شابة جميلة في منتصف الثلاثينيات، أعرفها منذ فترة طويلة، تتمتع بذكاء عالٍ، تعرف جيدًا أن تتعامل بمهارة مع وسائل التواصل الاجتماعي، وقد استطاعت من خلاله أن تكوّن صداقات متعددة مع كل من الجنسين، كما أنها لم تعزل علاقاتها العاطفية عن هذا النمط من التعامل، وذلك طمعًا في الوصول إلى الشخص المناسب الذي يمكنها أن ترتبط به. ولكن مع الأسف الشديد، فكلما حاولت أن تقيم علاقة عاطفية مستمرة، تبوء بالفشل.
وفي اعتقادي أن هذه الفتاة تمثل جيلًا كاملًا يؤمن بأن العلاقات العاطفية لم تعد في معزل عن الحياة اليومية التي نعيشها، إذ باتت منصات التواصل وسيلة شائعة للتعارف وبناء الروابط العاطفية، مما أوجد نمطًا جديدًا من العلاقات يختلف في طبيعته عن العلاقات التقليدية التي كانت تُمارس في الزمن الماضي. وفي الواقع، فإن وسائل التواصل فتحت آفاقًا جديدة وسبلًا متعددة لإتاحة الفرص أمام الجميع للعثور على شريك عاطفي، نظرًا لوفرة وسهولة الحصول على أكبر عدد من الأشخاص في وقت قصير، كما أنها ساعدت على توسيع دائرة التعارف خارج الحدود الجغرافية والاجتماعية، وأيضًا أتاحت الفرصة للتعارف مع أشخاص من خلفيات وثقافات مختلفة، وبالتالي فقد عملت على تدعيم العلاقات العابرة للحدود، كما أنها فرصة للأشخاص الذين ليست لديهم إمكانية التعرف على أشخاص واقعيين، نظرًا لطبيعتهم الخجولة أو لانشغالهم بالعمل أو بأعباء الحياة.
إلا أنه مع انتشار هذا النمط التكنولوجي في العلاقات العاطفية، فقد ظهرت بعض المعوقات الواضحة التي وقفت حائلًا أمام استمرارية هذه العلاقات، حيث بدأت تطفو على السطح معايير وقيم جديدة تتناسب مع هذا الكيان النمطي. فبعد أن كانت اختياراتنا وقراراتنا مبنية على أسس ومعايير أخلاقية وروحية تتناسب مع معتقداتنا الدينية والمعرفية، أصبحت تُبنى على الانجذاب الشكلي، حيث تلعب الصور والانطباعات السريعة دورًا محوريًا في اتخاذ القرار، كما أن التركيز على المظهر الخارجي أدى إلى تسطيح معايير الاختيار، مما جعل العلاقات العاطفية تُعامَل وكأنها سلعة. بينما في العلاقات التقليدية، كانت القرارات تتشكل تدريجيًا من خلال التفاعل الواقعي الذي يعمل على الفهم العميق للنفس الإنسانية. إن التفاعل غير المباشر قد يؤدي إلى سوء الفهم، حيث لا ينقل دقة المشاعر، وذلك بسبب غياب لغة الجسد ونبرة الصوت والانفعالات الحقيقية التي تكشف الدوافع الخفية. كما قد يُصاب مستخدم هذه الوسائل بالقلق والتوتر نتيجة الانتظار الطويل للاستجابة المتباعدة من الطرف الآخر.
وفي الأغلب، فإن هذا النمط من العلاقات يسمح بتقديم صور مثالية وجمالية للأشخاص، مما يؤدي إلى الوقوع في براثن الكذب والغش والخداع، ويفتح الباب أمام المقارنات، حيث يميل المستخدمون إلى مقارنة علاقاتهم الفعلية بما يرونه من صور مثالية، مما يدفعهم إلى الشعور بعدم الرضا.
لذلك، فإن هذه العلاقات في حاجة إلى أشخاص أمناء وصادقين حتى يقدموا الحقيقة دون تزييف. كما تعتمد هذه العلاقات على الالتزام الأخلاقي، حيث نجد أن الأغلبية تعمل على تجاهل الطرف الآخر والاختفاء التدريجي، وذلك نتيجة لوجود اختيارات أفضل، وفي أحيان أخرى تكون وسيلة للتلاعب بمشاعر الآخرين، خاصة صغار السن، كما أتاحت الفرصة للبعض بإقامة علاقات غير شرعية.
بالإضافة إلى ما سبق، فإن العلاقات العاطفية في عصر التكنولوجيا، وطبقًا للدراسات الحديثة، فقد ثبت أنها تؤثر على الصحة النفسية بشكل مباشر، فهي تصيب الأشخاص بالقلق والتوتر، كما سبق القول، بسبب التجاهل أو الرفض أو المقارنات المستمرة، مما يؤدي إلى انخفاض تقدير الذات (Low Self-Esteem). وفي أحيان أخرى، يشعر الشخص بانتهاك خصوصيته. كما أن تعوّد الشخص على هذا النمط من العلاقات قد يصيبه بالإدمان، ومن نتائج هذا الإدمان الشعور بالعزلة الاجتماعية، بالإضافة إلى تأخر سن الزواج، وخاصة بالنسبة للفتيات.
كيف نتجنب هذا النمط من العلاقات العاطفية؟
لا بد من الاعتراف بأن هذا النمط من العلاقات العاطفية ليس من السهل التخلي عنه، حيث لا يمكن الفصل بين الحياة التكنولوجية التي نحياها، والتي طبعت صورتها على كياننا، وبين حياتنا الوجدانية؛ فهي منظومة متشابكة ومعقدة وأيضًا فريدة من نوعها. ولكن من الممكن إحداث التوازن النفسي في العلاقات، وذلك بعدم الاعتماد الكلي على العالم الافتراضي، وقد يحتاج هذا التوازن إلى الفهم العميق لاحتياجاتنا الشخصية ودوافعنا وأهدافنا، بالإضافة إلى محاولة فهم الواقع المعاش؛ فاللقاء التفاعلي المباشر يساعد على الفهم الجيد للعلاقات العاطفية، فالنفس الإنسانية أكثر عمقًا وتعقيدًا.
وأخيرًا، لا بد من الاقتراب أكثر من الإله الخالق الذي شكّلنا على صورته الكاملة، حتى تستنير عيون أذهاننا، لندرك قيمتنا وكياننا الحقيقي، وأن ندرك أيضًا دعوتنا وهدفنا في الحياة، وأن نثق أن ما نحمل من المشاعر والعواطف هو جزء ثمين ومقدس من حياتنا الإنسانية، فعلينا أن نوجهه بقيادة الروح القدس في المسارات الصحيحة.