جاءتني باكية تبحث عن حل لمعاناتها وفشلها الدائم في أن تقيم علاقة عاطفية صحية مع الجنس الآخر، فهي تعاني من سيناريو يتكرر في كل مرة تتعرف فيها على شاب تريد الارتباط به للزواج منها، فهي تبحث عن الاستقرار العائلي وتكوين أسرة متحابة يجمعها الحياة الهانئة والمريحة.
ولكن، مع الأسف، في كل مرة تنتهي القصة بالفشل والانسحاب من أحد الطرفين، وذلك نتيجة أنها تعاني من صراعًا داخليًا عنيفًا بين رغبتها الشديدة في القرب من الطرف الآخر، وفي الآن نفسه الخوف العميق من هذه العلاقة، حيث إن مشاعرها تتأرجح بين الحب والانجذاب والتعلق العاطفي وهي (تشعر بالاحتياج الشديد لهم) وبين الذعر والنفور والرغبة في الانسحاب والهروب من هذه العلاقة. إن هذا الصراع جعلها لا تستمتع بأي علاقة تحاول أن تخوضها، حيث ينتابها الخوف من الترك والرفض وفي الآن نفسه تشعر بالتهديد في القرب من هذه العلاقة، مما يصيبها بالضيق والألم والتوتر الدائم أثناء هذه العلاقة.
وعندما تبدأ العلاقة في الفشل تصاب بالإحباط وخيبة الأمل بل واليأس من الحياة بأكملها، وهكذا تعيش في دائرة مفرغة من الإقبال والإحجام أو بين التعلق العاطفي والنفور الشديد، وبذلك فهي دائمًا في حالة من التذبذب العاطفي.
وفي الواقع فإن حالة هذه الفتاة تعبِّر عن قطاع عريض من الشباب من الجنسين، والذي يعاني من صراعات داخلية عند الاقتراب والدخول في علاقات عاطفية.
وقد ترجع هذه الصراعات إلى أسباب متعددة قد يصعب حصرها، فمنها المتعلق بالبناء النفسي للشخصية، كعدم الوعي بالذات أو عدم النضوج العاطفي، أو قد يرجع لعوامل متعلقة بالتربية التي تلقي بظلالها على الحياة النفسية والعاطفية، والتي تؤثر على رؤية الشخص الصحيحة لمفهوم العلاقات الناضجة، أو قد يرجع إلى الجهل بالمفاهيم المتعلقة بالحب والتعلق العاطفي، أو قد ترجع إلى غموض الحياة المستقبلية المتعلقة بالأوضاع المادية والاجتماعية، أو إلى أبعاد أخرى غير واضحة.
ولكي نقدم تفسيرًا وتحليلًا لهذا الصراع، لا بد من إلقاء الضوء على بعض المفاهيم الغامضة وغير الواضحة في أذهان بعض الشباب، وأهمها أن هناك فرقًا بيّنًا في إدراك معنى الحب الصحي والتعلق العاطفي المرضي، فرغم أن كلًا منهما قد يبدو متشابهًا، إلا أنه يوجد فرقًا جوهريًا بينهما. فالحب الحقيقي هو مشاعر ناضجة تقوم على مبادئ متعددة، من أهمها:
– القبول: أي قبول الشخص كما هو بما يحمل من عيوب ومميزات دون محاولة لتغييره.
– كما أن الحب يتميز بالعطاء، وذلك رغبةً في إسعاد الطرف الآخر حتى لو اقتضى الأمر بتقديم بعض التضحيات. هذا مع الحرص على إطلاق حريته في التعبير عن مشاعره وآراؤه دون محاولة للتملك أو السيطرة عليه أو تقييده، وبالتالي يُمنح مساحة يشعر فيها بأنه كائن حر الإرادة.
– والحب يدفع كل من الطرفين إلى النمو والنضج ليكونا على صورة أفضل.
– كما أنه يمتع الطرفين بالاستقرار والأمان الداخلي، ويظل ثابتًا مهما تغيرت الظروف، وذلك عكس العلاقة الاعتمادية التي فيها يشعر الشخص بأنه في حاجة مُلحة للطرف الآخر.
أما التعلق العاطفي فله خصائص مخالفة تمامًا لما سبق القول، فهو غالبًا ما يكون مشاعر غير ناضجة وغير مستقرة وله أوجه متعددة منها: الاعتمادية، حيث تعتمد على الطرف الآخر لتسديد احتياجاتك مع مطالبته بأن يعمل على إرضائك وإسعادك وراحتك، وقد تقودك هذه المشاعر إلى محاولة تملكه والسيطرة عليه.
كما أن التعلق العاطفي قد يُشعِرك بالتهديد من الفقدان أو الرفض أو الابتعاد عنك، مما يضطرك إلى محاولة تقديم تنازلات عن حقوقك المشروعة لإبقائه في حياتك.
كما تشوب هذه العلاقة الغيرة والشك، وذلك لشعورك بعدم الأمان تجاه هذه العلاقة وقد تظهر له الاهتمام الزائد وذلك لاحتياجك المفرط له، فهو يملأ فراغك الداخلي وهو نوع من الأنانية المقنعة.
وخلاصة القول إن الحب هو أنك تظل سعيدًا داخليًا سواء كنت مع الطرف الآخر أو لست معه، فأنت تشعر بالسلام الداخلي رغم عدم وجوده في حياتك.
أما التعلق العاطفي فهو الاحتياج الشديد للطرف الآخر كي نستمد منه الأمان والسلام، لذلك فسعادتك متوقفة على تصرفات وردود أفعال الآخر.
تأثير التعلق العاطفي على العلاقات:
يتصف التعلق العاطفي بالتذبذب في العلاقات أي التأرجح بين الإقبال والإحجام كما سبق القول، ففي الإقبال يشعر الشخص بالحماس الشديد حيث يعتقد أنه وجد الشخص المثالي، كما أنه على استعداد أن يشاركه تفاصيل حياته ويتعاطف معه، وهو يبذل أقصى جهد كي يحصل على رضاه، ولكن في أثناء ذلك ينتابه الشعور بالخوف الشديد من استمرارية هذه العلاقة، وذلك لعدم ثقته في محبة الآخرين، فهو دائم الشك في إخلاص واقتراب الآخرين له مما يدفعه إلى السلوك الهجومي وافتعال المشاكل، وقد يلجأ إلى الإساءات اللفظية وذلك ليجد ذريعة لنفسه في الهروب والانسحاب. وهكذا تتصف العلاقة بالتوتر والانفصال on/off وقد ترجع عدم ثقته في محبة الآخرين لتقديره المنخفض لذاته، فهو يرى نفسه غير جدير بالحب أو الاستحقاق، وهكذا يعيش في دائرة مفرغة من التعلق والنفور العاطفي.
الأسباب النفسية للتعلق العاطفي المرضي:
هناك عدة أسباب تؤدي إلى وجود حالة التعلق العاطفي المرضي من أهمها:
نوعية التربية التي تلقاها الشخص في طفولته والتي تتصف بالتذبذب العاطفي أي التأرجح بين الاهتمام والإهمال أو الرفض والقبول أو التسلط والتسيب، وذلك كأن يكون أحد الوالدين هو نفسه مصدر للحب والخوف معًا، كالأب الغائب عاطفيًا رغم وجوده في الحياة، أو الأم التي تحمل مشاعر متناقضة من الحنان والقسوة مما يؤدي إلى زرع فكرة الحب المرتبط بالألم. أو قد يرجع السبب إلى الإساءات العاطفية المتكررة، سواء الجسدية أو الجنسية، والتي تعمل على وجود روابط عصبية في المخ بين العلاقات الحميمية والتهديد والخطر.
علاج التعلق العاطفي المرضي:
قد يحتاج العلاج إلى فترة زمنية طويلة لإعادة بناء الكيان النفسي للشخص الواقع تحت تأثير التعلق المرضي، فهو في حاجة إلى تعلم نمط جديد من الأداء فيه ينظم مشاعره المتذبذبة بدلًا من الهروب منها، لذلك فهو في حاجة إلى مواجهة ذاته والوعي بها وفحص خبراته الحياتية وتأثيرها على دوافعه وأفكاره واتجاهاته وبالتالي سلوكه غير السوي تجاه علاقاته، وقد يقتضي ذلك الخضوع للعلاج السلوكي المعرفي CBT حتى يمكنه تغيير أفكاره السلبية إلى أفكار إيجابية بناءة تعمل على توجيه سلوكه إلى السوية. كما أنه في حاجة إلى إقامة علاقات صحية مع أشخاص لديهم نمط تعلق آمن أو صحي يؤثر على شفائه تدريجيًا ويعمل على بناء ثقته بنفسه، وذلك على مدار خطوات صغيرة لتعزيز التقدير الذاتي.
وأخيرًا والأهم هو بناء علاقة حية مع مصدر الحياة شخص الرب يسوع، وذلك ليعرف معنى الحب الحقيقي غير المشروط أو المحدود حتى يمتلئ مخزونه الوجداني بالحب النقي الذي يعمل على إشباع النفس وارتوائها وبالتالي يفيض به على الآخرين ويعيش قول الكتاب “المُروي يُروى”.