في أحداث نزلة جلف… تساؤلات تبحث عن إجابات

14

نشأت أبو الخير        

تابعتُ عن كثب ما تناولته أجهزة الإعلام المختلفة ومواقع التواصل الاجتماعي عما حدث لأقباط مسالمين بسطاء في قرية نزلة جلف بمركز بني مزار بالمنيا. وقعت الأحداث المؤسفة يوم 22/ 10/ 2025 على خلفية اتهام فتى قبطي يبلغ من العمر 18 عامًا بعلاقة مع فتاة مسلمة تبلغ من العمر 16 عامًا، وانتشار شائعات مختلفة كانت كالنار في الهشيم دفعت المئات من الغوغاء للتجمهر بالقرية المسالمة والاعتداءات الغاشمة على منازل الأقباط حتى ممن ليس لديهم صلة قرابة بالشاب المتهم، وذلك في إطار العقاب الجماعي وغلبة الأكثرية على الأقلية، تلك الهجمات العنترية بأحداثها الطائفية أدت إلى ترويع المواطنين الأقباط المسالمين، ولا سيما النساء والأطفال والعجائز، الذين ظلوا يصرخون خلف أبواب منازلهم خوفًا ورعبًا، يستغيثون ويستنجدون والغوغاء في الخارج هائجون يقصفون بيوتهم بالطوب والحجارة ويحاولون تكسير أبوابهم بالعصي ثم قاموا بإشعال النيران في الزراعات والعشش إلى أن وصلت قوات الأمن وسيطرت على الموقف وتم تحويل الشاب لجهات التحقيق. ثم بدأت موجة أخرى من التحريض على مواقع التواصل الاجتماعي وداخل القرية، مما أدى إلى زيادة الاحتقان ولزم الأقباط منازلهم خوفًا ورعبًا وتغيب الأطفال عن مدارسهم، وقام الغوغاء بحصار بعض منازل الأقباط وكأنهم يقومون بحصار عكا وقذفها بالحجارة وسط حالة من الفوضى والهلع. وبدلًا من أن تقوم قوات الأمن بواجبها الوطني برصد هؤلاء المعتدين والقبض عليهم قامت بالسماح لعقد جلسة عرفية يوم 24 أكتوبر لاحتواء الموقف حضرها عمدة القرية محمود أحمد يحيى “ممثل الدولة” وجد الشاب وأسرة الفتاة وكبار عائلات القرية وعدد من المحكمين وكاهن من الكنيسة. واتخذت الجلسة العرفية بعض القرارات التي تم إعلانها بمكبرات الصوت وسط حضور المئات من سكان القرية، وكان أبرز هذه القرارات التعسفية تغريم أسرة الشاب القبطي مليون جنيه وتهجير أسرتين واستمرار الإجراءات القانونية ضد الشاب على أن يقوم عمدة القرية بالإشراف على تنفيذ الاتفاق (وهو المنحاز وغير المنصف). وللأسف انبرى أحد الأقباط المنافقين الذميين المتملقين (ولعله يكون قد أجبر على ذلك) ليقول العبارة التالية: “سامح إسحاق (ويقصد والد الشاب) ونابليون (ويقصد جد الشاب) يبيعوا بيوتهم ويمشوا من القرية”. وعلى أثر ذلك، نُظمت مسيرة بجوار القرية بهتافات دينية وزغاريد النساء بعد تحقيق أهدافهم من قرارات جلسة الصلح العرفية وكأنهم انتصروا في موقعة حطين. والعجيب والغريب في بلاد العجائب والغرائب أن تصدر وزارة الداخلية بيانًا بشأن هذه الأحداث تضمن الآتي: “بشأن حدوث مشاجرة بين عائلتين، والتي نشبت لخلاف عائلتين نتيجة ارتباط فتاة بأحد أبناء العائلة الأخرى، والبعض حاول إضفاء أبعاد طائفية لاختلاف الديانة وتم اتخاذ الإجراءات القانونية والعرض على النيابة التي قررت حبس الشاب”. نجيء إلى الأخطر في البيان: “وأن ذلك أعقب تصالح العائلتين خلال جلسة صلح عرفية وفقًا للعادات والتقاليد السائدة بالقرية وأن ذلك لا يتعارض مع الإجراءات القانونية المتخذة”.

