20.4 C
Cairo
الأحد, مايو 24, 2026
الرئيسيةكتاب الطريقالدوافع السيكولوجية لظاهرة اختفاء الفتيات

الدوافع السيكولوجية لظاهرة اختفاء الفتيات

د. فيولا موريس

كنتُ في زيارة قصيرة لبلدنا الحبيب مصر، وقد لاحظتُ أن أغلب الناس مهمومة بما يحدث من ظواهر متعددة بدأت تطفو على السطح وقد ساهمت في تغيير ملامح المجتمع المصري، ومن أهم هذه الظواهر اختفاء الفتيات الصغيرات القبطيات وخاصةً في صعيد مصر. وقد أتيحت لي الفرصة أن أطّلع على بعض المشاكل التي تعاني منها الأسر المصرية في تلك المناطق، وذلك من خلال شقيقتي التي تقوم بالعمل التطوعي في خدمة الأسر التي تعاني من الاحتياجات النفسية والمادية.

ويمكنني القول إن هذه الظاهر ة تتضافر فيها عوامل معقدة ومتعددة، إلا أنه من المؤكد أن هناك دوافع نفسية لها الدور الرئيسي في إبراز هذه الظاهرة، ومن أهم هذه الدوافع ما يلي:

– الضغوط الأسرية والصراعات العائلية:

تلعب الأسرة دورًا محوريًا في تشكيل شخصية الفتاة، إلا أن بعض أنماط العلاقات الأسرية قد تؤدي إلى صراعات داخلية وقد تصيب الفتاة بالإحباط والضغط النفسي، وذلك مثل التسلط أو العنف البدني أو الأذى اللفظي أو الاعتداء الجنسي من أحد أفراد الأسرة أو التمييز في المعاملة أو الشعور بالظلم والقهر، بالإضافة لعدم تفهم الأسرة للغة الحوار أو تطلعات الأجيال الجديدة مما يزيد من وجود فجوة بين الأجيال في التفكير وفي أسلوب الحياة. كل هذه العوامل تدفع الفتاة للهروب من هذه البيئة، وذلك لشعورها بعدم الأمان، وللبحث عن بيئة تشعر فيها بالتقدير والرغبة في إثبات الذات، وقد تلجأ إلى إقامة علاقة عاطفية خارجية تجد فيها التعويض عما تفتقده.

إن هذا الهروب هو إحدى صور الآلية النفسية الدفاعية للتعامل مع ما تعانيه من إحباط وضغط نفسي، وللتعبير عن مشاعرها السلبية.

– التفاوت بين الإمكانيات والتطلعات:

لا يقتصر الحرمان على الفقر ونقص الموارد، بل أن التفاوت بين الإمكانيات الواقعية المعاشة للفتاة وبين تطلعاتها في حياة أفضل قد يؤدي إلى الشعور بالحرمان، فالمقارنة بين ما تمتلكه وما تراه لدى الآخرين قد تُشعِرها بعدم العدالة نظرًا لوجود فجوة ساحقة بينهما. وقد ساعد على إحداث هذه الفجوة هو ما تعرضه وسائل الإعلام من أحدث ما وصلت إليه الموضة في كافة المجالات، سواء الأزياء أو أدوات الزينة أو حتى الأجهزة الإلكترونية.

لقد أصبحت الفتيات أكثر تطلعًا على أنماط الحياة المختلفة، خاصةً المبنية على المظاهر الخارجية المبهرة، حيث لا تجد مساحة كافية لها لتحقق طموحاتها وتطلعاتها في وسط هذا الكم الصاخب المليء بالمغريات والمثيرات المختلفة.

– الشعور بالاغتراب وفقدان المعنى:

قد يكون الهروب أو الاختفاء ليس مجرد رد فعل على مشكلة ما، بل تعبيرًا عن بحث أعمق عن الهوية والاستقلالية، حيث ينتابها الشعور بأزمة الهوية أو الوجودية والإحساس بالاغتراب داخل أسرتها، فهي غير قادرة على تحقيق ذاتها، إذ تشعر بأنها غير مفهومة وغير مقدَّرة لذلك، فهي تسعى إلى خلق مساحة جديدة تعيد فيها تعريف نفسها وتجد فيها حريتها المنشودة بعيدًا عن القيود الأسرية.

– ضعف المتانة الأخلاقية والروحية:

لقد توارى دور الأسرة في تربية الأبناء التربية الأخلاقية والروحية، حيث لم تهتم بغرس قيم ومبادئ الملكوت المبنية على الحق والخير والحب، إذ قد تبنت قيم المجتمع فسمحت بأن تتسرب لها المبادئ والمعايير المبنية على الكذب والالتواء والنفاق وعدم الاستقامة. وأصبحت المفاهيم مغلوطة، فالكذب أصبح فهلوة، والالتواء شطارة، والنفاق مجاملة، وعدم الاستقامة حكمة. وهكذا تلوثت المبادئ الأخلاقية، في حين أن السيد المسيح دعانا أن نكون مؤثرين، وذلك باختلافنا عن المجتمع. إن وعي الأسرة بالالتزام بالتعاليم المسيحية وبثها في نفوس الأبناء يحصن فتياتنا من تيارات العالم المحملة بالقيم والمبادئ الهابطة (هلك شعبي من عدم المعرفة).

ومن العوامل التي تساعد على ضعف المتانة الأخلاقية والروحية عدم وضع حدود في العلاقات مع الآخرين، والانفتاح الكامل على كل ما يطرحه المجتمع من مبادئ منافية للأخلاق، وكذلك التقليد الأعمى ومحاكاة المجتمع لكل ما هو جديد مثل (التاتو) أو (الفيب) السجائر الإلكترونية.

– الفجوة بين ثقافة الأسرة والمجتمع:

فقد تتبنى الأسرة نمطًا تقليديًا في التربية، بينما تتأثر الفتاة بثقافة أكثر انفتاحًا من خلال التعليم أو الإنترنت أو العلاقات الخارجية. وقد تخلق هذه الفجوة لديها شعورًا بأن القيم المفروضة عليها لا تتوافق مع رؤيتها للحياة، وأن الأسرة لا تتفهم احتياجاتها النفسية، وبذلك فقد يصبح الهروب صراعًا قيميًا وليس فقط مشكلة محددة.

– انعدام القدوة:

حيث أصبحت النماذج الأبوية نماذج مرضية، إذ نجد فيها شخصيات ضعيفة وهزيلة يغلب عليها طابع النرجسية أو السيكوباتية.

– عدم وجود أدوار فعالة في الكنائس:

لقد تراجع دور الكنائس والمتمثل في الرعاة والخدام، إذ لم يعد لها دور مؤثر في حياة الشباب. فالرعاية لم تعد كافية، كما أنها عاجزة عن متابعة حالات الأسر التي تعاني من المشاكل النفسية والاحتياجات المادية، وتركت هذا الدور على الأفراد المتطوعين من الخارج والمثقلين بخدمة هؤلاء الأسر، بالإضافة لعدم وجود كوادر مؤهلة للعمل كمشيرين أو مرشدين نفسيين.

خطوات نحو معالجة ظاهرة الاختفاء:

– لا بد من وعي الأسرة بأن الهدف الأول لعدو الخير هو انقسام أفراد الأسرة حتى لا تتم خطة الله في حياة البشر، لذلك لا بد من تأصيل فيم الملكوت المبنية على الوحدة والحب، “ليكونوا وحدًا كما نحن واحد” (يو 17: 22)، وأن يكون البيت واحة للراحة والهدوء النفسي لكل أفراد العائلة.

– لا بد من تأصيل المتانة المبنية على إعلان الحق، وهذا لا يتأتى إلا بانسكاب الروح القدس في نفوس أفراد الأسرة.

– الصلاة المستمرة، فهي من أقوى الأسلحة التي بها نهدم حصون عدو الخير، ولكي تتم مشيئة الله في العائلة.

– أن تكون لغة الأسرة هي لغة الحب، لكي يُستعلن مجد المسيح في البيت، فيشرق ويضيء ويسطع بنوره.

مقالات أخرى

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا