29.1 C
Cairo
الثلاثاء, يونيو 2, 2026
الرئيسيةفكر مسيحيالأبدية تبدأ من هنا ..!! (1)

الأبدية تبدأ من هنا ..!! (1)

بقلم الدكتور القس ﭽورﭺ شاكر

نائب رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر

 

نعم! الأبدية تبدأ من هنا… هنا على الأرض… تأتي إلينا قبل أن نذهب إليها، فالإنسان يعيش في سماء على الأرض إن كان يحيا حياة الإيمان، والعكس صحيح، فالإنسان ينكسر عندما يكسر وصايا الله، ويختبر جهنم وهو على الأرض إذا استمر واستمرأ خطاياه، وهذا ما نراه في معجزة رصدتها عدسة الوحي المقدس في سفر (لاويين10: 1-3)، فمكتوب: “وأخذ ابنا هارون: ناداب وأبيهو، كل منهما مجمرته، وجعلا فيهما نارًا، ووضعا عليها بخورًا، وقربا أمام الرب نارًا غريبةً لم يأمرهما بها. فخرجت نار من عند الرب وأكلتهما، فماتا أمام الرب. فقال موسى لهارون: “هذا ما تكلم به الرب قائلًا: في القريبين مني أتقدس، وأمام جميع الشعب أتمجد”. فصمت هارون”.

والجدير بالذكر أن ناداب وأبيهو هما أكبر أبناء هارون (خر6: 23)، وُلدا في أرض مصر، وهناك عاينا أعظم أعمال الله وعجائبه مع شعبه، وقد صعدا هما وهارون أبوهما وسبعين من شيوخ إسرائيل مع موسى إلى جبل سيناء لحضور الاحتفالية التي أُقيمت بعد إبرام العهد بين الله وبين بني إسرائيل… واقترب موسى وحده إلى الرب حيث أعطاه لوحي الشريعة… وهناك شاهدا مجد الرب فوق الجبل (خر24)، وبعد أن انتهى موسى من إعداد خيمة الاجتماع وهيأها للعبادة، احتفل بتنصيب هارون وأبنائه الأربعة كأول كهنة للرب في إسرائيل (خر28 و لا8).

وفي وسط هذه الأجواء الغامرة بالفرح والهتاف والسجود للرب، تقدم ناداب وأبيهو، وأخذ كل منهما مجمرته ووضعا فيها نارًا وبخورًا ليمارسا دورهما، ولكن المشكلة أن هذه النار كانت غريبة، لم يكن قد أمر بها الرب، فالخطية الأساسية نراها في عبارة: (لم يأمرهما بها الرب)… لقد صنعا شيئًا لم يأمر به الله بالرغم من معرفتهما الوصايا، وحيث إن الأمر لم يكن يحتمل هذا التصرف المتهور منهما، عاقبهما الرب في الحال بخروج نار قضت عليهما على الفور… وكأن جهنم جاءت إليهما قبل أن يرحلا إليها. هذه المعجزة حافلة بالعديد من الدروس الكتابية، والمبادئ الروحية، والقيم الإيمانية، أذكر منها:

قبل الكسر الكبرياء

يبدو أن ناداب وأبيهو أرادا تغيير الطقس الموضوع بعمل شيء مخالف، ورفضا الطريق التي أوصى بها الرب، وقررا أن يتقدما منه بطريقتهما الخاصة.

فلقد كان من المفروض أن مَنْ يقدم البخور هو الكاهن الذي قدم الذبيحة، وكان في ذلك الوقت هو هارون وليس أحد أبنائه الذين كانوا يناولونه فقط (لا9: 12، 13).

وليس هذا فقط، بل في وجود رئيس الكهنة ما كان يحق لهما تقديم البخور، لكن للأسف أخذا دور أبيهما طمعًا في تمجيد أنفسهما وحب الظهور القاتل، وقد تساهل معهما الأب ولم ينتهرهما.

هذا، ومن ناحية أخرى، كان من المفروض أن يقدم البخور واحد فقط منهما… إلا أن ما حدث أنهما قدما البخور في وقت واحد، مما يؤكد وجود تنافس مخيف وصراع عنيف بينهما، وكل واحد منهما يقاتل ليصبح هو رئيس الكهنة… ليكون هو ديوتريفس الذي يحب أن يكون الأول (3يو)، وبذلك حوَّلا مكان العبادة إلى حلبة مصارعة.

إن خطية ناداب وأبيهو أنهما فعلا ما اقترفاه بمقتضى رأيهما الخاص، وليس بمقتضى أمر الرب أو موسى، فقد أوقدا البخور في غير وقته، لأنه كان من المفروض أن يقترن تقديم البخور بذبيحة الصباح أو ذبيحة المساء (خر30: 7، 8).

نعم! كان الردع سريعًا، وجاءت العقوبة فورية، فخرجت نار من عند الرب وأكلتهما فماتا… فإلهنا نار آكلة تأكل كل شر وشبه شر.

نعم! لقد وضع الرب حدًا سريعًا لهذا الانحراف، ولهذا الشر، كي لا يؤدي إلى الانشقاقات بين الشعب، وزيغ الإنسان، وضياع هيبة الله.

