الهوية الشخصية وهدفها من الوجود

12

د. فيولا موريس

تُعتبر الهوية الشخصية جزءًا من نشأة الإنسان، وهي تعني مجموعة من السمات والمميزات الخاصة التي يمتلكها الشخص، وتساهم في تفرده، وهي الصورة التي تعكس ثقافة ولغة وحضارة تاريخ الشخص.

والهوية في نظر علماء النفس ديناميكية، بمعنى أنها متغيرة بحسب المراحل العمرية، كما أنها مكتسبة من التجارب والعلاقات وتقاس بالأداء الفردي وتحقيق الإنجازات.

لقد اختلف الفلاسفة والشراح في تعريف هذا المفهوم، وذلك بحسب المنظور الذي يتناوله كل منهم.

فالفيلسوف ديكارت اعتبر أن الهوية الشخصية تتركز في الفكر، فالفكر الإنساني هو الذي يميز الإنسان عن باقي الخلائق الأخرى. لذلك فأساس هوية الإنسان يكمن في الفكر، ولذا فقد ربط ديكارت الفكر بالوجود الإنساني.

أما الفيلسوف جون لوك فقد اعتبر أن أساس الهوية يكمن في التجربة الحسية، فالفكر لا ينفصل عن الإحساس، فالعقل صفحة بيضاء تتكون عن طريق الإدراك الحسي والشعور.

هذا بينما يرى الفيلسوف شوبنهاور أن الهوية أساسها الإرادة الحرة التي يتمتع بها الإنسان.

أما علماء النفس فقد اعتبروا أن الهوية تعني إدراك الفرد لذاته ككائن متفرد ومستمر عبر الزمان، كما تعني الإحساس بالقيمة والوعي بدوره الاجتماعي ليحقق معنى في الحياة وهدفه منها، وهي تشمل:

– السمات الشخصية مثل: الذكاء والطباع والسلوك.

– الأدوار الاجتماعية مثل: أب – ابن – طالب – زوج.

– القيم والمعتقدات التي يتبناها الشخص.

– الانتماء سواء الديني أو الجنسي أو العرقي أو الثقافي.

وتتشكل الهوية طبقًا لعوامل متعددة، من أهمها:

الأسرة والمجتمع – الثقافة والإعلام – التجارب الشخصية وأزمات الحياة والتحولات المجتمعية الكبرى.

والهوية تعني أيضًا جوهر رؤية الشخص لنفسه وفهمه لذاته وعلاقته بالعالم الخارجي والتعامل مع التحديات وتحقيق ذاته وغايته في الحياة.

أما العالم النفسي أريكسون فقد تناول مفهوم الهوية الشخصية بشكل تفصيلي، فاعتبر أن ملامح الهوية النفسية تتغير مع التجارب والخبرات، كما أن تتعرض الهوية قد لأزمات كبرى، ومن أهمها: أزمة الهوية في المراهقة، فهي فترة البحث عن الذات، حيث يعيش المراهق صراعًا عنيفًا مع ذاته. وتقاس هوية المراهق بمقدار تكيفه مع المجتمع، بمعنى قدرته على مواجهة المشاكل وحلها وليس على ما يخلو من المشاكل. وفي هذه المرحلة، يبحث المراهق عن إجابة للأسئلة التي تعتريه، ومن أهمها:

عاوز ايه؟ – أنا مين ؟ – ما هو الهدف من الحياة؟

إن أزمة الهوية قد تؤدي بالمراهق إلى فقدان لقيمته الاجتماعية وإحساسه بالضياع والعجز والحرمان من القيام بدور له معنى في الحياة، كما تُشعِره بالاغتراب عن المجتمع، وقد تعطل تفاعله الاجتماعي والقدرة على اتخاذ القرار السليم.

ولكن رغم ما تعانيه الإنسانية من أزمة البحث عن الهوية، نجد رؤية أخرى تعطي رجاءً للبشرية وتمنح معنى أعمق للحياة وهي الرؤية التي سبق وأعدها الله للإنسانية بها يحقق الإنسان ذاته ويتمم مشيئته ومقاصد الله، وبها أيضًا يحيا الهدف من وجوده ويعيش دعوة الله في حياة فضلى ولها معنى أسمى وأبدي.

هذه الدعوة مبنية على معرفة الله وإقامة علاقة حميمة معه في شخص المسيح وعلى أساس المفاهيم المتعلقة بأن الإنسان على صورة الله وله كرامة وقيمة وأنه محبوب لأنه ابن له مشابه لصورته، فهو شريك الطبيعة الإلهية “الذين بهما وهب لنا المواعيد العظمى والثمينة لكي تصيروا شركاء الطبيعة الإلهية” (2 بط 1: 4).

والهدف من الحياة هو تحقيق دعوة الله له إذ أن لكل شخص خطة فريدة ومميزة من قبله، وعلى الإنسان أن يتمم هذه الخطة على حياته وبالتالي يصبح للحياة معنى وهدف كما سبق القول.

إن من سمات الهوية التي في المسيح أنها عبر كل الأزمنة لا تتغير بتغير الظروف، وهي تمنح سلامًا داخليًا وقبولًا حتى في ظل الألم والضغط النفسي، كما تمنح ثباتًا داخليًا راسخًا في شخص المسيح، فهي لا تُبنى على أساس نجاح الشخص أو الآراء والإنجاز.

مثال: شخص مرفوض اجتماعيًا واجه أزمة في هويته ولكن إذا كانت هويته راسخة في المسيح فسيجد الأمان والقيمة والحب في شخصه.

إن هويتنا مبنية على أننا خليقة الله وأبناء له ومقبولين وليس على استحقاقنا “ليس من أعمال كيلا يفتخر أحد” (أف 2: 9).

وهي لا ترتكز على الانتماء الأرضي بل إلى ملكوت سماوي يعيش لهدف أسمى وعلى كوننا مختارين ومفديين “وأنتم جنس مختار وكهنوت ملوكي أمة مقدسة شعب اقتناء” (1 بط 2: 9).

إن الهدف الأسمى في الحياة هو أن نمجد الله وأن نخدم الآخرين فنكون نور للعالم وملح للأرض، وهكذا نعيش حياة لها معنى وأعمق، وبالتالي نستمتع بهويتنا الأصلية التي كانت في فكر الله منذ الأزل.

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا