بقلم الدكتور القس چورﭺ شاكر نائب رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر
تسطر ريشة الوحي المقدس في مستهل سفر التكوين والذي يحكي عن قصة الخليقة أن الله “فرغ في اليوم السابع من عمله الذي عمل. فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل. وبارك الله اليوم السابع وقدسه، لأنه فيه استراح من جميع عمله الذي عمل الله خالقًا” (تك 2: 2، 3).
والسؤال الذي يفرض نفسه: هل الله يتعب حتى يحتاج إلى راحة؟ الحقيقة أن الكتاب المقدس يعلِّمنا بعض الحقائق عن هذا الأمر وهي:
الله روح، وقدير، وغير محدود، ومنزه عن التعب، فليس له جسد قابل للضعف والتعب والإعياء، كما أن الله لم يتعب في عملية الخلق حتى يكون في احتياج لراحة.
كيف لا؟! ومكتوب في (مز 33: 6) “بكلمة الرب صنعت السماوات، وبنسمة فيه كل جنودها”.
وفي (مز 33: 9) يقول المرنم: “لأنه قال فكان، هو أمر فصار”.
ويسطر (إشعياء 40: 28-29): “أما عرفت أم لم تسمع؟ إله الدهر الرب خالق أطراف الأرض لا يكل ولا يعيا. ليس عن فهمه فحص. يعطي المعيي قدرة، ولعديم القوة يكثر شدة”.
وفي (عب 11: 3) مكتوب: “بالإيمان نفهم أن العوالم أتقنت بكلمة الله”.
الكتاب المقدس يستخدم المصطلحات التي يفهمها الإنسان، فهو رسالة الله للبشرية… ويبقى السؤال: كيف يتعامل الله مع الإنسان بغير لغة الإنسان؟
الدارس المدقق لكلمة الله يجد نصوصًا كثيرة تسطرها ريشة الوحي المقدس يتحدث الله فيها عن ذاته بتشبيهات مألوفة لدى الإنسان مثل: كرسي الله، يد الله، فم الرب، عين الله، حزن الله، ندم الله.
نعم! إنه من فضل نعمة الله علينا أنه يتكلم معنا بلغتنا التي نفهمها، فعلى سبيل المثال لا الحصر نجد مكتوبًا في (أع 7: 49-50): “السماء كرسي لي، والأرض موطئ لقدمي، أي بيت تبنون لي؟ يقول الرب، وأي هو مكان راحتي؟ أليست يدي صنعت هذه الأشياء كلها؟”
نعم! إنها تعبيرات بشرية لتبسيط الحق الإلهي. “كرسي الله” بالطبع لا يعني أن الله يجلس على كرسي، فهذا تعبير عن سيادة الله وسلطانه. فهل الله محدود لدرجة أنه يجلس على كرسي؟ وأين هذا الكرسي؟ ألم يقل في (إر 23: 24): “أما أملأ أنا السماوات والأرض، يقول الرب؟”
وسليمان يقول في (1 مل 8: 27): “هوذا السماوات وسماء السماوات لا تسعك”.
والسؤال الذي يفرض نفسه: ما معنى أن الله “استراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل. وبارك الله اليوم السابع وقدسه” (تك 2: 3)؟
في يقيني أن هذه الكلمات تحمل المعاني الآتية:
أولًا: إن كلمة “استراح” تأتي في اللغة العبرية بمعنى “أكمل العمل” أو “أتم العمل” أو “أنهى العمل”، في اليوم السابع فاستراح.
هل نتعلم من فكرة “اليوم السابع” أن العمل الذي يكلفنا به الرب يجب أن نعمله ونتممه على أكمل وجه؟ لعل هذا يذكِّرني بما جاء في صلاة الرب يسوع المدونة في (يوحنا 17: 4) إذ يقول: “العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته.” وعلى الصليب بعد أن أكمل العمل الفدائي وتمم القصد الإلهي والسعي الأزلي صاح قائلًا: “قد أكمل” (يو 19: 30).
وكاتب العبرانيين يقول: “وإله السلام الذي أقام من الأموات راعي الخراف العظيم، ربنا يسوع، بدم العهد الأبدي، ليكملكم في كل عمل صالح لتصنعوا مشيئته” (عب 13: 20-21).
نعم! يجب أن نفعل نحن أيضًا، كما فعل الرسول بولس في مستهل حياته مع الله عندما صلى قائلًا: “يا رب، ماذا تريد أن أفعل؟” (أع 9: 6). وعبر رحلة حياته كان شعاره: “ولكنني لستُ أحتسب لشيء، ولا نفسي ثمينة عندي، حتى أتمم بفرح سعيي والخدمة التي أخذتها من الرب يسوع، لأشهد ببشارة نعمة الله” (أع 20: 24)، فاستطاع في ختام مشواره أن يهتف قائلًا: “قد جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي، حفظت الإيمان، وأخيرًا قد وضع لي إكليل البر” (2 تي 4: 7).
ثانيًا: كلمة “استراح” تأتي بمعنى “توقف عن العمل” أو “كف عن العمل”. وهذا المعنى نراه بوضوح في وصية حفظ السبت، فنقرأ في (خروج 20: 9-10):
“ستة أيام تعمل وتصنع جميع عملك، وأما اليوم السابع ففيه سبت للرب إلهك. لا تصنع عملًا ما أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك وبهيمتك ونزيلك الذي داخل أبوابك”.
وأكثر من هذا نقرأ (خر 35: 2): “ستة أيام يعمل عمل، وأما اليوم السابع ففيه يكون لكم سبت عطلة مقدس للرب، كل من يعمل فيه عملًا يقتل”.
ففي اليوم السابع توقف عن العمل، والمتأمل بدقة في كلمات الوحي التي جاءت في (تك 2: 3) يرى أن الله توقف عن العمل كخالق فقط لأنه أتم العمل، لكنه لم يتوقف عن أعمال العناية والرعاية، لذلك يقول المرنم عن الله في (مز 121: 3-4): “لا ينعس حافظك، إنه لا ينعس ولا ينام”.
ولعل من هذا نتعلم كيف نقدس يوم الرب، نعبده ونكرمه فيه.
ولعل المتأمل المدقق في الكتاب المقدس يجد أن الله عندما خلق العالم وكل ما فيه احتفظ لنفسه بيوم وشجرة.
“احتفظ بيوم” وكأنه يريد أن يجعلنا ندرك أنه صاحب العمر كله، وأنه رب التاريخ والزمن بأكمله. لقد احتفظ لنفسه بيوم وأفرزه لعبادته، وأوصى في الوصايا العشر قائلًا:
“ستة أيام تعمل وتصنع جميع عملك، وأما اليوم السابع ففيه سبت للرب إلهك، لا تصنع عملًا ما أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك وبهيمتك ونزيلك الذي داخل أبوابك، لأن في ستة أيام صنع الرب السماء والأرض والبحر وكل ما فيها، واستراح في اليوم السابع، لذلك بارك الرب يوم السبت وقدسه” (خر 20: 9-11).
وتحول سبت العهد القديم إلى الأحد في العهد الجديد، لأنه اليوم الذي قهر فيه الرب يسوع الموت، وقام ظافرًا منتصرًا، وأعطانا حياة القيامة، وهو اليوم الذي فيه إعلان عن كمال وكفاية عمل الرب يسوع المسيح على الصليب لفدائنا وخلاصنا وغفران خطايانا.
واحتفظ لنفسه “بشجرة” وكأنه يريد أن يعلِّمنا أنه المالك لكل شيء، ويطلب منا إكرامه ويوصينا أن نعشِّر له كل ما نقتنيه، وأن نعطي له بسرور وسخاء، ونعيش بفكر الوكيل على ما بين أيدينا، فهو المالك لكل شيء، وعلينا طاعته وإكرامه.
ثالثًا: الله يهتم براحتنا
تأتي كلمة “استراح” بالمعنى الذي يؤكد أن الله يهتم براحتنا.
نعم! الله لا يحتاج إلى راحة، ولكن لكي يثبت أنه خلق الإنسان على صورته كما هو مكتوب “فخلق الله الإنسان على صورته” (تك 1: 27)، أثبت أن لله صفات هي من لوازم الإنسان التي لا يستغني عنها (الراحة)، وفي نفس الوقت ليست من لوازم الله، فالله لا يدركه التعب والكلل.
وفي العهد الجديد نجد عدسة الوحي المقدس ترصد صورة للرب يسوع وهو يدعو التلاميذ قائلًا: “تعالوا أنتم منفردين إلى موضع خلاء واستريحوا قليلًا” (مر 6: 31).
والدارس المدقق لكلمة الله يجد أن الله كان يهتم براحة شعبه في القديم، فنرى مثلًا في الحرب التي قامت على مملكة يهوشافاط كيف أن الله تدخل وأعطى لشعبه انتصارًا بصورة معجزية باهرة، وتسطر ريشة الوحي المقدس في (2أخ 20: 30): “واستراحت مملكة يهوشافاط، وأراحه إلهه من كل جهة”.
وفي عهدنا الجديد نسمع صوت الرب يسوع وسط آلام الزمان ومتاعب ومصاعب الحياة ينادي علينا قائلًا: “تعالوا إليَّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال، وأنا أريحكم” (مت 11: 28).
رابعًا: راحة الإنجاز
المعنى الرابع لكلمة “استراح” هو راحة الإنجاز، فنقرأ في (خروج 31: 17): “لأنه في ستة أيام صنع الرب السماء والأرض، وفي اليوم السابع استراح وتنفس”.
وفي ترجمة أخرى “تنفس الصعداء”، وتترجم أيضًا “في اليوم السابع استراح واستمتع”.
أليس هذا المعنى هو ما نردده عندما نقوم بإنجاز عمل شاق ونحقق نتائج مبهرة كبيرة؟ نقول: أنا مستريح لما حققتُ وبما أنجزتُ، ونقول بالعامية: “بدأت أشم نفسي… أو بدأت آخذ نفسي”.
إنها راحة الإنجاز، وليست راحة النوم، بمعنى أن الله لا يتعب ولا يحتاج إلى راحة، وإنما استراح عندما أتم كل أعماله وإذ هي حسنة جدًا.
وأيضًا تأتي كلمة “استراح” بمعنى السرور والفرح بما خلق، لأنه رأى أن كل شيء جميل وحسن، كما يسطر الوحي قائلًا: “ورأى الله كل ما عمله فإذا هو حسن جدًا” (تك 1: 31)، فاستراح.