تدليل الأبناء يعرضهم لدينونة الله

أغلب الظن أن ناداب وأبيهو قدما نارًا غريبة وهما في حالة سكر، ولم يكونا في وعيهما، مما أفقدهما التمييز بين الخطأ والصواب، ونستنتج هذا الأمر من الوصية الإلهية لهارون بالتحذير من شرب الخمر، التي جاءت عقب هذه الحادثة مباشرة (لا10: 8-10): “وكلم الرب هارون قائلًا: “خمرًا ومسكرًا لا تشرب أنت وبنوك معك عند دخولكم إلى خيمة الاجتماع لكي لا تموتوا”.

كانا يجب أن يدركا أنه ينبغي أن يستعدا بكل حرص وقداسة قبل الدخول إلى المقدس حيث يستعلن حضور الرب، لكن للأسف يبدو أنهما دخلا القدس وهما سكارى، أو ربما سكرا داخل القدس.

وعندئذ فقدا التمييز بين النار المقدسة وغير المقدسة.

نعم! يبدو أن ناداب وأبيهو لم يتدربا على فضيلة ضبط النفس، ويبدو أن ميل أبيهما إلى السلبية والاستسلام وعدم وقوفه في وجه الخطأ انعكس على تربية أبنائه، إذ سمح لهما باتباع ميولهما، كما سمح لبني إسرائيل من قبل بعمل العجل الذهبي وعبادته، كما أنهما لم يتعلما توقير أقدس دور ورسالة، ولم يتعلما احترام سلطة أبيهما، ولم يتحققا من ضرورة الطاعة الكاملة لمطالب الرب.

إن تدليل هارون الخاطئ لابنيه جعلهما يتعرضان لدينونة الله، وجعل هارون يجتاز أكبر أزمة، إذ يرى اثنين من أولاده يحترقان أمامه، وكان رد فعله عندما قال له موسى: “هذا ما تكلم به الرب: في القريبين مني أتقدس، وأمام جميع الشعب أتمجد”. فصمت هارون. (لا10: 3). وكأنه أدرك أن عليه جزءًا كبيرًا من المسؤولية مما حدث لهما. لعل هذا يذكرني بقصة عالي الكاهن الذي أيضًا ساهم بدور كبير في مقتل أولاده بسبب إهماله في تربيتهم (1صم3).

مكان القداسة لا يحمينا من حياة النجاسة

لقد ارتكب ناداب وأبيهو النجاسة والشر وهما في أقدس مكان، فالمكان المقدس لا يحمينا من فعل الخطية. فالمشكلة ليست في المحيط أو المناخ الذي نعيش فيه، ولا الناس الذين نحيا معهم، ولا الظروف التي نمر بها، فمَنْ يبتغِ أن يحيا مؤمنًا أمينًا بطهارة نفس، ونقاوة قلب، ونظافة يد، سيعيش مهما كانت الظروف المعاكسة، والتحديات القاسية، والمغريات الجاذبة.

نعم! إن موطن الداء في داخلنا وليس في خارجنا، لذلك صلى داود قائلاً: “قلبًا نقيًا اخلق فيّ يا الله، وروحًا مستقيمًا جدد في داخلي” (مز51: 10).

كيف لا! ألم يُجرب أبوانا الأولان وهما في الجنة، وجاء المجرب إلى الرب يسوع وهاجمه وهو على جناح الهيكل، وجربه أيضًا وهو في البرية وحده بعيدًا عن صخب الحياة وأضوائها وضوضائها؟

أجل! فمكان القداسة لا يحمينا من حياة النجاسة.

احترس وأنت في وقت النجاح

لقد أسقط عدو الخير ناداب وأبيهو بعد أن شاهدا مجد الرب على الجبل (خر24: 9، 10)، وبعد أن احتفل موسى بتنصيبهما كهنة للرب، وبعد أن قضيا سبعة أيام في خيمة الاجتماع.

احترس من وقت النجاح، ألم يسقط نوح ولم ينفذ وصية الله والتي مفادها “لا تسكروا” بعد حادثة الطوفان التي رأى فيها سلطان الله على الكون وتعرى؟!

ألم يسقط لوط أيضًا بعد أن خرج من معجزة سدوم؟!

ألم يسقط داود في خطية زنا مع بثشبع، ودبر قتل أوريا الحثي بعد أن أصبح ملكًا؟! كيف لا؟! ألم يسقط إيليا بعد انتصار عظيم ومجد غير عادي في مواجهة آخاب، وأنبياء البعل، وبعد أن نزلت نار وأكلت المحرقة والحطب والحجارة والتراب والمياه التي في القناة، وبعد أن نزل المطر استجابة للصلاة (1مل18). نجده بعد ذلك مباشرة يهرب إلى بئر سبع ويطلب الموت لنفسه بعد تهديدات إيزابل.

حقًا! إن عدو الخير لا يتورع عن الهجوم على أقدس الناس في أقدس الأماكن، وبعد أكثر الأوقات نجاحًا وثمرًا وتأثيرًا… لذا كن يقظًا وقت النجاح والمجد والشهرة.

نعم! فإن كان هناك العشرات الذين سقطوا بعد الفشل… هناك المئات والألوف الذين سقطوا بعد النجاح.

احترس عند النجاح، فقد يصيبك النجاح بشيء من الغرور أو الثقة الزائدة في النفس، أو الاتكال على المال والجاه والنفوذ، وقد يجعلك أكثر انشغالًا بأعمالك ونجاحك على حساب علاقتك الشخصية بالرب وخدمته.

عبرة في عبارة

يا ليت اهتمامنا بإرضاء إلهنا

يكون أقوى من ميولنا لإشباع أهوائنا

مقالات أخرى

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا