القس رأفت رؤوف الجاولي
“وليملك في قلوبكم سلام الله الذي إليه دعيتم في جسد واحد، وكونوا شاكرين” (كو3: 15)
السلام في اللغة اسم مشتق من الفعل سلم، ويأتي بمعنى الأمان والنجاة مما لا يُرغب فيه؛ فيُقال: سلم من الأمر، أي نجا منه. غير أن السلام اليوم لم يعد مجرد مفهوم لغوي، بل صار حاجة ملحة في ظل عالم مضطرب، تتوالى فيه الأزمات من أمراض إلى حروب تلتهم الأخضر واليابس. وهنا يبرز السؤال: هل يمكن الحصول على السلام الحقيقي وسط هذا الاضطراب؟
عند الحديث عن السلام، يجب إدراك أنه ليس حالة وقتية، بل استقرار دائم في الرب؛ حالة خاصة يتمتع بها المؤمن في علاقته مع الله. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم السلام الحقيقي من خلال محورين رئيسيين: راحة وسط الانزعاج، وعلاقة قوية مع الرب في كل الظروف.
أولًا: راحة وسط الانزعاج
“وكان هو في المؤخر على وسادة نائمًا. فأيقظوه وقالوا له: يا معلم، أما يهمك أننا نهلك؟ فقام وانتهر الريح وقال للبحر: اسكت! ابكم! فسكنت الريح وصار هدوء عظيم” (مر4: 38-39).
في هذا المشهد، نرى التلاميذ في حالة اضطراب شديد بسبب الرياح العاتية، بينما كان المسيح نائمًا في هدوء تام. لم يكن ذلك غفلة، بل تعبيرًا عن سلام عميق يفوق الظروف. لقد توقع المسيح أن يكون لتلاميذه ذات السلام، لكنهم لم يدركوا بعد سر هذا الهدوء.
وفي موقف آخر بعد القيامة: “ولما كانت عشية ذلك اليوم، وهو أول الأسبوع، وكانت الأبواب مغلقة حيث كان التلاميذ مجتمعين لسبب الخوف من اليهود، جاء يسوع ووقف في الوسط وقال لهم: سلام لكم” (يو20: 19).
وسط الخوف والارتباك، لم تكن عبارة “سلام لكم” مجرد تحية، بل عطية إلهية بددت الخوف وملأت القلوب طمأنينة.
إن الراحة وسط الانزعاج لا تعني غياب الضغوط، بل تعني وجود سلام داخلي رغم وجودها. وكما يقول الكتاب: “حياة الجسد هدوء القلب” (أم14: 30). فالإنسان بحاجة إلى أن يعتني بنفسه جسديًا ونفسيًا، لأن سلام الداخل ينعكس على الجسد كله.
وتشبه الحياة أحيانًا لوحة لعصفورين يغردان وسط حريق يلتهم الأشجار من حولهما؛ فبرغم المشهد القاسي، يظلان في سلام. هكذا هو المؤمن، لا ينكر الواقع، لكنه لا يسمح له أن يسلب سلامه.
ثانيًا: العلاقة القوية مع الرب في كل الظروف
“شاكرين الآب الذي أهلنا لشركة ميراث القديسين في النور” (كو1: 12)
الشكر بدلًا من التذمر يخلق حالة من السلام العميق، فالرسول بولس يوجّه أنظار المؤمنين إلى ما فوق، حيث الرجاء والميراث الأبدي: “إن كنتم قد قمتم مع المسيح فاطلبوا ما فوق… اهتموا بما فوق لا بما على الأرض” (كو3: 1-2).
ويعبّر المتحدث التحفيزي Nick Vujicic عن هذه الحقيقة بقوله: “كل شيء يعتمد على اختياراتك؛ قد تختار أن تغضب لما لا تملك، أو أن تكون شاكرًا لما تملك”.
ويؤكد الكتاب: “اشكروا في كل شيء، لأن هذه هي مشيئة الله في المسيح يسوع من جهتكم” (1تس5: 18).
الإيمان الحقيقي يجعل الإنسان يرى يد الله حتى في الأمور التي لا يفهمها. فـ”الضيق ينشئ صبرًا، والصبر تزكية، والتزكية رجاء، والرجاء لا يخزي” (رو5: 3-5). وهذا الإيمان وصفه بولس بأنه إيمان له “ترتيب” و”متانة” (كو2: 5)، وهما مصطلحان عسكريان يشيران إلى الانضباط والثبات في مواجهة التحديات.
المؤمن مدعو أن يكون كجندي صالح، يعيش ثباتًا روحيًا يمكّنه من مواجهة كل الظروف دون أن يفقد سلامه.
ختامًا
المسيحية لا تدعي أن الإنسان لا يتأثر بالظروف، لكنها تدعوه إلى أن يسمو فوقها. فحين يكون الإيمان متينًا، يصبح السلام ممكنًا في كل الأحوال.
في عالم مضطرب، قد لا نحصل على أخبار مفرحة باستمرار، لكننا نستطيع أن نحيا في سلام حقيقي عندما نلقي اتكالنا بالكامل على الرب يسوع المسيح، الذي يفوق سلامه كل عقل.
له كل الكرامة والمجد، الآن وإلى الأبد. آمين.