الدهشة

5

 د. مراد وهبة

كان أرسطو أول مَنْ فطن إلى العلاقة العضوية بين الدهشة والتفلسف عندما قال في كتابه المعنون “ما بعد الطبيعة”: إن الفلسفة وليدة الدهشة. ومعنى هذا أنك لا تتفلسف إلا إذا أصابتك الدهشة. لماذا؟ لأن الدهشة تشير إلى تناقض في وضع قائم مأزوم وإزالته تكون لازمة من أجل استدعاء وضع قادم ليحل محل الوضع القائم المأزوم. وهذه الإزالة يقوم بها العقل. بيد أن هذه الإزالة تنم عن أحد ضربين: إما إزالة بهدف إقصاء أحد الطرفين المتناقضين، وإما رفع التناقض إلى تناقض أعلى.

وأول تناقض اندهش له الإنسان أو بالأدق الفيلسوف هو مفهوم الحقيقة، وقد حدثت هذه الدهشة في القرن الخامس قبل الميلاد مع فيلسوف يوناني اسمه بروتاجوراس. تساءل: ما الحقيقة؟ وما دفعه إلى هذا التساؤل هو اندهاشه من تغير الحقيقة، لأن تغيرها يعني أنها لم تكن حقيقة، وهو الأمر الذي من شأنه إحداث بلبلة ذهنية تفضي إلى تدمير سكينة النفس. وكان دليله على تغير الحقيقة أن هواء بعينه يرتعش منه الواحد ولا يرتعش منه الآخر. فماذا عسى أن يكون الهواء في ذاته؟ ومع ذلك فإن هذا السؤال ذاته قد أشار إلى دهشة من نوع آخر، وقد جاء على النحو الآتي: هل للهواء جوهر خاص به يشير إلى الثبات دون التغير؟ وكان طاليس من ملطية إحدى مدن جزيرة أيونية في القرن السادس قبل الميلاد هو أول فيلسوف يثير هذا السؤال. وقد لخص أرسطو جواب طاليس في قوله إن الماء هو علة الأشياء كلها، وترتب على ذلك قوله إن الأرض تطفو فوق الماء. والذي أدى به إلى هذا القول هو ملاحظة أن الأشياء تتغذى من الرطوبة، وأن الحر نفسه ينشأ عنها. وكل مَنْ جاءوا بعده ساروا على المنوال ذاته في البحث عن علة الأشياء، وإن كانت هذه العلة تتخذ أسماء غير الماء مثل القول بمادة لا متناهية على حد قول أنكسيمندريس، أو الهواء عند أنكسيمانس، أو اللوجوس الذي معناه العقل عند هرقليطس. وهم كلهم في ذلك البحث قد أحالوا المعرفة الناشئة من الدهشة إلى معرفة منظمة. هذه المعرفة المنظمة أدت إلى نتيجة لا تخطر على البال هي أن ثمة حقيقة واحدة مطلقة تستبعد أية حقيقة أخرى، ومن ثَمَّ فإذا حدث اختلاف فيلزم من ذلك أن تكون هذه الحقيقة الأخرى زائفة. وقد قيل إن الفضل في الوصول إلى هذه النتيجة مردود إلى رحلة طاليس إلى مصر وفيها ارتأى أنها تتميز بكراهيتها للتغير أياً كان إلى الحد الذي أدى بها إلى تذوقها لهذه الكراهية لمدة ثلاثة آلاف عام. ومن هنا اتسم المصريون بعشقهم للتراث. ومما دعم هذا العشق وجود نهر النيل الذي لم يحدث له أي تغيير منذ أن كان. وقد أحدث كل ذلك نوعاً فريداً من التماثل بين الموت والحياة بمعنى اعتقادهم أن الإنسان يولد لكي يموت. وفي هذا السياق، نشأ عصر الأهرام واستمر لمدة أربعة قرون. وكان يقال عن الهرم إنه مقبرة، ومع ملاحظة أن اللفظ الهيروغليفي الذي يعني مقبرة يعني أيضاً الهرم، ومع ملاحظة أخرى أن ديانة قدماء المصريين تدور حول فكرة الحياة وليس على فكرة الموت. أضف إلى ذلك أن الحياة كانت ذات بُعدين: عودة الروح والحياة الآخرة، الأمر الذي استلزم نشأة عِلمين. أحدهما هو علم الطب ليستعان به في تحنيط الجثمان بحيث يظل سليماً ومهيأً لاستقبال الروح عندما تعود إليه. والعلم الآخر هو علم الهندسة العملية الذي كان وسيلة لبناء الهرم. وفي سياق عصر الهرم، كان فرعون يتصف بأنه مطلق، ومن ثَمَّ فإنه كان يتصف بالصفات التي تقال على المطلق، وفي الصدارة تأتي القداسة، ومع القداسة يمتنع النقد. ومن هنا كان فرعون هو إله الشمس، وهو الأمر الذي أدى بهذا الإله إلى رفض قبول آلهة أخرى، ومن ثَمَّ أدمجها في ذاته بحيث يصبح هو الإله الأوحد. ومع حكم الرومان، توقفت الدهشة بحكم تحكم الثقافة اليونانية في شعوب شبه الجزيرة الإيطالية إلى الحد الذي فيه أصبحت روح الثقافة الإيطالية مماثلة للثقافة اليونانية. ولا أدل على ذلك من أن آلهة الرومان مماثلة لآلهة اليونان. فالإله جوبيتر هو الإله زيوس عند اليونان، وأثينا هي مينرفا عند الرومان، وأرتيميس هي ديانا عند الرومان، أما أبولو فقد احتفظ باسمه لدى الرومان. كما تبنى الرومان الأبجدية اليونانية، وتعلموا الشعر والدراما من المؤلفين اليونانيين، كما تمثلوا أسلوب حياتهم على نحو ما هو لدى اليونان.

ومع هجوم البرابرة على الإمبراطورية الرومانية في عام 410 ق.م، انتهت الإمبراطورية. أما البرابرة فقد أتوا من خارج سور الصين العظيم بعد أن اتحدوا وأصبحت لديهم قوة عسكرية. وكان رأي القديس أوغسطين أن سبب سقوط الإمبراطورية في قبضة البرابرة مردود إلى الصراع بين مدينتين: المدينة الأرضية والمدينة السماوية. وكانت رؤيته للمدينة السماوية متأثرة بفكر أفلاطون. وفي سياق المدينتين، كان السؤال المحوري على النحو الآتي: هل لهما حقيقة واحدة أم لكل منهما حقيقتها الخاصة بها؟ وكان عليك أن تختار. وانشغل الفلاسفة بالجواب إلا أن الخلاف بينهم منع الاتفاق، وبالتالي ظل السؤال قائماً كما ظل مانعاً من ممارسة الدهشة في العصور التي قيل عنها إنها عصور مظلمة أو بالأدق عصور خالية من الدهشة. ومع انتهاء هذه العصور، نشأ عصر مغاير قيل عنه إنه عصر النهضة.

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا