العلم بتاريخه وليس بنظرياته

0

د. مراد وهبة

الرأي الشائع على الضد من عنوان هذا المقال، وهو ما اعتدنا سماعه في مراحل التعليم المتباينة، الأمر الذي ترتب عليه تلقين الطلاب النظريات العلمية بعد عزلها من تاريخ نشأتها ومن مسارها، فتبدو لهم وكأنها حقائق مطلقة.

والسؤال إذن: هل هذه النظريات هي على النحو الذي ارتآه ذلك الرأي الشائع؟ وإذا لم يكن ذلك كذلك، فهل معنى ذلك أن ثمة نحوًا آخر؟ جاء الجواب بالإيجاب من قِبل العالِم والفيلسوف الإيرلندي جون برنال في كتابه المعنون: العلم في التاريخ، وهو كتاب له قصة جديرة بأن تُروى؛ بدايتها في عام 1948، وهو العام الذي ألقى فيه محاضرة في إحدى كليات جامعة أكسفورد، وكان عنوانها: العلم في التاريخ الاجتماعي، ثم تحولت إلى كتاب أصدره في عام 1954، ولاقى إقبالًا جماهيريًا، فأصدر طبعة ثانية في عام 1957 وطبعة ثالثة في عام 1965، أما الطبعة الرابعة فقد صدرت في بريطانيا في أربعة أجزاء في عام 1969، وكذلك في أمريكا في عام 1971.

إلا أن اللافت للانتباه أن كتابه في طبعته الثانية قد تُرجم إلى اللغة الروسية في عام 1956، وهو العام ذاته الذي كان يُلقي فيه سلسلة محاضرات في معهد الكيمياء البيولوجية بموسكو تحت عنوان: أصل الحياة. وفي نوفمبر من العام التالي دعته أكاديمية العلوم بموسكو لإجراء حوار حول كتابه في حضور أربعمائة من كبار العلماء. وكان هذا الحوار، في رأيه، لحظة تاريخية، إذ لم يحدث من قبل أن ينعقد مؤتمر لمناقشة كتاب لمؤلف على قيد الحياة.

وفي افتتاح ذلك المؤتمر قال برنال: إن هذا المؤتمر لم ينعقد بسبب كتابي، ولكن بسبب القضية التي يتناولها ذلك الكتاب، وهي العلاقة بين تطور العلم والتطور العام للحياة الإنسانية، مع التنبؤ بمستقبل هذه العلاقة. والجدير بالتنويه هنا أن برنال في هذا السياق يثير إشكالية كامنة في حياة كبار العلماء، وهي أنهم أبناء زمانهم على الرغم من إبداعاتهم؛ بمعنى أنهم تراثيون وثوار في آن واحد. ويدلل على صحة هذه الإشكالية بعالِمين: كوبرنيكس وليناوس. الأول عالِم فلكي بولندي أصدر كتابًا تحت عنوان «عن حركات الأفلاك» في عام 1543، أعلن فيه نظريته عن دوران الأرض حول الشمس بديلًا عن نظرية بطليموس التي استمرت مئات السنين من غير نقد، والتي كانت قد أعلنت أن الشمس تدور حول الأرض.

وقد صادرت الكنيسة الكاثوليكية كتاب كوبرنيكس بدعوى أن نظريته تناقض ما ورد في العهد القديم من الكتاب المقدس، مع أن كوبرنيكس نفسه كان كاثوليكيًا مخلصًا. أما الثاني فهو العالم السويدي ليناوس. كان ابن قسيس سويدي، وكان ملتزمًا بالعقيدة التقوية التي كانت شائعة في القرن الثامن عشر، وفكرتها المحورية أن الإيمان حالة تخص الفرد، ومن شأن ذلك أن يكون المؤمن زاهدًا في ممارسة الطقوس الدينية.

ومع ذلك ظلت مؤلفاته غير منشورة لأنه كان ناقدًا لاذعًا للمجتمع السويدي المتخلف. وهنا يتذكر برنال عبارة قالها له مؤرخ سوفيتي: أنت عالِم، وبالتالي أنت لا تتناول إلا ما هو قائم، أما المؤرخ فلا ينشغل إلا بالمستقبل. ومن هنا فأنا أتمنى أن ينشغل مؤرخ العلم والتكنولوجيا بالعلاقة القائمة بين هذين المجالين، أو بالأدق بين العلم والمجتمع، باعتبار أن التكنولوجيا هي التي تشكل مسار المجتمع. ومن هنا يتحول العلم إلى جماعة متضامنة لتنفيذ مهام معينة في المجتمع. ومن ثم يكون من الخطأ القول إن العلم مهموم بقنص الحقيقة المطلقة، لأن مثل هذا الهم من شأنه أن يفضي بالضرورة إلى أن يصبح العلم في قبضة القوى الرجعية.

ومن هنا أيضًا تكون العلاقة بين العلم والتكنولوجيا علاقة ضرورية من أجل ابتداع علاقات جديدة تسهم في تقدم المجتمع. وفي هذا السياق جاء تعريفي للإبداع على النحو الآتي: قدرة العقل على تكوين علاقات جديدة من أجل تغيير الوضع القائم عندما يدخل في أزمة. وفي هذا السياق أيضًا تلزم إعادة الرؤية في تدريس العلم للطلاب، إذ الرؤية القائمة تستند إلى تلقينهم نظريات علمية على أنها حقائق مطلقة، وبالتالي تكون منعزلة عن الوضع القائم. وحيث إن هذا الوضع متغير، فإن تغيره يستلزم رؤية مغايرة، أي رؤية لوضع قادم يكون بديلًا عن وضع قائم يكون قد دخل في أزمة. وإليك الدليل على صحة ما أقول: منذ عشرة آلاف سنة حدثت ثورة في إنتاج الطعام كان من شأنها تغيير أسلوب الحياة لدى البشر. وكان سبب هذه الثورة مردودًا إلى ما حدث من أزمة في عصر الصيد بسبب ندرة النباتات الطبيعية وعدم القدرة على استئناس الحيوان، الأمر الذي أدى بالإنسان إلى ابتداع التكنيك الزراعي. إلا أن هذا الإبداع لم يحدث مرة واحدة بل بالتراكم.

واللافت للانتباه هنا أن المرأة، من حيث إنها كانت مسؤولة عن جني المحاصيل، فقد قيل عنها إنها المبدعة للزراعة، خاصة أن الرجل كان متفرغًا لاصطياد الحيوانات لذبحها وأكلها. وقد أفضت الزراعة بدورها إلى مفهومين جديدين للحياة الاجتماعية. المفهوم الأول هو مفهوم العمل، إذ إنه في عصر الصيد لم يكن متميزًا من أنحاء الحياة الأخرى، ومن هنا كان الفعل على علاقة مباشرة بنتيجته؛ فأنت تصطاد لتأكل مباشرة، ولكن مع الزراعة فثمة فترة زمانية طويلة بين ما تفعله وما تفرزه من نتائج. أما المفهوم الثاني فهو مفهوم العلة، وما يترتب عليه من نتيجة يُقال عنها إنها المعلولة لهذه العلة. ثم أصبح هذا المفهوم هو أساس العلم العقلاني.

وفي هذا السياق يمكن تكوين ذهنية عقلانية منفتحة على التقدم ومانعة من سقوط الطلاب في مستنقع الإرهاب الأصولي.

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا