بعد أن انتهيتُ من كتابة مقالي للشهر الماضي – أغسطس 2025 – بجريدتنا “الطريق والحق” والمعنون “بعد ما شاب ودوه الكتاب”، وبعد أن أرسلته إلى العاملين بالجريدة لنشره، وبالفعل تم نشره، نشرت إحدى الصحف الإلكترونية خبرًا يقول: “وزير الأوقاف أكد أنه بعد الانتهاء من إعداد مبادئ تعليمية للكتاتيب الإسلامية سيعرضها على البابا تواضروس ليتم تدريسها بنفس القيم والمبادئ من الإنجيل للأطفال المسيحيين، في خطوة لتوحيد القيم الأخلاقية للنشء”، ثم تواردت وتوالت الأنباء والتعليقات عن زيارة سيادة وزير التعليم للإمام الأكبر “الطيب”. وقد نشرت الصحف: “استقبل أ. د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، اليوم الاثنين بمشيخة الأزهر، السيد محمد عبد اللطيف، وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، لبحث سبل تعزيز التعاون المشترك……، ومن جانبه، أعرب وزير التربية والتعليم عن سعادته بلقاء شيخ الأزهر، ودور مؤسسة الأزهر الرائد في نشر الإسلام الوسطي، مؤكدًا سعي الوزارة للتعاون مع الأزهر الشريف في تدريس مادة التربية الدينية، من خلال الاستعانة بمعلمي الأزهر المنتشرين في أنحاء الجمهورية، وأن الوزارة حريصة على عودة المدرسة لأداء دورها التربوي والتعليمي الحقيقي، بما يسهم في ترسيخ القيم المجتمعية والأخلاقية.”
ثم نشرت الجريدة الرسمية، في عددها الصادر بتاريخ 13 أغسطس 2025، القانون رقم 169 لسنة 2025 بشأن تعديل بعض أحكام قانون التعليم الصادر بالقانون رقم 139 لسنة 1981، حيث شملت التعديلات استبدال بعض العبارات والعناوين في نصوص القانون، بالإضافة إلى تعديل عدد من مواده.
وقد تم تعديل المادة 6 إلى:
“تُعد اللغة العربية، والتربية الدينية، والتاريخ الوطني، مواد أساسية في جميع مراحل التعليم. ويصدر قرار من وزير التربية والتعليم والتعليم الفني يحدد محتوى كل مادة ودرجاتها ووزنها النسبي في المجموع الكلي.
ويُشترط للنجاح في مادة التربية الدينية حصول الطالب على نسبة لا تقل عن 70% من الدرجة المخصصة لها، على ألا تضاف درجاتها إلى المجموع الكلي. ويصدر رئيس مجلس الوزراء، بناءً على عرض وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، قرارًا يحدد القواعد والإجراءات الخاصة بما ورد في الفقرة الثالثة من هذه المادة.
كما تقوم وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني بتنظيم مسابقات دورية في مادة التربية الدينية، ويتم منح الفائزين فيها مكافآت وحوافز وفقًا للنظام الذي يضعه المجلس الأعلى للتعليم قبل الجامعي.” إلى هنا انتهى قرار تعديل المادة 6.
وما من شك في أن هناك عدة نقاط في هذا الخبر وهذا التعديل الوارد في المادة 6 لا بد من دراسة ما تيسر منها والتعليق عليها ومواجهة كل من السيد وزير التربية والتعليم، والسيد الوزير شيخ الأزهر، والسيد وزير الأوقاف بخصوصها:
1- من الواضح أن هناك الآن شيئًا حكوميًا سياسيًا رئاسيًا يُطبخ في مطابخ الأزهر في أواني الأديان، وعلى نار الخلاف الهادئة، والتي بدأت وهي الآن مستمرة بين حكومة الرئيس السيسي وبين الأزهر ورجاله منذ أن تولى الرئيس عرش البلاد، وهو شيء لا يمكن لنا نحن العامة من الشعب المصري معرفته بالضبط ما هو، حيث إننا ممنوعون بالقوة الجبرية من الاقتراب لهذا المطبخ أو تصويره أو التلصص عليه أو معرفة ما يحدث فيه، لكن الشيء الوحيد الذي نستطيعه هو أن نشم فقط رائحة ما يُطبخ، من بعيد، حيث إن الطابخين لذلك الذي يطبخونه ورؤساءهم ليس في إمكانهم أن يلغوا حاسة الشم التي وهبنا إياها المولى تبارك اسمه، لأنها عطية منه سبحانه، ولا يمكن إلغاؤها إلا بواسطة معطيها وواهبها لنا جل شأنه، ومع ذلك فيستطيع الطابخون لما يطبخون في المطبخ أن يضللوا العامة ويخدعوا حاسة الشم لديهم بإضافة بعض البهارات أو المكونات، السمعية والبصرية، التي يحاولون بها أن يبعدوا الأنظار عن مكونات الطبخة الأساسية أو حتى ما يضعونه فيها من سموم، سواء عن عمد مع سبق الإصرار والترصد أو عن سهوٍ وعدم فهم لنتائج ما يعلمون، وأيضًا سواء أكان بمعرفتهم أو بجهلهم لما يمكن إن تؤثر به هذه السموم على الأطفال والكبار مسيحيين ومسلمين في مصر الحبيبة.
والسؤال الأساسي الخطير هو: هل استسلم الرئيس السيسي في الصراع بينه وبين الأزهريين، وبين الحكومة والأزهر، وهو أحد مؤسساتها الحكومية، فترك لهم الساحة والملعب للعب بمفردهم بها أم أنه تبادل صفقات ومصالح بين الحكومة والأزهر، أم أن خطة إخلاء مصر من المسيحيين والتي وضعها السادات وماتت معه في حادث المنصة قد بُعثت حية مرة أخرى، أو ربما لأن هناك خطبًا جللًا سوف يلم بمصر وهناك قرارات هامة وخطيرة لا بد أن تُتخذ، لذا فلا بد من محاولة إسكات الأزهر ورجاله ولا بد من محاولة إلهاء العامة عن التركيز في فهم ونقد هذه القرارات الجديدة باستخدام الأزهر ووزارة الأوقاف ووزارة التعليم والتعليم الفني؟
2- كان مما تضمنه الخبر السابق عن لقاء السيد وزير التعليم وشيخ الأزهر والذي جاء به: “أن الوزارة (أي وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني) حريصة على عودة المدرسة لأداء دورها التربوي والتعليمي الحقيقي، بما يسهم في ترسيخ القيم المجتمعية والأخلاقَية”. هذه الحقيقة المذكورة عاليه تشير إلى أن هناك مشكلة كبيرة، بل وقاتلة في نفس الوقت، للأطفال المصريين وللمجتمع المصري ككل وهي أن المدرسة قد توقفت عن أداء “دورها التربوي والتعليمي الحقيقي، وعن ترسيخ القيم المجتمعية والأخلاقية”، ولذا لا بد لها، أي لوزارة التربية والتعليم، أن تعود مرة أخرى لعمل ما توقفت عن عمله. والحقيقة أن هذه العبارة تقودنا لسؤال الأزهر ووزارة التربية والتعليم عدة أسئلة لستُ أظن أن لديهم الجواب عليها أو حتى الاستعداد للبحث عن إجابات مخلصة وحقيقية لها. ومن ضمن هذه الأسئلة التي نطالب بمعرفة الإجابة عنها ما يلي:
أ- ما سر تدخل الأزهر في إعادة ما توقفت وزارة التعليم عن عمله؟ وما هو المقصود بما توقفت وزارة التعليم عن عمله؟ وما علاقة هذا كله بالأزهر؟ فهذا الأمر لا يخص إلا وزارة التربية والتعليم سواء أكانت المدارس الأزهرية تابعة لها وحدها أم تابعة لها وللأزهر وتعاليمه ورجاله.
ب- متى توقفت وزارة التعليم ومدارسها بما فيها مدارس الأزهر المختلفة عن أداء دورها التربوي والتعليمي الحقيقي؟
ج- مَنْ هو الشخص أو الجماعة أو الوزارة أو النظام الذي تسبب في توقف المدرسة عن أداء دورها الحقيقي؟ ألا تشير أصابع الاتهام أول ما تشير إلى الأزهر نفسه ولوزارة التربية والتعليم ذاتها؟
د- ثم كيف ومتى اكتشف كل من رجال الأزهر ووزارة التربية والتعليم أن المدارس توقفت عن أداء عملها ودورها؟ هل اكتشفوا هذا لتوهم أم اكتشفوه منذ زمن بعيد؟ وإن كانوا اكتشفوه منذ زمن بعيد فلماذا لم يتدخلوا لإصلاح ما أفسده الدهر يومها؟
هـ وأين كان شيخ الأزهر وشركاه ووزراء التعليم السابقون للوزير الحالي جميعًا عندما توقف دور المدرسة؟ ولماذا لم يعملوا أي شيء لدفع المدارس للرجوع لأداء دورها او حتى ليحذروا المسئولين في البلاد أو يدقوا ناقوس الخطر لتنتبه الحكومة والأهالي؟
و- لماذا طفا هذا الأمر والموضوع على السطح الآن في مصر وفي هذا التوقيت بالذات؟.
ز- وهل يقصد البيان الحديث عن المدارس العامة والخاصة فقط أم أن المدارس والمعاهد والكليات الأزهرية قد توقفت هي الأخرى عن أداء دورها الحقيقي؟
ح- وما هو دور المدارس “الحقيقي” في نظر الأزهر ووزارة التربية والتعليم الذي توقفت المدارس عن أدائه؟ هل من وزير أو غفير يستطيع أن يفسر لنا ويدلنا على دور المدارس الحقيقي، وما هو المقصود بهذه الكلمة في الخبر المذكور عاليه؟
3- أما فيما يتعلق بما أدلى به السيد وزير الأوقاف، فإن أول النقاط التي ينبغي منا دراستها والتعليق عليها هي إن ما قلته يا سيادة الوزير وهو “بعد الانتهاء من إعداد المبادئ التعليمية للكتاتيب الإسلامية، ستعرضها على البابا تاوضروس ليتم تدريسها بنفس القيم والمبادئ من الإنجيل للأطفال المسيحيين”. فهذا في رأيي ورأي الغالبية العظمى من المثقفين المسيحيين والمحللين المخلصين الفاهمين لبواطن ما يقال من تصريحات، وخاصةً عند مخاطبة أحد المسئولين الدينيين البارزين في دين ما لأصحاب الدين الآخر. إن ما قلته يا سيادة الوزير لا يمكن فهمه إلا بأنه تطاول وإهانة للبابا تاوضروس وللمسيحيين جميعًا وكأنهم في حاجة أو غير قادرين على وضع برنامجهم ومادتهم المسيحية الخاصة بهم والمدونة في كتابهم المقدس لتدريسها لأطفالهم، حتى أنهم ينتظروا مبادئكم الإسلامية ليدرسوها لأطفالنا المسيحيين. فإن قَبِلَ البابا، كعادته، هذه الإهانة منك كممثل للإسلام والدولة المصرية الإسلامية يا سيادة وزير الأوقاف، إذا قبلها على نفسه ومكانته كرأس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية وكممثل للمسيحيين المصريين جميعًا أمام الحكومة المصرية كما يراه الغالبية العظمى منهم، إذا قَبِلَ البابا كلامك على نفسه ومسيحه الذي علَّم الناس ما لم يستطع غيره لا من المصلحين أو الأنبياء الحقيقيين أو حتى الأنبياء الكذبة أن يعلمه للبشر أجمعين من مبادئ وتعاليم تسمو على الفكر البشري والعقل الإنساني، إذا قبلها منكم حتى يهدئ البابا من اشتعال الخلاف بين المسيحيين والمسلمين، فأنا والغالبية العظمى من المسيحيين لا نقبلها على أنفسنا، وليس أمامك سوى الاعتذار عما جاء على لسانك بهذا الخصوص.
فأنت قلت: “بعد الانتهاء من إعداد مبادئ تعليمية للكتاتيب الإسلامية، سأعرضها على البابا تاوضروس”، وسؤالي لك هو: لماذا بعد الانتهاء من إعداد المبادئ التعليمية للكتاتيب الإسلامية؟ أما كان من الواجب أن يطلع البابا تاوضروس على هذا الأمر وهو ما زال بعد فكرة في رؤوس مخترعيها وقبل حتى الإعلان عنها أو المضي قدمًا في تنفيذها؟ أما كان ينبغي أن يكون البابا تاوضروس عمودًا أساسيًا في وضع وإعداد هذه المبادئ ما دام سيُطلب منه تدريسها لصغاره أيضًا؟ فأنا وغيري الكثيرين من المسيحيين المثقفين نرى أن تدريس الصغار ما يريد وزير الأوقاف تدريسهم إياه بدءً من سن الحضانة سيكون السبب الأكبر من كل الأسباب السابقة لتربية الأطفال على العنف والتطرف وكراهية الآخر والذي سيؤدي حتمًا إلى التباعد بين عنصري الأمة أكثر جدًا مما هو واقع الآن.
الأمر الثاني فيما قلته يا سيادة وزير الأوقاف والمراد التفكير فيه هو: لماذا ستقوم بعرض المناهج التي ستضعها لتعليمها للأطفال المسلمين على البابا؟ فوفقًا لتصريح سيادتكم أنت قلت: “سأقوم بعرضها على البابا تواضروس لتدريسها بنفس القيم والمبادئ من الإنجيل للأطفال المسيحيين”، فهل الأمر هو مجرد عرضها على البابا تاوضروس لتدريسها للأطفال المسيحيين وليس لتقويمها أو تعديلها أو تصحيح ما يبدو أنه غير متوافق منها مع تعليم الكنيسة؟ وما دخل البابا تواضروس ودخلنا نحن كمسيحيين مصريين في المبادئ التعليمية للكتاتيب الإسلامية التي تريد سيادتكم تدريسها للأطفال الصغار من المسلمين؟ هل البابا تاوضروس يحتاج لوزير الأوقاف ومساعديه ليعرف القيم والمبادئ الإسلامية لتعليمها للأطفال المسيحيين؟ هل أصبح الشيوخ المسلمون هم الذين يضعون مبادئ التعاليم الواجب تدريسها لأطفالنا المسيحيين؟
إن اختلاف التعاليم بين المسيحية والإسلام لا يمكن الاتفاق عليها بالرغم من أن بعض هذه المبادئ تبدو وكأنها واحدة ومشتركة في المسيحية والإسلام، فعلى سبيل المثال لا الحصر:
ما هو الإسلام الوسطي الذي تكلم عنه وزير التربية والتعليم؟ فهذا المصطلح قد سمعناه كثيرًا بآذاننا في كل المناسبات لكننا لم نراه بعيوننا في حياتنا ابدًا، سمعناه في المناسبات والجرائد والمجلات واللقاءات وسمعنا غيره تمامًا كل أسبوع وطيلة حياتنا من مكبرات الصوت التي تطالب المولى تبارك اسمه أن يشتت شملنا، وييتم أولادنا، ويرمل نساءنا ويحشرنا يوم الحشر مع أهل النار لأننا المغضوب عليهم والضالين، هل هذا الذي يعلمه الأزهر لطلابه في فصوله وكتبه ومقرراته الدراسية الإسلامية، وما يصرح به خريجوه من تصريحات قد تربوا على سماعها في فصول مدارسهم وكلياتهم والذي من شأنها أن تحول البلاد إلى جحيم، وهل حالة الضغط والكره السائد والتمييز العنصري والديني في المدارس والكليات والأشغال والوظائف وبقية أفرع الحياة ضد المسيحيين، هل هذا هو الإسلام الوسطي الذي نريد أن نعلمه لطلابنا المسيحيين والمسلمين منذ نعومة أظفارهم؟ هل سنعلم طلابنا، المسيحيين والمسلمين، الصغار والكبار، بأن “النفس أمارة بالسوء” قول إسلامي صحيح….. لكن ألا يجب أن نجيب على أسئلة الأطفال عندما يسألون كلًا من المعلم الأزهري أو المدرس القبطي سؤالهم الشهير وهو: إذا كانت النفس أمارة بالسوء، فلماذا خلق الله النفس من أساسه إن كانت أمارة بالسوء؟ وكيف يمكن التغلب وعلاج النفس الأمارة بالسوء وجعلها نفس بارة طاهرة مغفورة الخطايا والإثم وضامنة لمصيرها الأبدي وهي ما زالت حية ترزق على الأرض؟ وهل هناك ميزان سيُنصب في الآخرة للناس يحدد المولى تبارك اسمه من خلاله مَنْ سيكون من أصحاب الجنة وما صفات أصحاب النار؟
