ورؤوف، بطيء الغضب وكثير الإحسان والوفاء»، وترتبط رحمته بأمانته للعهد، إذ يحفظ الإحسان إلى أجيال كثيرة.
وتتجلى هذه الرحمة في مواضع عديدة، منها:
في سفر التكوين: نرى أن الإنسان خُلق بلمسة رحمة إلهية: «وجبل الرب الإله آدم ترابًا من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حياة، فصار آدم نفسًا حية» (تكوين2: 7).
فنسمة الحياة كانت عطية إلهية تمنح الإنسان الحرية والمسؤولية، لكنه أساء استخدام هذه الحرية، فانفصل عن الله وبحث عن هويته بعيدًا عنه.
في سفر الخروج: تظهر الرحمة الإلهية القريبة من الإنسان، إذ يقول الرب: “إني قد رأيت مذلة شعبي الذي في مصر، وسمعت صراخهم… فنزلت لأنقذهم من أيدي المصريين” (خروج3: 7-8).
وهنا تتجلى رحمة الله في استجابته لمعاناة شعبه وتحريرهم من العبودية.
ثانيًا: الرحمة في العهد الجديد
تجسد الرحمة
في أول ظهور له في مجمع الناصرة، أعلن السيد المسيح رسالته مستشهدًا بنبوة إشعياء: “روح الرب عليّ، لأنه مسحني لأبشر المساكين، أرسلني لأشفي منكسري القلوب…” (لوقا4: 18-19).
لقد كشف المسيح عن قلب الله المملوء رحمة ومحبة للبشر.
الرحمة المتجلية في الصليب والقيامة
أظهر الرب يسوع الرحمة الإلهية من خلال خدمته، إذ «كان يطوف المدن والقرى… ويشفي كل مرض وكل ضعف» (متى 9: 35).
ثم بلغ قمة إعلان الرحمة في الصليب، حيث قدّم نفسه ذبيحة عن خطايا البشر.
“لكي يكون رحيمًا ورئيس كهنة أمينًا… حتى يكفر خطايا الشعب” (عبرانيين2: 16-17).
وفي آلامه وتجربته، صار قادرًا أن يعين المجربين ويحتضن ضعفهم.
مثل السامري الصالح (لوقا10: 29-37)
عندما سأل ناموسي المسيح: “من هو قريبي؟”، قدّم له مثل السامري الصالح: إنسان تعرّض للضرب والسرقة، ومرّ عليه كثيرون دون أن يساعدوه، لكن سامريًا تحنن عليه، واعتنى بجراحه، وحمله إلى فندق وتكفّل بعلاجه.
ثم سأل المسيح: من هو القريب الحقيقي؟
فأجاب الرجل: “الذي صنع معه الرحمة”.
فقال له يسوع: “اذهب أنت أيضًا واصنع هكذا”.
ويحذر الكتاب من غياب الرحمة، إذ يقول: “وكما لم يستحسنوا أن يُبقوا الله في معرفتهم… امتلأوا من كل إثم… بلا حنو ولا رحمة” (رومية1: 28-31).
أخيرًا
إن الرحماء الحقيقيين يحملون في أعماقهم الرحمة الإلهية، فلا يقسون على من حولهم، بل يقدمون بحنان ومحبة صورة حيّة لرحمة الله، التي تجلت في أسمى صورها في شخص الرب يسوع المسيح على الصليب.
له كل الكرامة والمجد، آمين.