بكاء للوطن…!!

11

عـادل عطيـة

   في عام 1846 ميلادية، سافر إبراهيم باشا، ابن محمد علي، إلى أوروبا، لإجراء جراحة لإزالة ورم في الرئة، ثم قام بعدها بزيارة قصيرة إلى فرنسا. وهناك بكى وهو يرى هذه البلاد تنعم بالرخاء، بينما مصر تعاني من البؤس، رغم أن أرضها أكثر خصوبةً، وقال لرفيقه نوبار باشا، مفصحًا عما يدور بخلده من طموحات عندما يتولى حكم مصر بعد أبيه: “سوف أغيِّر كل هذا إذا أمدَّ الله في عمري…”!

   وكانت فكرة “مصر البائسة”، تحت يدي والده القاسية، تطارده في خلال رحلته إلى مدينة “بيزا” الإيطالية. وبينما كانت المفارقات بين الأرضين لا تزال تعذبه، وقف فجأة، ثم ضرب بكفيه على مقبض مقعده، وصاح قائلًا: “لا لن أموت!، لقد خلقني الله لخير مصر، ولأجعلها غنية ومزدهرة وسعيدة”.

   فاضت عيناي بالدموع، احترامًا وتقديرًا وامتنانًا لتلك الدموع الإنسانية الوطنية الصادقة المخلصة، والآتية عبر التاريخ.. وتساءلتُ: كم واحد منا لديه مثل هذه الدموع المقدسة لكي يذرفها على وطنه ومن أجله؟َ! كما فعل يسوع السماوي على مدينة أورشليم، عندما رفع عينيه إلى الأفق البعيد، ورأى المستقبل المظلم الذي سترثه زمنًا طويلًا؟!

   وكما فعل إبراهيم باشا –رغم جذوره غير المصرية – عندما رأى التباين الشديد بين جمال الريف الفرنسي وبؤس الريف المصري؟!

  وكما بكى الجواهري، الشاعر العراقي على وطنه، بسبب حبه الشديد له، ومعاناته من الظلم والفساد؟!

   مَنْ الذي لديه الآن الاستعداد القلبي، من كل ذي منصب، أن يذرف دموع الحزن والألم لما آلت إليه مصرنا من تراجع حضاري على كافة الأصعدة، وأن يبدأ بالتغيير بدموع الأتقياء، والحب، والخدمة، والبذل، فتخضر أرضها، وينهض اقتصادها، ويعود الحب والتسامح إلى ربوعها من جديد…؟!

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا