مينا م. يوسف
لعلك قد سمعت هذه العبارة من قبل، إما في صورة تساؤل صادق، أو في صيغة اتهام بأن وجود عبادة نظامية في الكنيسة قد يقوض عمل الروح القدس بحرية في وسط جماعة المؤمنين. وسأبدأ بموقف شخصي وقع لي، لعله يُعيننا على إدراك أهمية العبادة النظامية، أو ما يُعرف بالليتورجيا، في حياة الكنيسة.
منذ عدة أعوام اتصل بي قسيس حاصل على درجة الماجستير في اللاهوت من إحدى أعرق كليّات اللاهوت الإنجيليّة في منطقتنا العربية. وأثناء حديثنا عن سُبل التعاون في الخدمة بيننا، وجدتني -لكثرة تنوع المدارس اللاهوتية من حولنا -مضطرًا أن أسأله عن انتمائه اللاهوتي. وبشيء من السذاجة، كنت أتوقع أن تكون الإجابة على نحو: كاريزماتي، معمداني، مُصلح… إلخ. غير أن إجابته فاجأتني إذ قال: “لستُ كاثوليكيًا (ولا أرثوذكسيًا)”. فأعدت عليه السؤال ثانية، مستغربًا أن يجيب قسيس محسوب على التيار البروتستانتي بهذا الأسلوب. فأجابني من جديد بأن هذه التصنيفات لا تعنيه، فهو يعتبر نفسه مسيحيًا فحسب، لأنه لم يُحب يومًا الطقس أو القداس!
لقد استوقفني هذا الموقف، وأرجو أن يكون كاشفًا لك كما كان لي. فكنائسنا الإنجيلية باتت تعج بأناس لم يجتذبهم الإيمان بالعقائد الإنجيلية الكتابية بقدر ما دفعتهم مشاعر النفور من العبادة الطقسية النظامية السائدة في بعض الكنائس. ولست هنا بصدد نقد الطقوس في الكنائس التقليدية، ولا كيف حول النظام الكنسي من كونه إطارًا يحدد ملامح إيمان الجماعة إلى غاية في ذاته، بل إلى قيدٍ خانق في بعض الأحيان.
غير أن ما يعنيني هنا هو شأن بروتستانتي داخلي. إذ أصبحت كنائسنا الإنجيلية في كثير من الأحيان لا تُعنى بالعقيدة، ولا بدستور الكنيسة، ولا بتقديم عبادة نظامية راسخة على أساس الكتاب، بل انشغلت بمحاولة استيعاب الشباب الناقمين على الطقوس المفرطة، وذلك من خلال تقديم عبادة فوضوية تُسوّق تحت شعار “حرية الروح” في وسط الكنيسة!
مع أن ما يُميز العبادة النظامية في الكنائس الإنجيلية المصلحة على اختلاف طوائفها -مشيخية، أسقفية، لوثرية، ومعمدانية- هو أنها تضع إطارًا عامًا للعبادة، يوفق بين أمرين: أولًا، النظام والترتيب الذي يضبط الخدمة الكنسية؛ وثانيًا، المساحة المفتوحة لحرية اختيار الترانيم، والقراءات، والصلوات، بحسب إرشاد الروح القدس.
ومن هنا يحسن بنا أن نطرح عدة أسئلة جوهرية حول العبادة النظامية: أَوليست هي أمرًا كتابيًا؟ وهل مارستها الكنيسة الأولى؟ وما مكانتها وأهميتها في حياة الكنيسة؟
أولًا: هل العبادة النظامية أمر كتابي؟
إن النظام العبادي العام للكنيسة، أو ما يُعرف بالليتورجيا، هو أمر كتابي أصيل. فمن الناحية الاصطلاحية، فإن كلمة ليتورجيا (λειτουργία) في أصلها اليوناني تتألف من مقطعين: Leitos وتعني “الشعب” أو “العامة”، وErgon وتعني “الخدمة”. فهي إذن تشير في جوهرها إلى “الخدمة العامة” أو “العمل الجماعي (Public Service). “وقد استُخدمت هذه الكلمة في أثينا القديمة للدلالة على أي عمل عام يُقدم لصالح الشعب. ومع مرور الزمن اكتسبت بُعدًا دينيًا، فأُطلقت على كل عبادة جماعية أو خدمة تُقدم للآلهة. ثم جاء المسيحيون الأوائل فوظّفوا المصطلح ذاته للدلالة على خدمة الكلمة في اجتماعات العبادة الكنسية، وكذلك على كسر الخبز والمعمودية.
وفي أسفار العهد الجديد نجد مصطلح ليتورجيا (λειτουργία) مستخدمًا من قِبَل الكتّاب الملهمين للدلالة على معانٍ متعدّدة. فقد استُخدم المُصطلح في (لوقا١: ٢٣؛ العبرانيين٩: ٢١) للإشارة إلى العبادة النظامية في هيكل العهد القديم. ووظفه كاتب الرسالة إلى العبرانيين في (العبرانيين٨: ٦) للإشارة إلى خدمة المسيح، أي عمله الخلاصي الكامل. واستخدمه الرسول بولس في (فيلبي٢: ١٧، ٣٠؛ ٢كورنثوس٩: ١٢) ليصف به الخدمة في زمن العهد الجديد بشكلٍ عام.
وربما يمكن لسفر (أعمال الرسل13: 1–2) أن يعطينا لمحة عن السبب الذي لأجله أصبح تُطلق على الخدمة النظامية والعبادة الكنسية مصطلح ليتورجيا منذ عصور المسيحية الباكرة. فيقول لوقا:
وكان في أنطاكية في الكنيسة هناكَ أنبياء ومعلمون… وبينما هم يخدِمون [λειτουργέω] الرب ويصومون، قال الروح القدس: «أفرزوا لي برنابا وشاول للعمل الذي دعوتهما إِلَيْهِ». فَصَامُوا حِينَئِذٍ وَصَلُّوا وَوَضَعُوا عَلَيْهِمَا الأَيَادِيَ، ثُمَّ أَطْلَقُوهُمَا.
وهنا، يمكن أن نُلاحظ أن الخدمة أو الليتورجيا في كنيسة أنطاكية لم تعيق عمل الروح القدس، بل نراه يتحرك بحريّة ويفرز شاول وبرنابا للخدمة.
فكل اجتماع كنسي، حتى وإن أنكر مبدأ العبادة النظامية، لا يخلو من نظام وترتيب اتفق أعضاؤه على اتباعه. فحتى الكنائس الأكثر انتقادًا للعبادة النظامية، لها نمط خاص وترتيب معين، فهل حال ذلك دون عمل الروح القدس في وسطها؟ كما نرى في سفر أعمال الرسل عمومًا، وفي رسائل الرسول بولس خصوصًا، حرصًا واضحًا على تنظيم شؤون الكنيسة وترتيبها. فهل أعاق هذا النظام عمل الروح القدس بينهم؟ وأيضًا نقرأ في العديد من المواضع في العهد القديم امتلاء خيمة الاجتماع أو الهيكل (حيث وضع الله عبادة نظامية لشعبه القديم) بمجد الله وحضوره. فهل أعاق هذا النظام عمل الروح القدس وسط شعبه؟
في الحقيقة، إن قول البعض إن ثمة أمر يقدر على إعاقة عمل الروح القدس بحرية يتعارض مع قول الرب يسوع بنفسه حين قال لنيقوديموس الفريسيّ الطقسيّ إن الروح يهب حيث يشاء (يوحنا3: 8). فالله مُطلق الحريّة والسيادة للتحرّك كيفما يشاء وأينما يشاء، ولا يوجد من يمنع يده أو يقول له ماذا تفعل (دانيال 4: 35).
ثانيًا: هل مارست الكنيسة الأولى العبادة النظامية؟
هناك أراء متباينة حول مدى تأثير المجامع اليهودية على العبادة الكنسية في القرون الأولى للمسيحية. ففريقٌ منهم يرى أثرًا واضحًا لنمط العبادة في المجامع على العبادة المسيحية الناشئة، إذ لم تنشأ العبادة المسيحية من فراغ، بل تكوّنت أساسًا من مؤمنين من أصل يهودي. بل حتى بعد قيامة المسيح، يخبرنا سفر الأعمال أن التلاميذ كانوا يواظبون على الذهاب إلى الهيكل اليهودي (أعمال٢: ٤٢، ٤٦–٤٧). ومن ثم، فمن الطبيعي أن تتأثر بنية العبادة الليتورجية في الكنيسة الأولى بالطابع السائد آنذاك في المجامع اليهودية. ويقودنا هذا الرأي إلى إعادة قراءة بنية ومحتوى العديد من الليتورجيات الكنسيّة المبكرة -مثل الإفخارستيا والصلاة الربانية- في ضوء العبادة اليهودية في القرن الأول.
وعلى الجانب الآخر، يرى بعض الدارسين -ومنهم جوزيف هاينمان- أنّه لا يمكن الجزم بطبيعة أو مدى التأثير الذي تركته المجامع اليهودية على العبادة الكنسيّة. ويُعلِّلون ذلك بأن العبادة في المجامع اليهودية لم يكن لها شكل موحّد في القرن الأول الميلادي، بل ظلّت متنوّعة حتى سعى اليهود الرابّيون إلى تحديدها وتوحيدها في القرنين الثاني والثالث. ومن ثَمَّ، فإن أقصى ما يمكن ملاحظته هو وجود بعض أوجه التشابه بين ما كان يجري في المجامع اليهودية وبين ما نجده في الليتورجيات الكنسيّة المبكّرة، مثل:
قراءة الأسفار المقدسة: التوراة والأنبياء في المجامع اليهودية، والأناجيل والرسائل في الكنائس المسيحية.
شرح النصوص المقروءة وتفسيرها.
تلاوة صلاة الشِماع في المجامع اليهودية (تثنية 6)، ومقابلها ترديد الصلاة الربانية في الكنائس، ثم لاحقًا إضافة قوانين الإيمان وإقراراته.
تقديم صلوات عامّة من أجل شؤون متنوّعة، مثل الأواشي في الكنيسة القبطية، أو ما يُعرف في المجامع اليهودية باسم Tefillah.
وهكذا يتبين أن العبادة النظامية ليست أمرًا غريبًا ولا دخيلًا على كنيسة المسيح. لكن حقيقة أن بعض الكنائس قد أصبحت أسيرة لطقوس ابتدعتها لنفسها، حتى صار الشعب والخدام في خدمة الطقس بدلًا من أن يكون الطقس في خدمة الشعب، لا تعني أبدًا أن تتحوّل كنائسنا الإنجيلية إلى سوق تجاريّ يلهث وراء إرضاء رغبات المستهلكين بتقديم أحدث الصيحات.
ثالثًا: ما أهمية العبادة النظامية لحياة الكنيسة؟
دُعيتُ مرة لأعظ في إحدى الكنائس، وبعد انتهاء العظة تقدم إليَّ رجل في أواخر الخمسينات من عمره، وصافحني ثم بدأ يسألني ويجادلني حول ما إذا كان للرب يسوع جسد حقيقي كامل الإنسانية. ومن خلال نقاشه أدركت أنّه يعتنق أفكارًا قريبة من هرطقة “الانتحاليين” (Docetism) التي ظهرت في أواخر القرن الأول وبدايات القرن الثاني الميلادي، والتي أنكرت حقيقة جسد المسيح وادّعت أنّه لم يتجسّد تجسّدًا حقيقيًا. وعلمت بعد ذلك من راعي الكنيسة أنّه من أكثر المواظبين على الحضور وأكثرهم التزامًا في كل الاجتماعات والأنشطة، ومع ذلك لا يؤمن بالتجسّد الحقيقي للمسيح!
تُرى، كيف لشخص يعتنق تعليم مثل هذا، ولا يزال يشعر بأنه جزء منتمي لكنائسنا؟ تُرى لو دعا راعي هذا الكنيسة مؤمني كنيسته في كل اجتماع أن يقفوا جميعًا ليُعلنوا معًا إيمانهم عبر تلاوة قانون إيمان الرسل، أو قانون الإيمان النيقاوي، أو حتى مقطع من إقرار إيمان وستمنستر، أو إقرار لندن المعمداني، هل سيظل ذلك الشخص يشعر بأنه ينتمي لجماعة المؤمنين هذه؟
إن العبادة النظاميّة ليست ترفًا يختاره المترفون، بل هي ضرورة وجودية ترسم الإطار العام لإيمان الكنيسة، وتحفظها من أن تتقاذفها كل ريح تعليم. فهي تُشيد حول الكنيسة سورًا متينًا، يفصل بين الإيمان المسلَّم مرة للقديسين، وبين الهرطقات التي يُعاد تدويرها بين حين وآخر.
بعكس العبادة غير النظامية، والتي هي في الغالب عبادة مزاجية تخضع لأهواء وشعور قائد العبادة، وتركز في كثير من الأحيان على مخاطبة المشاعر أكثر من ترسيخ الحقائق الكتابية؛ فإن العبادة النظامية، عبادة غنية، تقودنا إلى حقائق لاهوتية جوهرية نميل كثيرًا إلى إغفالها أو تجنب الحديث عنها، مثل عقيدة الثالوث، وصعود المسيح، والاعتراف بخطايانا، وغيرها. فهي تأخذنا، في كل مرّة، في رحلة متكاملة عبر قصة الكتاب المقدّس: من الخلق، إلى السقوط، ثم الفداء، فالقيامة، وأخيرًا المجيء الثاني.
كما أن العبادة النظامية الكتابية هي عمل جماعي منظور، تعترف فيه الكنيسة كجسد واحد بخطاياها، ويعلن كل فرد بصوت واحد بنود الإيمان، ويرتفع الشعب معًا بالتسبيح احتفالًا بالخلاص، وبمصالحتهم مع الله ومع بعضهم البعض. ومن خلالها نؤكد أن إيماننا اليوم ليس أمرًا مبتدعًا في كل جيل، بل هو امتداد لإقرار الكنيسة وإيمانها عبر القرون. فنحن لا نعيد اختراع العجلة، بل نقف على أكتاف عمالقة من رجال الكنيسة الذين جاهدوا في ظل اضطهادات وظروف قاسية ليشرحوا لنا هذا الإيمان ويسلموه بأمانة.