هايدي حنا
خلال المحاضرات التي أقدمها والخاصة بالتعامل مع المراهق كثيرًا ما يسألني الأهل: “كيف أستعيد علاقتي بطفلي المراهق بعدما أصبحت متأزمة حتى وصل الحال أنه لم يعد يرغب في الحوار معي بل وينتهز أي فرصة تجعله لا يتعامل معي، بالإضافة إلى أنه لا يقبل مني أي مشورة مهما كانت هامة له وتحميه من الأذى؟”
لذا كان من المهم في نهاية هذه السلسلة “أزمات في حياة المراهق” أن أتطرق لهذه القضية وهي: “كيف تقوم بترميم علاقتك بطفلك المراهق؟”
في البداية، دعوني أوضح بعض السلوكيات التي تسبب شروخًا في علاقتك بطفلك المراهق منذ طفولته مثل:
§ المقارنة مع الغير ويكون هو الطرف الأقل.
§ التمييز بين الأبناء: وهو تفضيل أخيه/أخته عنه بسبب صفات فيه.
§ الكلمات السلبية والنقد الجارح مثل: غبي، بروطة، كسلان، فاشل….
§ كلمات عدم الاستحقاق مثل: باتعب.. واصرف.. متحمل ووو… وأنت مش مقدر.. ما فيش فايدة فيك..
§ الإهمال: وهو انشغال الوالدين بالعمل الذي يصل لدرجة إهمال احتياجاته النفسية، حيث إن العمل يسدد الاحتياجات المادية وليست النفسية، غير مدركين أن الاحتياج النفسي أهم بكثير لبناء شخصية متزنة نفسية، لأن الاهتمام النفسي يُشعِر الطفل إنه هام عند والديه مما يعزز ثقته بنفسه.
هذه الكلمات والسلوكيات يقوم بها الأهل بصورة عفوية دون أن يدركوا أن لها تأثيرًا سلبيًا على طفلهم، ثم على علاقتهم به فيما بعد:
أولًا: تأثيرها على صورته الذاتية عن نفسه:
1) الشعور بأنه فاشل وأقل من غيره في الإمكانيات والقدرات فتصبح شخصيته مهزوزة وغير طموح.
2) الشعور أنه عبء ثقيل على الآخر مما يجعله دائم تحميل أخطاء غيره على نفسه، وهذا ما يُسمى الفكر المشوه “أخذ الأمور على محمل شخصي”.
3) الشعور بأنه لا يستحق الحب إلا إذا قدم تنازلات وأفعال مما يجعله عُرضة للعلاقات المؤذية.
4) جلد الذات والشعور بالذنب الوهمي “أي الشعور بذنب لم يقم به وهو ناتج عن تربية وأفكار مجتمع” لإحساسه بأنه دائمًا لا يقوم بالمطلوب منه بصورة صحيحة، وذلك بحسب رسالة والديه له عندما كان طفل.
ثانيًا: الحصاد في مرحلة المراهقة وطريقة تواصله مع والديه:
1) تكوين مشاعر مرارة وغضب تجاه والديه والتي يعبِّر عنها من خلال:
§ إما العناد ورفضه لأي نصيحة مهما كانت لصالحه والجدال الدائم معهم، في حال كانت شخصيته قيادية.
§ أو الانعزال عن والديه لتجنب التدخل في حياته، لو كانت شخصيته هادئة.
2) سلوكيات تبدو قسوة من المراهق، لكنها نابعة من قلب مجروح غاضب مثل:
§ الأنانية في الحصول على كل ما يريد مهما كان.
§ حب السيطرة والتمسك برأيه، وعدم الرغبة في الخضوع.
§ عدم الرغبة في الغفران.
§ عدم الاعتراف بالخطأ ورفض النقد مهما كان لصالحه.
§ غضوب في ردود أفعاله مهما كان الموقف لا يستحق.
3) سلوكيات أساسها عدم الثقة بالنفس بسبب كلمات والديه والخوف من الرفض كما رفضه والداه مثل: الخجل، وعدم القدرة على المبادرة وتكوين صداقات.
4) سلوكيات نابعة من إنسان لا يشعر أنه يستحق الأفضل في الحياة أو العلاقات ويشعر بالغضب من أسرته فيعبِّر عن ذلك بالغضب السلبي وهو غضب يجعله يقوم بسلوكيات مؤذية له لكن في نفس الوقت تحرج والديه وتؤذي سُمعتهما في المجتمع؛ مثل: الانغماس في إدمانات وعلاقات مؤذية.
كيف تبني جسورًا بينك وبين طفلك المراهق لإعادة ترميم علاقتك به؟
أولًا: مساعدته على شفاء مشاعره المجروحة:
1) الاعتراف بأن سلوكك جرحه: وكان السبب في تشويه صورة المراهق عن نفسه مهما كان تبريرك.
2) عدم الاستهانة بمشاعره: تحت مبدأ “وإيه يعني.. كلنا اتربينا كدة.. إيه العيل الصغير ده اللي مجروح ووو….”.
3) الاعتذار الصادق له: وهو الاعتذار الذي يخلو من التبريرات بكلمة “أنا آسف بس”، فالاعتذار غرضه مساعدته على شفاء مشاعره وليس تبرير موقفك.
4) عدم إجباره على مشاركتك بما يشعر به نحوك من ضيق وجرح: فقد يكون لا يرغب في ذلك بسبب الخوف منك وعدم الإحساس بالأمان إن شاركك وذلك بسبب خبرته السلبية معك.
5) الإصغاء بتركيز إن قرر مشاركتك بمشاعره: والذي من سماته عدم مقاطعته أو الدفاع والتبرير، والحذر من لغة الجسد التي تعكس غيظك من كلامه حتى لا يلاحظ ذلك ويتوقف عن مشاركة مشاعره نحوك لك.
6) التغيير العملي في السلوك: فالمراهق لن يصدق وعودك بالتغيير إن لم تبدأ بالفعل التوقف عن السلوك الذي تسبب في جرحه.
7) منحه الإحساس بالأمان: وذلك بسلوكيات صغيرة يومية تعزز إحساسه إنه محبوب ومقبول، وذلك من خلال: منحه الاحتواء.. الحب.. تفهُّم طبيعته.. الصبر عليه.. كلمات التشجيع غير المشروطة.. احترام خصوصيته…
8) إعطاؤه مساحة ووقت للتعافي: فلا تتوقع أن طفلك المراهق من أول تغيير تقوم به سيتعافى ومشاعره ستُشفى وعلاقتكما ستتحول للأفضل ١٨٠ درجة، لكن الأمر يحتاج وقت لسببين:
§ ليلتئم جرح عمره سنوات منذ الطفولة وحتى مرحلته هذه.
§ ليتأكد أنك بالفعل تغيرت وأنه ليس تغييرًا نابعًا من حماس مؤقت.
ثانيًا: خطوات لبناء جسور جديدة للتواصل معه:
1) تخصيص وقت ثابت للتواصل والحوار معه: مثل جلسة أسبوعية، قضاء وقت الإفطار معًا في يوم محدد، بحيث يدرك المراهق أنه مهم عندك وذلك بتخصيص هذا الوقت له مهما كنت مشغولًا.
2) بناء ذكريات جديدة إيجابية: من خلال المشاركة معه في الأنشطة التي يحبها، السفر معًا، قضاء وقت مرح، الاشتراك معه بلعبة يحبها….
3) تغيير اللغة اليومية خلال حوارك معه: وذلك بالتوقف عن استخدام أسلوب السخرية، النقد اللاذع، الكلمات السلبية، المقارنات، وبدلًا منها استخدم:
§ كلمات تعكس أنه محبوب بدون شروط..
§ كلمات احترام وتشجيع حتى على أبسط الأمور..
§ تذكيره بقدراته، مواهبه،…
4) الالتزام بوعودك مهما كانت بسيطة بالنسبة لك: فإعادة بناء الثقة يعتمد على التفاصيل الصغيرة.
5) التدريب على تجنب إعادة نفس الأخطاء: مثلًا لو الخطأ نقد جارح، يجب التدريب على طرق بديلة للتعبير عن ملاحظاتك على سلوكياته؛ لو كان مقارنة فعليك التدريب على إنه لا للمقارنة بل يجب قبوله كما هو…
مفتاح نجاح هذه الخطوات السابقة وأنت في طريق ترميم علاقتك بطفلك المراهق:
الالتزام بها لمدة 60 يوم بصورة منتظمة.. لذا ابدأ الطريق واستمر فيه دون توقف، فنجاح استعادة العلاقة متوقفة على مدى صبرك والتزامك بخطوات ترميم علاقتك به.
أخيرًا.. أترك لكم هذه الوصية التي يوصينا بها الله: “وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَعْتَنِي بِخَاصَّتِهِ، وَلاَ سِيَّمَا أَهْلُ بَيْتِهِ، فَقَدْ أَنْكَرَ الإِيمَانَ، وَهُوَ شَرٌّ مِنْ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ” (تيموثاوس الأولى 8:5).