مثال آخر يتعلق بالبسملة، وهي أول وأبسط شيء يحفظه الطفل المسلم والمسيحي، والتي تصف طبيعة المولى تبارك اسمه في أولى كلماتها، فالطفل المسلم يحفظ القول “باسم الله الرحمن الرحيم” لكن مَنْ هو الإله الرحمن الرحيم بالنسبة للمسلمين؟ أليس هو الكبير الحي القيوم السلام العدل، إلى آخره؟ أما بالنسبة للأطفال المسيحيين فالبسملة بالنسبة لهم هي قول “باسم الآب والابن والروح القدس، الإله واحد آمين”. وبالتالي فكيف سنشترك معًا كمسيحيين ومسلمين في تعليم الأطفال، المسلمين أو المسيحيين؟ ما هو تعريف ومفهوم الشرك بالله أو عبادة الإله الواحد؟ أليس الشرك هو عبادة أكثر من إله؟ فماذا لو سأل أطفال المسلمين عما إذا كان أطفال المسيحيين مشركين بالله أم لا؟ فبناءً على مفهوم العالم الإسلامي كله وعلى رأسهم رجال الأزهر، أنه قد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة، أو أن المسيح بن مريم هو الله. إذًا فبناء على هذا المفهوم الأضيق، فلا بد أن يكون المسيحيون مشركين حيث إنهم يقولون إنهم يعبدون السيد المسيح تبارك اسمه. وعلى افتراض أن المعلم المسلم سيكون أمينًا ومحايدًا ومتعلمًا ومفتوح الذهن، فهل يستطيع أو يجرؤ مدرس مسلم أن يقول للتلاميذ إن المسيحيين ليسوا بمشركين وهم يؤمنون مثلنا بإله واحد؟ وإن أجابوا التلاميذ الصغار عن هذا الأمر بهذه الطريقة ألا يتوقع المدرسون أن يسألهم الصغار إن كنا نحن والمسيحيون نعبد إلهًا واحدًا فلماذا جاء الإسلام من بعد دين المسيح؟
وما معنى أن ندرّس أولادنا القيم والأخلاق الحميدة والتي اعتقد أنها لا بد أن تشمل تقديم المحبة والرحمة والسلام مع جيراننا في مصر، أي المسيحيين، فهل سيقوم المدرسون المسلمون بتعليم الصغار “أحبوا أعداءكم باركوا لاعنيكم أحسنوا إلى مبغضيكم وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم”؟ وحتى لو درسناهم هذا المبدأ فماذا لو سألنا صغير العمر وقال: هل يمكن أن نتغافل عن الآيات المدنية التي تتكلم عن الاستعداد بالقوة وبرباط الخيل لنرهب بها عدو الله وعدونا؟ وبالطبع هناك عشرات بل مئات القضايا التي لا يمكن أن تلتقي أو تقترب منها المسيحية مع الإسلام، فهل حقًا سيأتي مشروع تعليم الصغار بمحبة ومودة وتقارب حقيقي بين طرفي النقيض؟ لستُ أعتقد.
لقد قرر سيادة وزير التعليم ورجال الأزهر أن تكون مادة الدين مادة نجاح ورسوب، ورفع درجة النجاح فيها إلى 70%.وهناك عشرات الأسئلة المتعلقة بهذا القرار والتي من بينها:
أ- هل من صحيح الدين أن يُجبر الطفل مسيحيًا كان أو مسلمًا على دراسة دينه، والنجاح فيه وحصوله على درجة عالية جدًا بالنسبة لبقية المواد؟ أليس الدين شيئًا قلبيًا دفينًا لا بد أن يسعى إليه حتى الطفل الصغير بهداية من الله تبارك اسمه، وبتوجيه من والديه دون ترغيب أو ترهيب من مدرسيه؟ أليست هذه هي مسئولية أولياء الأمور في البيوت بالدرجة الأولى؟ إن مادة الدين حتى لو كانت ينبغي لها أن تُدرس في المدارس الحكومية وغير الحكومية لكن يجب ألا يتم الامتحان فيها من أصله، أو حتى إن دُرست وكان لا بد من الامتحان بها فيجب التعامل معها كأي مادة أخرى، فما اتفق عليه الوزراء بالنسبة لمادة الدين سيزيد من كره الطلبة للدين وامتحاناته وسينتج عنه جيل متطرف ومتعصب ومريض نفسي أكثر مما هو عليه الآن .
ب- جاء في القرارات الوزارية للتربية والتعليم أيضًا ما نصه: “كما تقوم وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني بتنظيم مسابقات دورية في مادة التربية الدينية، ويتم منح الفائزين فيها مكافآت وحوافز وفقًا للنظام الذي يضعه المجلس الأعلى للتعليم قبل الجامعي”. والسؤال هنا: هل سيتساوى الأطفال المسيحيين بالأطفال المسلمين وسيتم عمل مسابقات لهم في مادة التربية الدينية المسيحية، أم سيُطلب من المسيحيين أن يدخلوا نفس المسابقات الخاصة بالمسلمين والتي من بينها مسابقة حفظ القرآن؟ وهل ستتم مكافأة الفائزين في المسابقات المسيحية، إن وجدت، من المسيحيين أم من أموال الدولة أيضًا كما هو الحال مع الأطفال المسلمين، أم ستُترك المسابقات والمكافآت وتمويلها للكنيسة وتدفع من جيوب المسيحيين الذين يدفعون الضرائب للدولة كما يدفعها المسلمون وربما أكثر مما يدفعه المسلمون؟
جاء أيضًا في المادة 6:
“تُعد اللغة العربية، والتربية الدينية، والتاريخ الوطني، مواد أساسية في جميع مراحل التعليم. ويصدر قرار من وزير التربية والتعليم والتعليم الفني يحدد محتوى كل مادة ودرجاتها ووزنها النسبي في المجموع الكلي”.
والسؤال في هذه الجزئية هو:
ما هو التاريخ الوطني الذي يريدون تدريسه للطلاب المصريين، مسيحيين ومسلمين؟ لقد أغفلت المناهج الدراسية المصرية تمامًا وعن عمد التاريخ القبطي كله لمئات السنين منذ دخول الإسلام إلي مصر وحتى الآن، وخاصةً في عهد ثورة يوليو، فهل التاريخ القبطي سيُعتبر جزءًا من التاريخ الوطني الذي سيُدرس للطلاب أم أن التاريخ الوطني يبدأ بالفتوحات الإسلامية، أم بدخول الإسلام إلى مصر، أم بثورة الضباط الذين أطلقوا على أنفسهم لقب “الضباط الأحرار”؟
لا شك أنه بقي في جراب الأسئلة التي في عقلي الكثير والكثير جدًا منها، والذي قد لا يخرج إلى العامة لقراءته، حيث إنني على ثقة أنهم يعرفونها كلها، فهذه الأسئلة التي تملأ رأسي تملأ أيضًا رؤوسهم ولكن لا يمتلكون القدرة أو الوسيلة لسؤالها ولن يحصلوا على أية إجابات لها من المسئولين مسيحيين كانوا أو مسلمين.
لذا فسؤالي الأخير لقادة الكنيسة في مصر على اختلاف مذاهبهم وخلفياتهم: ماذا انتم فاعلون أمام هذا الخضم الهائل من الأسئلة والتصريحات لرجال الأزهر والأحداث التي قد تعرفون أو لا تعرفون مدى تأثيرها على الشارع الكنسي المصري؟ أو ماذا تريدوننا نحن عامة الشعب المسيحي أن نفعل أكثر من أن نكتب ونشجب ونتشنج ثم ننسى الأمر كله ويظل الحال على ما هو عليه؟ فأنا أرى أنكم كعادتكم لن تقوموا بأي عمل إيجابي كتابي في مواجهة هذا الأمر، ولذا فصلاتي أن تقوموا بعمل ما يمليه عليكم ضميركم وإلهكم وكتابكم ومسئوليتكم عن الكبار والصغار من المسيحيين في مصر، أو تعلنوا عجزكم وتتركوا أماكنكم لمن يستطيع أن يعمل شيئًا بإذن الله، ولا تشتركوا في صراع الكبار حول تعليم الأطفال الصغار.
اللهم إني قد بلغتُ، اللهم فاشهد.