وهنا دعونا نتساءل مع الكثيرين من المتسائلين ورجال القانون والحقوقيين، ونطرح عددًا من التساؤلات والتي تبحث عن إجابات: هل تحولت الجهات الأمنية من حارس للقانون إلى شهود مع انتصار العرف على القانون والدستور؟ رغم أن العرف ليس بديلًا عن القانون، كما أن التغريم والتهجير اللذين تما مخالفان للدستور وفيهما اغتصاب لسلطة التشريع!! إن ذلك يجافي مفهوم الدولة الوطنية والمدنية والدستور الذي يفرض سيادة القانون!! أم إنكم تفسرون القانون والدستور حسب الأهواء؟ ألم ينص الدستور على أنه لا يجوز أن يتم تقرير أي نوع من أنواع الضرائب والغرامات إلا من المشرع؟ كما أنه لا توجد في القانون غرامة تصل إلى المليون جنيه في مثل هذه الحالات!! لماذا تخالفون الدستور الذي نص على تحريم ومنع التهجير القسري؟ هل المبادئ الدستورية حية ناطقة أم حبر على ورق؟ والأفظع أن يكون التهجير بسبب الديانة أو القرابة!! ألا تعلمون أن تكرار هذه الظاهرة باللجوء لهذه الجلسات العرفية والتي هي خارج مظلة القانون يكرس لثقافة الإفلات من العقاب، فمن أمن العقاب أساء الأدب؟ إن سياسة الإكراه على التنازل والتراضي نتيجة حالة الخوف من الاعتداءات ونتيجة سطوة الأغلبية على الأقلية تذكِّرني بما جاء في الآية: “مبرئ المذنب ومذنب البريء كلاهما مكرهة الرب”. إن مثل هذه الجلسات تؤدي إلى ضعف ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة لأن هذه الجلسات تنتصر للأقوى على الأضعف. إن اللجوء لمثل هذه الجلسات يكون أداة لتقويض العدالة وتجاوزًا لمؤسسات الدولة، فالمواطنة هي أساس الحقوق والواجبات. ونفترض جدلًا أن فردًا أخطأ فهناك جهات تحقيق تحاسبه إن أخطأ، فلماذا الاعتداء على جموع المواطنين الذين لم يرتكبوا ذنبًا وليست لهم جريرة؟ ألا تعلمون يا سادة خطورة التكريس لمنطق العقاب الجماعي الذي يولد شعور بالظلم، خاصةً لدى الفئات الأضعف اجتماعيًا أو عدديًا، ويزعزع الانتماء؟ فالقانون وحده هو الضامن لتحقيق العدالة والمساواة، كما أن القضاء هو الجهة الوحيدة المخولة لجبر الضرر والإنصاف وإلا تحول المجتمع إلى غابة تسودها شريعة الغاب. أتتركون العرف ليتحول إلى سلطة موازية للقانون؟ للأسف نشأت هذه الجلسات في ظل غياب الدولة والدولة أصبحت طرفًا يضفي على تلك الجلسات الشرعية. هل أنصفت هذه الجلسة الأبرياء من الأقباط الذين حُطمت بيوتهم وأحرقت زراعاتهم أو عوضتهم؟؟

إننا نطالب بمحاكمة كل مَنْ شارك في الجلسة العرفية بمن فيهم العمدة والكاهن والعناصر الأمنية والمحكمين. فأن تقع الأحداث الطائفية البغيضة والاعتداءات الغاشمة على الأقباط ثم يتم اللجوء إلى عقد مثل تلك الجلسات العرفية سيناريو متكرر عبر عقود طويلة خاصةً في صعيد مصر وعلى الأخص في المنيا التي حازت لقب “المنياستان”. فالعرف ليس بديلًا عن القانون، ودولة المواطنة يجب أن تكون واقعًا ملموسًا مُعاشًا وليس مجرد نصوص مكتوبة. ثم أين مشروع قانون مفوضية مكافحة التمييز والذي نص علية الدستور في المادة 53؟ إنها تساؤلات أطرحها ويشاركني الكثير من الكُتَّاب والإعلاميين والمفكرين والمثقفين والقانونيين والحقوقيين، تساؤلات تبحث عن إجابات فيما يخص ما حدث في قرية جلف بمركز بني مزار بالمنيا.

