البركة حصاد للحياة السرية، للعلاقة الخفية مع الله. سيكون هناك خطأ في معادلة تعاملنا مع الله لو كانت الغاية هي البحث وراء البركة، هي تبعية إنجيل الرخاء، هي اشتراط أن يغنينا الله وألا نمرض وألا نمر بضيقة وألا نحتاج وألا نمر بأزمة.
المؤمن الحقيقي يتعامل مع الله في علاقة حب وشركة، عينه مثبتة على الرب لا على البركات، إن أتت البركات شكر الله وتمتع بها، إن غابت البركات لا يؤثر هذا على شركته، لأن لديه الرب والرب يعني له كل شيء.
لذا حين ينزل مطر الظروف وترتفع سيول التجارب وتهب رياح الضيقات العنيفة لتصدم حياة هذا الشخص لا ينهار، بل سيكون ثابتًا واثقًا في إلهه، ويقارن الكتاب بين بيتين أو حياتين، البيت الأول مبني على الصخر والثاني مبني على الرمل، كلاهما تعرض لنفس الظروف أمطار وسيول ورياح، الأول”لم يسقط، لأنه كان مؤسسًا على الصخر” (متى 7: 25) والثاني “سقط، وكان سقوطه عظيمًا!” (ع 27).
حينما تكون حياتنا مبنية على الصخر تكون مطمئنة فلدينا صخرة من الاستقرار في كل الظروف وخاصة وسط ظروفنا الصعبة، ويقول موسى عنه: “هو الصخر الكامل صنيعه. إن جميع سبله عدل. إله أمانة لا جور فيه. صديق وعادل هو” (تثنية 32: 4) وتعني كلمة “الملجأ”: “الرب صخرة قوية، ولا يخطئ أبدًا. يمكن دائمًا الوثوق بالله في تحقيق العدالة. “الرب مدافعك القدير، الكامل والعادل بكل طرقه؛ إلهكم أمين وحق. فهو يفعل ما هو صواب وعادل” (25)
الشركة والعلاقة الحقيقية مع الله تعطي المؤمن الثقة في أنه الملجأ الذي يختبئ فيه وسط صراعات الظروف، هو لا يلومه أنه سمح بها ولا يتهمه أنه هو السبب فيها، بل يثق في أنه أمين وكل ما يفعله أو يسمح به صواب ولا يخطئ أبدًا، بل هو المدافع عن أولاده ويحقق العدالة لهم.
وهكذا فعل أيوب في بداية ظروفه الصعبة، فقد جاءته الأخبار المتوالية بموت أبنائه وبفناء ثروته من البقر والغنم والجمال، “فقام أيوب ومزق رداءه، وحلق شعر رأسه، ورمى نفسه على الأرض وسجد لله، وقال: عريانًا خرجت من بطن أمي، وعريانًا أدخل القبر. الله أعطى والله أخذ، تبارك اسم الله. في كل هذا، لم يرتكب أيوب خطأ، ولا اعتبر أن الله أساء إليه” (أيوب 1: 20-22).
“ومرة أخرى بعد أن خرج الشيطان من محضر الله، وضرب أيوب بقروح مؤلمة من بطن قدمه إلى قمة رأسه، فتناول أيوب شقفة، وأخذ يحك بها جسمه وهو جالس على الرماد. فقالت له زوجته: أنت إلى الآن متمسك بكمالك! بارك (جدف أو اكفر) الله ومت! فقال لها: تتكلمين كواحدة جاهلة! هل نقبل الخير من الله، ولا نقبل الشر؟ في كل هذا، لم يرتكب أيوب خطأ بشفتيه “(2: 7-10(
المرة الأولى سجد أيوب مواجهًا المصائب كعابد حقيقي لله، فقد كان مدركًا أن الذي يعطي والذي يأخذ هو الله، وبارك اسمه ولم يتفوه بشيء ضد الله بل أنه لم يعتبر الله أساء إليه، أو “لم يقل إن أعمال الله حمقاء”، “لم يلوم الله مرة واحدة” (32)
والمرة الثانية ظل متمسكًا بكماله رغم الضعف الشديد الذي أصاب جسده، وانتهر زوجته وهي تطلب منه أن يلعن بالله، ويكرر الكتاب مرة أخرى أنه لم يخطئ بشفتيه ويتكلم ضد الله.
قوة قلبي
ولولا سندة يد الرب لنفس أيوب لكان انهار أو مات ساكتًا من خسائره المتتالية في مدة صغيرة، ثم مرضه العنيف الذي أبقاه متألمًا بشكل كبير.
وهو فرق آخر بين شخص يتقي الرب ويعبده وشخص يملأ الشر قلبه، حينما تأتي المفاجآت غير السارة، يعطي الرب أولاده صمود ومعونة، مقابل أشخاص لا علاقة لهم بالرب قد تأتي عليهم ظروف صعبة فينهارون تمامًا، وهو ما حدث مع زمري “ولما رأى زمري أن المدينة قد أُخذت، دخل إلى قصر بيت الملك، وأحرق على نفسه بيت الملك بالنار، فمات” (1 ملوك 16: 18).
كان زمري رئيس نصف مركبات في الجيش، فقتل الملك أيلة وجميع أفراد عائلته، وملك على الشعب، وبعد سبعة أيام انتخب الجيش عمري كملك بدلًا منه، وحاصروا قصر زمري، ولما رأى زمري أن المدينة قد أُخذت دخل وأحرق نفسه ومات منتحرًا، فقد كانت هزيمته وفشله أكبر من أن يحتملهما لذا قتل نفسه حتى لا يواجه ما هو قادم.
وهو نفس ما حدث مع نابال الذي رفض أن يرسل لداود تقدمة أثناء جز الغنم، فتوجه داود وأربعمائة رجل نحوه ليستولوا على ما عنده، ولكن أبيجايل زوجة نابال خرجت واستسمحت داود وقدمت له تقدمه واعتذرت عن زوجها فهو أحمق كما يشير معنى اسمه، فعفا داود ورجع عنه، ورجعت أبيجايل فوجدت نابال يشرب الخمر بشراهة حتى ثمل فلم تخبره بشيء، وعند الصباح حينما بدأ يفيق من سكره حكت له ما حدث مع داود، وكيف كان قادمًا للاستيلاء على ممتلكاته وتدخلها، ومن شدة خوفه على ممتلكاته توقف قلبه عن النبض وصار كحجر ومات! “وفي الصباح عند خروج الخمر من نابال، أخبرته امرأته بهذا الكلام، فمات قلبه داخله وصار كحجر” (1 صموئيل 25: 37). والآية تعني: “ونتيجة لذلك أصيب بجلطة دماغية، وظل على سريره كالحجر”، “أصيب بنوبة صرعية وأصيب بالشلل”، “أصيب بنوبة قلبية” (17)
هناك أشخاص أدت الظروف أو المخاوف أو الضغوط لانهيار نفوسهم وأجسادهم في صورة أمراض جسدية أو نوبات قلبية أو محاولات للانتحار، والكتاب يقول “روح الإنسان تحتمل مرضه، أما الروح المكسورة فمن يحملها” (أمثال 18: 14). والآية تعني: “الروح السليمة تنتصر على الشدائد، ولكن ماذا يمكنك أن تفعل عندما تنسحق الروح؟”، “روح الرجل ستكون سندًا له عندما يكون مريضًا. ولكن كيف يمكن رفع الروح المنكسرة؟” وتعني: “كونك مبتهجًا يساعد عندما تكون مريضًا، ولكن لا شيء يساعد عندما تستسلم”، “إن إرادتك في الحياة يمكن أن تدعمك عندما تكون مريضًا، ولكن إذا فقدتها، فإن أملك الأخير قد ذهب”.
فروح الإنسان قد تنكسر من هول الصدمات والتجارب الساحقة والخطية، وحينما تنكسر روحه تنخفض معنوياته يصبح بلا إرادة يستسلم ويكون غير قادر على مواجه الضعف، أما الروح السليمة فتدعم وتسند الجسد حينما يكون على وشك الإصابة بمرض نتيجة الضغوط.
وهو ما حدث مع يعقوب الذي ظل حزينًا لسنوات طويلة بسبب خبر موت ابنه يوسف، أخبروه “يوسف حي بعد، وهو متسلط على كل أرض مصر. فجمد قلبه لأنه لم يصدقهم” (تكوين 45: 26). وكلمة جمد تعني: “خاف”، “توقف”. ومع عمره الكبير آنذاك كان من الممكن أن يموت يعقوب من هول الخبر، ولكن بسبب شركته مع الله، سند الرب ودعم ضعف جسده بسبب تقدم العمر فلما أبصر العجلات التي أرسلها يوسف يقول “فعاشت روح يعقوب أبيهم” (ع27) وكلمة عاشت تعني: “شفي من الصدمة “أو “تحسنت حالته كثيرًا”.
كما تعني الكلمة: “انتعشت”، “ارتفعت معنوياته”، “تشجعت روحه” لدرجة أنه تحمس للذهاب فعلًا رغم طول الرحلة على عمره الكبير فَقَالَ: “كفى! يوسف ابني حي بعد. أذهب وأراه قبل أن أموت” (ع 27-28).
يعقوب كان أكبر من زمري ومن نابال بسنين كثيرة، ولكن الفارق هو أن يعقوب كان يتبع الرب ويتقيه – رغم حزنه على ابنه – وحينما جاءت صدمة على قلبه التقي، وتوقف للحظات من هول المفاجأة، سنده الرب فتحسن وشفي من الصدمة، وانتعش وتشجع أن يذهب ليراه.
تغنى آساف للرب قائلًا: “قد فني لحمي وقلبي. صخرة قلبي ونصيبي الله إلى الدهر” (مزمور 73: 26) وتعني: “قد يضعف جسدي وعقلي، لكن الله هو قوتي وهو حصتي إلى الأبد!”، “لكن الله يحمي قلبي دائمًا ويمنحني الاستقرار”، “لكن الله يظل أساس حياتي”.
فحتى حينما تتدهور قوتي، كنتيجة طبيعية مع تقدم العمر كما حدث ليعقوب، يبقي الله هو الأساس الذي يسند حياتي ويحمي قلبي دائمًا ويمنحني الاستقرار ضد تقلبات الظروف والأشخاص، فهو ملجأي وقوة قلبي.
المؤمن الحقيقي يتعامل مع الله في علاقة حب وشركة، عينه مثبتة على الرب لا على البركات، إن أتت البركات شكر الله وتمتع بها، إن غابت البركات لا يؤثر هذا على شركته، لأن لديه الرب والرب يعني له كل شيء.