تحقيق إيهاب قزمان
مع انطلاق تخرج الدفعة الثالثة من الأئمة من الأكاديمية العسكرية انهالت صيحات الرفض من بعضهم متهمين الدولة بأنها تمهد بنعومة لإقامة الدولة الدينية. بينما يؤيد الرأي الآخر ما يفعله السيسي من تخريج تلك الدفعات من الأكاديمية العسكرية خوفًا من تحوّل مصر إلى دولة دينية فاشية عندما يسمّم بعض الأئمة ما يسول له نفسه لعقول الشباب بأفكار الكراهية والإقصاء والتكفير تجاه الآخر والوطن، وأن زراعة الروح الوطنية داخلهم خير من زراعة الأفكار الإخوانية أو الوهابية، بل تعد تلك الدورات إنقاذًا لمستقبل مصر الزاخر وتحقيقًا لرؤية مصر 2030. والدليل على ذلك أن الأكاديمية العسكرية ودوراتها متاحة لكافة موظفي الدولة وللمصريين عمومًا بأجر رمزي، مما يدل على عزم ونية الأكاديمية العسكرية لنشر مبادئ الولاء والانتماء للوطن الذي يفتقده كثيرون.
مدير الأكاديمية: حماية العقول لا تقل أهمية عن حماية الحدود.. الإمام الواعي يمثل خط الدفاع الأول عن عقول أبناء وطنه
قال مدير الأكاديمية العسكرية في حفل تخرج دعاة وزارة الأوقاف أن هذا اليوم ليس مجرد حفل تخرج بل هو انعكاس للتعاون الوثيق والبناء بين وزارة الأوقاف والأكاديمية العسكرية المصرية للتأكيد على أن مصر تواصل بناء الإنسان جنبًا إلى جنب مع بناء الدولة، وأنها تدرك أن حماية العقول لا تقل أهمية عن حماية الحدود.
وأشار إلى أن معركة الوعي هي إحدى أهم معارك الحاضر والمستقبل، وأضاف: قد حرصنا أثناء تأهيل دورة الأئمة على أن نجمع بين متطلبات العصر وأصالة المنهج وحتمية التجديد الرشيد وفقًا لرؤية الدولة المصرية 2030 بهدف يجعل الإمام القادر على استيعاب قضايا وطنه ومواجهة الأفكار المتطرفة بالفكر والعلم والحجة.
ودعاهم أن يكونوا دعاة بناء لا هدمًا، وأملًا لا يأسًا، وأن ينشروا قيم الرحمة والتسامح والعمل والإخلاص، وأن يكونوا قدوة لشباب مصر في السلوك والعلم والانتماء، وأن يتذكروا دائمًا أن الكلمة الصادقة قد تصلح فكرًا وأن القدوة الحسنة تبني أجيالًا، وأن الإمام الواعي يمثل خط الدفاع الأول عن عقول أبناء وطنه.
من جانبه أعلن مساعد مدير الأكاديمية العسكرية المصرية للشئون التعليمية اعتماد نتيجة الدورة التدريبية الثالثة لأئمة وزارة الأوقاف «دفعة الإمام حسن العطار»، وذلك بعد التصديق عليها من السيد القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربي، حيث بلغت نسبة النجاح 97%، بعدما اجتاز الدورة 259 دارسًا من إجمالي 266 دارسًا تم التصديق على التحاقهم بها. وأوضح أن الدورة التدريبية عُقدت خلال الفترة من 3 يناير 2026 وحتى 20 يونيو 2026 بمقر الأكاديمية العسكرية المصرية. وأشار إلى أن نتائج الدارسين عكست مستوىً متميزًا من الجدية والتحصيل، حيث حصل 215 دارسًا على تقدير «امتياز»، فيما نال 44 دارسًا تقدير «جيد جدًا»، ليحصد الدارسون التقدير العام للدورة بدرجة «امتياز». ومن جانبه، قدم العقيد أركان حرب محمود الكاشف، رئيس فرع الدورات المدنية بالأكاديمية، شرحًا حول الموقف التدريبي الخاص بالدورة رقم (3) لأئمة وزارة الأوقاف «دفعة الإمام حسن العطار». وقال: «إنه بناءً على توجيهات رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة بشأن تأهيل وتدريب الدورات المدنية بالأكاديمية العسكرية المصرية لإعداد جيل جديد يتسم بأعلى درجات الوعي والإدراك ويسهم بإيجابية في تصويب الخطاب الديني المعتدل من أجل الارتقاء بوطننا الغالي مصر، صدّق السيد القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربي على عقد الدورة التدريبية رقم (3) لتأهيل الأئمة المرشحين للعمل بوزارة الأوقاف بعدد 266 دارسًا بالأكاديمية العسكرية المصرية خلال الفترة من 3 يناير إلى 20 يونيو
المتحدث الرسمي باسم وزارة الأوقاف: الدورات تسهم في إعداد أئمة قادرين على تجديد الخطاب الديني في الداخل والخارج.
أكد الدكتور أسامة رسلان، المتحدث الرسمي باسم وزارة الأوقاف، أن تخرج الأئمة من الأكاديمية العسكرية المصرية يعكس اهتمام الدولة بتأهيل الأئمة علميًا وفكريًا لمواجهة تحديات العصر، مشيرًا إلى أن برامج التدريب تمتد لستة أشهر وتشمل العلوم الشرعية والعلمية إلى جانب قضايا الأمن القومي والإعلام والتعامل مع حملات التضليل، بما يسهم في إعداد أئمة قادرين على تجديد الخطاب الديني في الداخل والخارج.
وأوضح رسلان أن توجيهات الرئيس بالاستمرار في صقل مهارات الأئمة المتفوقين ودعمهم في استكمال الدراسات العليا داخل مصر وخارجها تمثل امتدادًا لنهج الدولة في الاستثمار في الكفاءات المتميزة، لافتًا إلى أن وزارة الأوقاف تدرس حاليًا آليات جديدة لتعظيم فرص الماجستير والدكتوراه والبعثات الخارجية بما يرفع من القدرات العلمية والدعوية للأئمة.
وأشار المتحدث الرسمي باسم الأوقاف إلى أن اختيار الإمام حسن العطار اسمًا للدورة يحمل دلالات مهمة ترتبط بقيم التجديد والانفتاح على العلوم والمعارف الحديثة مع الحفاظ على الهوية الوطنية، موضحًا أن العطار وتلميذه رفاعة الطهطاوي قدما نموذجًا مصريًا رائدًا في النهضة الفكرية والتفاعل الإيجابي مع الحضارات المختلفة دون التفريط في الثوابت الوطنية والثقافية.
وشدّد رسلان على أن معركة العصر الحقيقية هي معركة الوعي، مؤكدًا أن إعداد أئمة يمتلكون القدرة على فهم تحديات الحاضر واستشراف المستقبل يمثل خطوة أساسية في بناء خطاب ديني رشيد يسهم في رفع الوعي المجتمعي. كما أن الإمام يعد من أكثر العناصر تأثيرًا وانتشارًا داخل المجتمع المصري، ما يجعل الاستثمار في تأهيله جزءًا من مشروع الدولة لبناء الإنسان وتعزيز دور مصر كقوة ناعمة تنشر الفكر المستنير داخل البلاد وخارجها.
أحد الأئمة الخريجين: أيّ تسييسٍ هذا الذي يُعلّم الأمانة؟ وأيّ تجنيدٍ هذا الذي يصقل العقل ويوسّع المدارك؟
أكد الإمام إسماعيل إبراهيم أحد أبناء الدفعة الثالثة لأئمة وزارة الأوقاف، دفعة الإمام حسن العطار، رفضه لبعض الأصوات النشاز التي تتهم هذا الصرح بالتجني والتسييس، وتلقي الكلام على عواهنه عن “إجبار” و”توجيه” و”تكميم”. وقال في بوست مطوّل على صفحته تعتبر شهادة حيّة عن تجربته: “وجدتُ لزامًا عليّ أن أقول شهادة حقّ. قضيتُ ستة أشهر بين جدران هذه الأكاديمية، ولم أرَ فيها إلا علمًا يُبثّ، وعقلًا يُصقل، وشخصيةً تُبنى. ما رأيته كان برنامجًا متكاملًا:
علوم شرعية على أيدي علماء أجلّاء، لا يملّون ولا يسأمون.
علوم إنسانية وإدارية تفتح آفاق الفهم والتواصل مع الناس.
تدريب على الوعي وبناء الشخصية، يعين الداعية على فهم واقعه وزمانه. لم يجبرنا أحد على قول كلمة، ولم يُمْلَ علينا خطاب. بل كان الشعار الدائم: “الداعية الحرّ الفاهم، هو أقدر الناس على حمل الأمانة”. كان النقاش مفتوحًا، والسؤال مسموحًا، والرأي محترمًا ما دام مبنيًا على دليل وأدب. فأيّ تسييسٍ هذا الذي يُعلّم الأمانة؟ وأيّ تجنيدٍ هذا الذي يصقل العقل ويوسّع المدارك؟ إنّ من يتكلم عنا من بعيد لا يعرف إلا الظنّ. ولو ذاقوا ما ذقنا من تعب التحصيل وشرف الصحبة، لعلموا أن ما جرى هناك كان إفادةً خالصة، لا تُراد بها إلا خدمة هذا الدين وخدمة هذا الوطن. نحن أئمةٌ قبل أن ندخل، وأئمةٌ خرجنا أكثر بصيرةً وأشدّ عزيمة. ولن يضيرنا كلام من لم يشهد المشهد.”
لماذا تصر مصر على دورات الأكاديمية العسكرية للموظفين عمومًا وللأئمة خصوصًا؟ الرؤية والأسباب
أجاب على هذه التساؤلات الكاتب والمفكر أحمد الصغير حيث تطرق إلى قيام أئمة الأوقاف في أكثر من أربعة عقودٍ بعد حرب أكتوبر المجيدة وحتى انتخابات عام 2012م تحديدًا بدورٍ سياسي خالص لا مثيل له. ولم يكن تفرد الحالة المصرية فقط في قيام الأئمة بهذا الدور السياسي الخالص، إنما الأخطر هو طبيعة هذا الدور السياسي. كان دورًا سياسيًا تعبويًا يتضاد تمامًا مع الأسس القائمة عليها الدولة ذاتها، وعلى الأقل فمن عاصروا ما حدث في انتخابات 2012م يذكرون جيدًا استغلال منابر المساجد في خطب الجمعة لتعبئة الجماهير المصرية سياسيًا لصالح جماعات دينية تقوم في أساسها على فكرة تتضاد مع فكرة الدولة القانونية المدنية وتدعو لقيام نظام حكم ثيوقراطي. فقسّاوِس أمريكا لم يقوموا بدورٍ سياسي مثل ما فعله أئمة مصر. ولا المعلمون في فرنسا يجرؤون على محاولة بث أفكار جماعة انفصالية في عقول الصغار كما فعل بعضهم في مصر في سنواتٍ سابقة. كذلك ففي الحالة المصرية يصر رجال الدين أن من حقهم أن يتداخلوا -بالقول- وتوجيه العامة في كل مفردات الحياة المصرية. وكما نسمع كل جمعة فهناك بعض العناصر التي يصر الأئمة أن تكون حاضرة في خطبهم، مثل عنصر التاريخ، وأحيانًا التعرض لمسائل سياسية، وخلطها بالدين دون أن يكونوا ملمين بكل الجوانب السياسية الخاصة بكل مسألة. كما اعتاد بعض الأئمة شأن باقي المواطنين أن يحصلوا على معلوماتهم عن بعض تلك المسائل التي يصرون على التداخل فيها من وسائل التواصل الاجتماعي. وهذه الوسائل كما أصبح معلومًا للجميع أصبحت أحد أهم أسلحة التزييف وتوجيه الرأي العام. وإن كان خطر سقوط مواطن عادي في هذا الفخ ربما يقتصر على تزييف رأيه هو فقط، فإن الخطورة في سقوط إمام مسجد في نفس الفخ أشد تأثيرًا ولا شك لأنه سوف يقوم بتوجيه قطاع كبير من المصريين توجيهًا خاطئًا، إن لم يكن في خطبة الجمعة فسيكون ذلك في دروس المساجد أو الجلسات الخاصة مع هذه الثقة والاحترام الذين يمنحهما المواطن المصري بصفة عامة لرجل الدين. واستطرد: مع هذه المعطيات، تداخل الأئمة في مفردات حياة وثقافة ورؤى المصريين من ناحية، وعدم تأهيلهم احترافيًا لكيفية انتقاء مصادر معلوماتهم أصبح لزامًا البحث عن آليات لتأهيل الأمة تأهيلاً صحيحًا من حيث المعلومات التاريخية أو العلوم السياسية، ومن حيث تأهيلهم لكيفية الحصول على المعلومات بطريقة صحيحة، حتى نصل بمصر إلى مرحلة يقتنع فيها الجميع بأن رجل الدين لا شأن له بأمور السياسة. فإذا كان الحديث التاريخي مما يهواه الأئمة، فلا بد أن يكون حديثًا صحيحًا شاملًا لكل تاريخ مصر وأن يكون طرحهم للتاريخ الإسلامي موضوعيًا لا خياليًا فقط لمداعبة مشاعر العامة. وإذا كان تناول المسائل السياسية الجارية مما يهواه الأئمة هو أمرٌ واقع الآن، فالأفضل أن يتم تأهيلهم بشكل صحيح كي يحيطوا بجميع جوانب المسائل التي يتصدون لها. ولنا فيما حدث في مؤامرة السابع من أكتوبر خيرُ مثلٍ. لهذه الأسباب تصبح الحالة المصرية حالة متفردة، وتصبح أهمية تأهيل الأئمة تأهيلاً صحيحًا حقًا أصيلاً للدولة، ويصبح أيضًا تحديد آلية تنفيذ هذا الحق حقًا أصيلاً آخر لتلك الدولة. عن كيفية تنفيذ الدولة لهذا (الحق الواجب)، فأشار أحمد الصغير إلى أن النقطة الأهم التي يحاول تجاهلها كل من يهاجم ما حدث، هي أن القيادة السياسية المصرية لم تقم -بعد توليها الحكم عام 2014م مباشرة- بتقديم مبادرة تأهيل الأئمة في الأكاديمية العسكرية. لكن الذي حدث أن تلك القيادة ناشدت قيادات المؤسسات الدينية منذ عام 2015م للقيام بضبط الخطاب الديني في مصر والقيام بخطوات تأهيلية على الأرض لذلك. والذي حدث أن بعض تلك القيادات استجابت بالفعل مثل د. مختار جمعة وزير الأوقاف السابق، لكن قيادات أخرى تململت وألمحت أحيانًا وصرحت أحيانًا أخرى بعدم رغبتها في أي تغيير يمس مضمون الخطاب الديني. وهذه القيادات التي أعلنت موقفها هذا هي التي تقع تحت ولايتها معظم مسؤولية اختيار المناهج التي يقوم بدراستها من سيصبحون أئمة مصر لاحقًا. الدورة الحالية هي الدورة الثالثة فقط بعد أكثر من اثني عشر عامًا من إطلاق القيادة السياسية مناشدتها الأولى لقيادات المؤسسات الدينية، بما يعني أن الدولة المصرية قد منحت الفرصة كاملة لتلك القيادات للقيام بما تقوم به حاليا الأكاديمية العسكرية، ولم يثمر الانتظار طوال هذه السنوات عن نتيجة ملموسة قوية ترتفع لمستوى طموحات القيادة المصرية لمصر. ويستكمل الصغير: أما بخصوص الفساد الذي ورثته مصر في مختلف المؤسسات الحكومية، فهو حقيقة يعلمها كل المصريين. وما قامت به القيادة المصرية هو محاولة ضبط تقوم على الرقمنة وإعداد كوادر شابة في أكاديميات أخرى بعيدة عن الأكاديمية العسكرية مثل الأكاديمية الوطنية للتدريب التي تخرّج منها بالفعل من يقومون الآن بشغل وظائف الصف الثاني من إدارات الحكم المحلي. لم تحاول القيادة المصرية -كما يوحي موقع الموقف المصري- أن تستغل هذه الحالة من الفساد لهيمنة المؤسسة العسكرية على إدارات الحكم المحلي. ما حدث في دولة كبيرة مثل مصر هو المنطقي تمامًا، من الصعب أن تحمل مؤسسة بعينها على عاتقها مسؤولية الدولة بأكملها. لكن القيادة المصرية تعمل على فكرة تكامل جميع المؤسسات بمنطق (كل مؤسسة تعمل كل الذي تقدر أن تعمله) في إطار خطة شاملة للتحديث والتطوير ومناهضة الفساد الإداري. هناك أكاديميات مدنية دشنت بقرار خالص من الرئاسة قامت وتقوم بأدوار مشابهة لما تقوم به المؤسسة العسكرية. كل هذه المؤسسات، عسكرية وغير عسكرية، هي من مقدرات وثروة مصر التي تتشارك ولا تتنافس أو تتصارع – لبناء دولة.