وقفات في محطات

من انتخابات الشيوخ إلى انتخابات النواب يا قلبي لا تحزن

في المقال السابق، أشرنا إلى ما حدث في انتخابات مجلس الشيوخ وسياسة ضرب عصفورين بحجر واحد، حيث يقتصر ترشيح نسبة الأقباط في الغالب على السيدات ليمثلن الأقباط من جهة والمرأة من جهة أخرى، بل تمادوا في هذه السياسة في انتخابات النواب أيضًا وقاموا بضرب 3 عصافير بحجر واحد، فلنأخذ قائمة غرب الدلتا نموذجًا والتي خُصص لها 40 مقعدًا يخص الإسكندرية منها 17 مقعدًا احتوت على 8 رجال و9 سيدات منهم سيدتان قبطيتان لتمثلا الأقباط والمرأة وخلت من الرجال الأقباط. وخُصص للبحيرة 19 مقعدًا 10 من الرجال و9 من السيدات منهن سيدة واحدة قبطية (مريانا منصور فوزي) وبها يتم ضرب 3 عصافير بحجر واحد فهي تمثل الأقباط والمرأة وذوي القدرات الخاصة وخلت من الرجال الأقباط. وتم تخصيص 4 مقاعد لمطروح خلت من الأقباط، لتمثل الأقباط في قائمة تضم 40 مقعدًا 3 سيدات من الأقباط ولا عزاء للرجال وكأن رجال الأقباط لا يصلحون للبرلمان، مع العلم أن هذه القائمة والتي أطلق عليها “القائمة الوطنية” هي المرشحة الوحيدة ولا توجد قوائم أخرى تنافسها بعد رفضها ليخلو الجو للقائمة الوحيدة لتفوز بالتزكية بمجرد حصولها على نسبة 5%.

مما حدا بالأستاذ رضا نصيف المحامي بالنقض والنائب السابق بالطعن على الانتخابات مطالبًا بوقفها وبطلان القوائم الانتخابية المعلنة لمخالفتها للدستور وبالطعن أمام القضاء الإداري وتمت إحالة هذا الطعن للمحكمة الدستورية، “فالمشرع قد خصص نسبة 25% على الأقل من إجمالي عدد المقاعد للمرأة كنسبة عامة و3 مسيحيين على الأقل في القوائم الصغرى غرب الدلتا وشرق الدلتا لكن القوائم صدرت وفيها تمييز إيجابي لفئة من المواطنين المسيحيين على أساس الجنس هي النساء، كما تضمنت إقصاءً وحجبًا لفئة من المواطنين المسيحيين على أساس الجنس هي الرجال، وإن القائمين على الترشيحات قد عمدوا إلى إهدار حكم الدستورية والإخلال الجوهري بقواعد التمثيل العادل بين فئات المجتمع وخصوصًا الفئات المدعومة بنص الدستور وهي المسيحيون ومخالفة الدستور وممارسة التمييز والحجب والإقصاء لصالح فئة المرأة على حساب فئة الرجل من بين الفئة المدعومة دستوريًا الواحدة وهي المسيحيين وما تضمنه هذا من تمييز وعدم مساواة وحجب لذات الفئة الانتخابية على أساس الجنس وهي الرجال”. انتهى الاقتباس من كلام أ. رضا نصيف.

*هذا بالإضافة إلى ما شاب العملية الانتخابية من فساد وتزوير وشراء للأصوات، ولعب المال السياسي دورًا بارزًا فأصبح كرسي البرلمان وكأننا في أوكازيون، حيث وصل سعر الكرسي 70 و100 مليون جنية للقادر على الدفع، كما أن الدعاية الانتخابية باهظة التكاليف خصوصًا للأحزاب ذات الحظوة التي تجلس على العرش البرلماني (مستقبل وطن وحماة وطن والجبهة الديمقراطية والجمهوري). هذا بالإضافة إلى تكتل 12 حزبًا داخل قائمة واحدة وليست هناك قوائم منافسة، فهل هذه تُسمى منافسة انتخابية؟ ومن المفارقات رفض ترشيح النائب السابق هيثم أبو العز الحريري والذي سبق وفاز بالعضوية في دورة سابقة، وهو ابن المناضل الوطني الكبير أبو العز الحريري، بلا سبب حقيقي بل بحجة واهية بينما يتم قبول ترشح أحمد خليل عن حزب النور، ذلك الحزب الديني المخالف للدستور. ومن السلبيات قلة المرشحين الأقباط خاصةً في الفردي وسياسة ضرب عصفورين بل و3 عصافير بحجر واحد للمرأة على حساب الرجل من الأقباط بما يخالف النسبة العامة وفقًا للدستور، وهو ما يمثل إجحافًا بحق الأقباط من الرجال، وهذا ما أدى إلى إحجام المواطنين عن الإدلاء بأصواتهم وأصبحت اللجان شبه خالية إلا من بعض السيدات والشيوخ. فقد المواطنون الثقة في مجلس النواب السابق لموافقتهم على القوانين التي تتقدم بها الحكومة والتي لا تجد قبولًا شعبيًا وكان آخرها قانون الإيجار القديم، وها هو رئيس الجمهورية يتدخل ويطالب الهيئة الوطنية للانتخابات بأن تفحص التظلمات بدقة وشفافية وألا تتردد في اتخاذ القرارات الصحيحة عند تعذر الوصول إلى إرادة الناخبين الحقيقية حتى لو وصل الأمر إلى إلغاء الانتخابات بالكامل أو إلغائها جزئيًا لهذه المرحلة (الأولى) إذا لم تعبِّر عن إرادة الناخبين الحقيقية بكل أمانة.

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا