بقلم بريت ماكغورك – محلل الشؤون الدولية في شبكة CNN
بعد عام واحد فقط، يبدو العالم وكأنه انتقل عبر عقد كامل من التحولات. في مثل هذا التوقيت من العام الماضي، كان جو بايدن لا يزال رئيسًا للولايات المتحدة، وكانت الجهود الدبلوماسية تتركز على وقف إطلاق النار في غزة والإفراج عن الرهائن، بتعاون نادر بين إدارتي بايدن وترامب.
أما اليوم، فإن المشهد الدولي يبدو أكثر توترًا وتعقيدًا:
حشود عسكرية أمريكية غير مسبوقة في البحر الكاريبي منذ أزمة الصواريخ الكوبية، محادثات روسية–أمريكية حول أوكرانيا تُعقد في ميامي، إشراف عسكري أمريكي مباشر على وقف إطلاق النار في غزة، وقمة مرتقبة في بكين قد تحدد مستقبل تايوان والمنافسة التكنولوجية بين واشنطن وبكين.
لم يكن عام 2025 عامًا انتقاليًا بقدر ما كان عامًا مفصليًا، فيما يتشكل عام 2026 كعام حاسم يحمل نقاط تحول قد تعيد رسم النظام الدولي. وفي ما يلي سبع قضايا رئيسية تستحق المتابعة الدقيقة خلال العام المقبل:
أولًا: إسرائيل – انتخابات ستحدد المسار
حققت إسرائيل مكاسب عسكرية لافتة خلال العام الماضي، شملت اتفاقًا لوقف إطلاق النار في غزة، تحرير الرهائن، وإضعاف خصومها الإقليميين، وفي مقدمتهم حماس وحزب الله، فضلًا عن تراجع النفوذ الإيراني.
لكن هذه النجاحات لم تُترجم إلى مكاسب سياسية أو دبلوماسية مستدامة، بسبب الانقسامات الداخلية الحادة وهيمنة أحزاب اليمين القومي المتشدد على الحكومة، ما عطّل أي انفتاح إقليمي جاد.
بحلول 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، يتعين على إسرائيل إجراء انتخابات برلمانية قد تُنهي حالة الجمود السياسي. وستحدد نتائجها ما إذا كانت تل أبيب قادرة على استثمار تفوقها العسكري في تسويات إقليمية، أو ستبقى عالقة في وضع سياسي هش قد يبدد فرصة تاريخية لتوسيع اتفاقيات التطبيع، لا سيما مع السعودية.
ثانيًا: إيران – نظام تحت الضغط
تمر إيران بأضعف مراحلها منذ ثورة 1979. فقد تكبدت خسائر عسكرية جسيمة، وتراجعت شبكاتها الإقليمية، وتوقف برنامجها النووي فعليًا، وفقدت حليفها السوري. يضاف إلى ذلك أزمة اقتصادية خانقة، ونقص حاد في المياه، وغموض متزايد بشأن خلافة المرشد الأعلى علي خامنئي، البالغ من العمر 86 عامًا.
في عام 2026، قد تواجه إيران مزيدًا من الضغوط، سواء عبر ضربات إسرائيلية محتملة أو اضطرابات داخلية، ما يجعل مستقبل النظام مفتوحًا على سيناريوهات غير متوقعة، تتراوح بين الانكفاء أو التصعيد.
ثالثًا: الإرهاب – عودة التهديد
بعد سنوات من التراجع، عاد الإرهاب ليشكل مصدر قلق متصاعد. فالهجمات والحوادث المرتبطة بتنظيم داعش وشبكاته شهدت ارتفاعًا ملحوظًا منذ عام 2022، مدفوعة بالتوترات في الشرق الأوسط.
عمليات إحباط هجمات في الولايات المتحدة وأوروبا، وهجمات دامية في مناطق أخرى، تؤشر إلى عودة النشاط الإرهابي العابر للحدود. ويُحذّر مسؤولون أمنيون غربيون من أن عام 2026 قد يشهد تصاعدًا إضافيًا ما لم يُعاد تفعيل التعاون الدولي الشامل لمكافحة الإرهاب.
رابعًا: فنزويلا – اختبار القوة الأمريكية
نشر الولايات المتحدة قوة بحرية ضخمة قبالة سواحل فنزويلا يعكس تحوّلًا حادًا في السياسة الأمريكية تجاه نصف الكرة الغربي. وتبدو إدارة ترامب عازمة على فرض تغيير سياسي في كاراكاس، ولو بالقوة.
لكن نجاح هذه الإستراتيجية يبقى موضع شك. فمصير الرئيس نيكولاس مادورو خلال عام 2026 سيشكل اختبارًا حقيقيًا لمدى جدية ما تسميه الإدارة بـ”مبدأ ترامب” الجديد، وقد يرسم ملامح الدور الأمريكي في المنطقة لسنوات مقبلة.
خامسًا: أوكرانيا – عام الحرب الخامس
مع دخول الحرب الروسية–الأوكرانية عامها الخامس، يزداد الإرهاق لدى الطرفين، دون بوادر حقيقية على اختراق حاسم. ورغم الخسائر الكبيرة، لا يُظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استعدادًا للتراجع.
تسعى إدارة ترامب إلى اتفاق سلام يقوم على ضمان أمن أوكرانيا مقابل تنازلات إقليمية، لكن نجاح هذا المسار يعتمد على مدى استعداد واشنطن لممارسة الضغط على موسكو، وهو ما قد يجعل عام 2026 عامًا مفصليًا، ليس فقط في ساحة المعركة، بل في السياسة الأمريكية نفسها.
سادسًا: تايوان – على طاولة الكبار
تتصدر تايوان أجندة الأمن العالمي مع اقتراب قمة مرتقبة بين ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ. فالجزيرة تمثل حجر الزاوية في الاقتصاد العالمي، خصوصًا في صناعة أشباه الموصلات.
في ظل استعدادات عسكرية صينية متسارعة، وصفقات تسليح أمريكية غير مسبوقة لتايبيه، يظل السؤال مطروحًا: هل ستتمسك واشنطن بسياسة الغموض الإستراتيجي، أم ستدخل في صفقة كبرى تعيد رسم النفوذ في شرق آسيا؟
سابعًا: الذكاء الاصطناعي – الثورة القادمة
لم يشهد أي ملف آخر صعودًا سريعًا كالذكاء الاصطناعي. المنافسة بين واشنطن وبكين باتت تُقارن بسباق الفضاء خلال الحرب الباردة، مع تداعيات عسكرية واقتصادية هائلة.
إطلاق الصين لنماذج متقدمة بتكلفة منخفضة، والضغوط الداخلية في الولايات المتحدة بشأن الطاقة والبنية التحتية، ينذران بعام 2026 مليء بالاحتكاكات السياسية والتكنولوجية، قد تجعل الذكاء الاصطناعي العامل الأكثر تأثيرًا في تشكيل النظام العالمي خلال العقد المقبل.
خلاصة:
عام 2026 لا يبدو عامًا عاديًا في مسار العلاقات الدولية، بل مفترق طرق حقيقي، حيث تتقاطع الأزمات الجيوسياسية مع الثورات التكنولوجية، وتُختبر فيه قدرة القوى الكبرى على إدارة عالم يتجه سريعًا نحو مزيد من الاستقطاب وعدم اليقين.