ظهر في السنوات الأخيرة مصطلح الشغف، حيث انتشر بشكل ملحوظ حتى صار أكثر المفاهيم تداولًا بين الشباب وعبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وهو مصطلح يُقدَّم بوصفه القوة البناءة التي تدفع الفرد نحو الوصول إلى هدفه، وذلك في مجالات الحياة المختلفة. والشغف يعني اندفاع قوى وحماسة زائدة تجعل الشخص يميل بعمق نحو نشاط أو شخص أو هدف معيّن، بحيث يشعر بالمتعة والحماس عند ممارسته. وهو دافع داخلي يعمل على استمرارية الأداء القوي، وقد يؤدي إلى الإبداع والابتكار في مجال العمل أو الدراسة. وهو يُعرَّف بحالة من التدفق (Flow)، وهي حالة ذهنية يتوحد فيها الشعور بالتركيز والمتعة.
أما على الجانب العلاقاتي، فهو يعني ارتباطًا عاطفيًا عميقًا يدفع الفرد إلى التقرب من شخص آخر برغبة مستمرة في التواصل، وهو يختلف عن الإعجاب لأنه يحمل اندفاعًا داخليًا وحماسًا قد ينعكس على سلوكيات الفرد وتفكيره، ويشعره بأن هذه العلاقة جزء أساسي من هويته.
ويُعتبر الشغف صحيًا شريطة أن يحتفظ الشخص بالتوازن النفسي، حيث يمكنه السيطرة على اندفاعه وحماسه، وأن يوازن بين هذه العلاقة وبقية جوانب حياته. وفي هذه الحالة يُعتبر الشغف عنصرًا داعمًا للعلاقة، حيث يصبح محفزًا للتقارب، فيساعد على فهم الآخر وبناء مساحة مشتركة من القيم والاهتمام. كما أنه يدفع إلى العطاء الذي يُشعر الطرف الآخر بالأمان والتقدير، بالإضافة إلى أنه يعمل على خلق مناخ من الدفء العاطفي الذي يساعد على الانفتاح والحوار الجيد.
ومع ذلك فإن الشغف ليس ثابتًا أو أحادي الاتجاه، فهو يتغير ويتطور بحسب نضج الطرفين.
وقد يصبح الشغف قهريًا، وذلك عندما يتحول من طاقة إيجابية قادرة على تقوية العلاقات إلى طاقة ضاغطة، عندما يفقد الشخص توازنه النفسي، أي يكون غير قادر على إدارة مشاعره أو تنظيم شغفه واندفاعه وحماسه.
ومن أهم مظاهر الشغف القهري:
التخلي عن الهوية الشخصية، حيث يعتقد الشخص أن السعادة لا تتحقق إلا بوجود الطرف الآخر.
محاولة السيطرة على الطرف الآخر، وذلك بعدم منحه مساحة من الحرية أو فرض سلوكيات معيّنة عليه، وذلك بدافع الغيرة غير المنطقية.
تجاهل عيوب الطرف الآخر ومحاولة تبرير أخطائه، حيث يضع صورة مثالية له في خياله.
التعلق غير الصحي والاعتمادية المفرطة على الطرف الآخر لتحقيق الشعور بالقيمة.
فقدان الحدود الشخصية، حيث يتخلى الشخص عن حياته الخاصة وهواياته وأصدقائه، مما يساعد على سرعة فقدانه لتوازنه النفسي.
أو قد يصل الأمر إلى حالة من فقدان الشغف التام، فيتحول الشخص إلى الاتجاه المضاد والمغاير تمامًا، فنجد أنه يفقد شغفه وبالتالي حماسه واستمتاعه بالعلاقة، ليصل إلى حالة من الفتور والنفور.
وهو ما يفسر لنا سلوكيات بعض الشباب الذين يُقبلون بحماسة واندفاعية نحو الارتباط بشخص ما، ثم نجدهم فجأة، وبعد فترة قليلة، قد تحوّلوا من الشغف والحماسة إلى النفور والفتور العاطفي، ثم تنتهي العلاقة بالترك.
كيف يمكننا الاستمتاع بالشغف الصحي:
لضمان أن يكون الشغف قوة دافعة وبنّاءة في العلاقات، لا بد أن نعمل على تحقيق التوازن النفسي، وذلك باتباع الخطوات التالية:
الوعي بالذات: من المهم أن ندرك حقيقة مشاعرنا ودوافعنا، بحيث نكون قادرين على إدارتها بحكمة وفهم جيد، كما نعي حدودنا الشخصية، بحيث لا نسمح للحماسة والاندفاع أن يفقدانا هويتنا.
تحقيق التوازن بين العاطفة والمنطق العقلي، وذلك لتجنب الاندفاع والحماسة الزائدة التي قد تدفعنا إلى التعلق المفرط بالطرف الآخر.
لا بد من التعبير عن رغباتنا ومخاوفنا بشفافية، حتى نتمكن من اكتشاف حقيقة دوافعنا ووضعها في حجمها الطبيعي.
احترام مساحة الطرف الآخر دون محاولة السيطرة عليه، وذلك عن طريق الوعي بالاختلافات؛ فالعلاقات لا تُبنى على التطابق بل على التفهم والتفاهم.
والأهم من كل ذلك هو أن تكون لنا شركة حيّة مع الإله المحب، لنستمتع بدفء حبه، وأن نطلب انسكاب الروح القدس ليوجّه مشاعرنا ودوافعنا بحكمته السماوية، ويقود خطواتنا، حتى يمكننا الاستمتاع بالشغف فيكون لنا بركة، وبها نبارك الآخرين، إذ المُروَى هو أيضًا يُروي.