21.4 C
Cairo
الخميس, أبريل 30, 2026
الرئيسيةفكر مسيحيصورة الخطية بعدسة إشعياء..!!

صورة الخطية بعدسة إشعياء..!!

د.ق چورﭺ شاكر
نائب رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر

في الإصحاح الأول من سفر إشعياء، ترصد عدسة الوحي المقدس الخطية في عدة صور، وهي كالآتي:

الصورة الأولى: صورة الابن العاصي

(إش1: 2) فمكتوب: “ربيت بنين ونشأتهم، أما هم فعصوا عليّ”. هذه الآية تصور الخطية أنها عصيان الله وعدم تنفيذ وصاياه؛ كيف لا؟ ألم تكن خطية آدم هي عدم طاعته للوصية الإلهية، وعصيانه للرب؟! والدارس للشريعة الموسوية يجد أن عقوبة الابن العاصي المتمرد تصل لدرجة الموت، كما تنص الشريعة: “إذا كان لرجل ابن معاند ومارد لا يسمع لقول أبيه ولا لقول أمه، ويؤدبانه فلا يسمع لهما. يمسكه أبوه وأمه ويأتيان به إلى شيوخ مدينته وإلى باب مكانه، ويقولان لشيوخ مدينته: ابننا هذا معاند ومارد لا يسمع لقولنا، وهو مسرف وسكير. فيرجمه جميع رجال مدينته بحجارة حتى يموت. فتنزع الشر من بينكم، ويسمع كل إسرائيل ويخافون” (راجع سفر التثنية21: 18- 21).

الصورة الثانية: صورة الإنسان الجاهل

(إش1: 3) فمكتوب: “الثور يعرف قانيه والحمار معلف صاحبه، أما إسرائيل فلا يعرف. شعبي لا يفهم”.  ياه… كم هي بشاعة الخطية التي تصور الخاطئ أجهل من الدواب. فالخطية جعلت الشعب لا يعرف ولا يفهم ولا يراجع ولا يتأمل معاملات الله معه عبر تاريخه الطويل. فلقد قال الرب في (هوشع4: 6): “قد هلك شعبي من عدم المعرفة”. وقال الرب يسوع: “تضلون إذ لا تعرفون الكتب” (مت22: 29)، وقال: “وتعرفون الحق، والحق يحرركم” (يو8: 32). وفي (مز14: 1)، والدليل على ذلك يقول المرنم: “قال الجاهل في قلبه: ليس إله. فسدوا ورجسوا بأفعالهم. ليس من يعمل صلاحًا”. لكن الرب من السماء أشرف على بني البشر لينظر هل من فاهم طالب الله؛ فالله يطيل أناته على الخاطئ ليرجع إليه، فهو لا يريد هلاك الخاطئ بل خلاصه، وينتظر الله ليرى هل من فاهم لنفسه وضعفه وخطيته وواجبه ومصيره، هل من فاهم لمحبة الله.

ولعل هذا يفسر ما سجله الرسول بولس وهو يكتب قصة تجديده فيقول: “وأنا أشكر المسيح يسوع ربنا الذي قواني، أنه حسبني أمينًا، إذ جعلني للخدمة، أنا الذي كنت قبلًا مجدفًا ومضطهدًا ومفتريًا. ولكنني رحمت، لأني فعلت بجهل في عدم إيمان.” (1تي1: 12، 13). ويكتب في (1كو2: 2): “لأني لم أعزم أن أعرف شيئًا بينكم إلا يسوع المسيح وإياه مصلوبًا… لأن لو عرفوا لما صلبوا رب المجد”. ولذلك كانت صلاة الرب يسوع على الصليب: “يا أبتاه، اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون” (لو23: 34). نعم! ما أجمل النصيحة التي فاه بها الرب يسوع في (يو7: 17): “إن شاء أحد أن يعمل مشيئته يعرف التعليم”.

الصورة الثالثة: صورة الزوجة الخائنة

في (إش1: 4، 21): “ويل للأمة الخاطئة، الشعب الثقيل الإثم… كيف صارت القرية الأمينة زانية!” صورة قاسية بشعة للخطية يصورها الوحي كَالخيانة الزوجية التي تكسر القلب وتجرح المشاعر، وتفقد الثقة والأمان، وتلطخ قدسية العلاقة والشركة. هذه الصورة توضح أن الخطية هي الزنى الروحي، ولعل هذا يفسر التجربة المريرة التي مر بها هوشع… لكن الله في غنى نعمته وفيض محبته جعل هوشع يفتش عن زوجته الخائنة، ويعيدها إلى بيته وإلى محبته، هكذا يبحث الله عنا في شرنا. كما كان الراعي يفتش عن الخروف الضال، والمرأة تفتش عن الدرهم المفقود، وينتظر عودتنا كانتظار الآب للابن الضال (لوقا ص 15).

الصورة الرابعة: صورة الجسم المريض

(إش1: 5، 6): “كل الرأس مريض، وكل القلب سقيم. من أسفل القدم إلى الرأس ليس فيه صحة، بل جرح وإحباط وضربة طرية لم تعصر ولم تعصب ولم تلين بالزيت”. صورة مرعبة لشخص مريض في المراحل المتأخرة لإصابته ببرص الخطية… حالة ميئوس منها كما يُقال. إنها الخطية التي تجعل الإنسان كمجنون كورة الجدريين الذي يجرح نفسه (مرقس5: 5، 15). نعم! ما أبشع مرض الخطية؛ إنها تدمر الإنسان وتتركه بقايا إنسان، لا بل إنها تصل به إلى درجة الموت، ولكن: “أليس بلسان في جلعاد، أم ليس هناك طبيب؟” (إرميا8: 22).  ما أجمل ما سطره الوحي عن إلهنا الذي يقدر أن يشفي ويخلص إلى التمام فمكتوب: “وكل من لمسه شُفي” (مر6: 56). نعم! لا يستحيل على الرب شيء.

الصورة الخامسة: صورة البلاد الخربة

(إش 1: 7- 9): “بلادكم خربة. مدنكم محرقة بالنار. أرضكم تأكلها غرباء”. نعم! إنها النتيجة الطبيعية والمنطقية للخطية؛ فهي تبدأ بالتمرد والعصيان لتصل إلى دمار الإنسان، فبلا شك هذا النص الكتابي يصف حالة الإنسان الخاطئ الذي يصبح كالأرض الخراب البور التي بلا ثمر، والمكان المهجور المخيف، بعد أن تم نهبه وسلبه من الغرباء. آه… عندما يعلن الله عقابه على الشر كما جاء في (حز5: 14): “وأجعلك خرابًا وعارًا بين الأمم التي حواليك أمام عيني كل عابر”. وفي (مت 23: 38): “يا أورشليم، يا أورشليم! هوذا بيتكم يترك لكم خرابًا”.

الصورة السادسة: صورة المتعبد المزيف

في (إش1: 10- 15) نرى العبادة صورية شكلية ليداري بها شروره وآثامه، بالضبط كالفريسيين (راجع متى ص 23). ونرى العبادة الصورية في الأشكال الآتية:

أ. تقدمات لكن باطلة: (إش1: 11): “لماذا لي كثرة ذبائحكم، يقول الرب. اتخمت من محرقات كباش وشحم مسمنات، وبدم عجول وخرفان وتيوس ما أسر”. لأنها لا تعبر عن تكريس حقيقي للرب، ولا عن طاعة حقيقية له؛ فالله ينتظر أولًا أن تكون حياتنا هي التقدمة التي نقدمها على مذبح التكريس (رو12: 1)، فمكتوب: “هل مسرة الرب بالمحرقات والذبائح كما باستماع صوت الرب؟ هوذا الاستماع أفضل من الذبيحة، والإصغاء أفضل من شحم الكباش” (1صم 15: 22). وقال الرب يسوع: “أريد رحمة لا ذبيحة” (مت9: 13).

ب. العبادة المقترنة بالإثم: (إش1: 13): “لست أطيق الإثم والاعتكاف”، وكما هو مكتوب في (إش29: 13) فقال السيد: “لأن هذا الشعب قد اقترب إليَّ بفمه وأكرمني بشفتيه، وأما قلبه فأبعده عني”.

ج. أعياد بلا محبة وبلا شركة: (إش1: 13، 14) كان الشعب يهتم كثيرًا بالأعياد والمناسبات لأنها كانت أوقاتًا للفرح، ولأنها كانت تمثل شركة الشعب مع الله ومع بعضهم البعض؛ وبالرغم من هذا لم تكن هناك شركة محبة حقيقية، ولا علاقة صادقة مخلصة مع الله، ولا مع بعضهم البعض، ولذلك يقول الرب عن أعيادهم: “بغضتها نفسي. صارت عليّ ثقلًا. مللت حملها”.

د. أيدٍ مصلية لكنها ملوثة:( إش1: 15، 16): يرفعون أيديهم في الصلاة، ومع هذا فهي ملطخة بالشر والخطية؛ فيقول الرب لهم: “وإن كثرتم الصلاة لا أسمع. أيديكم ملآنة دمًا”.

الصورة السابعة: صورة القضاء الظالم

(إش1: 17، 23): “انصفوا المظلوم. اقضوا لليتيم. حاموا عن الأرملة”… لا يقضون لليتيم ودعوى الأرملة لا تصل إليهم”. وهنا نرى الخطية في صورة غياب القانون، والعدالة الغائبة، والرشوة التي تعوج القضاء. فإلى مَنْ يلجأ مَنْ يطالب بحقوقه إذا كان الشر بهذه الصورة الظالمة؟ نحتاج أن نتعلم أن تكون الكنيسة بالفعل عمود الحق وقاعدته (1تي3: 15).

بعد أن يصف الله أمراضنا وخطايانا، يدعونا لبداية جديدة معه، ويعطينا مطلق الحرية في أن نقبل أو نرفض؛ فإذا قبلنا دعوته وسمعنا لصوته نتمتع بوعوده التي تغطي مسيرة العمر كله، أما إذا رفضنا نداءه فهنا نجد الوعيد ينتظرنا، فمكتوب في (إشعياء1: 20 و24 و28– 31): “وإن أبيتم وتمردتم تؤكلون بالسيف. لأن فم الرب تكلم”.

عبرة في عبارة: الخطية والعقاب يتزاملان والتوبة والغفران يتلازمان

مقالات أخرى

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا