دير سانت كاترين… حكومتنا تختلق المشاكل

13

نشأت أبو الخير

في قلب صحراء جنوب سيناء وعند سفح جبل موسي، يقف دير سانت كاترين شامخًا كأحد أقدم وأعرق الأديرة العامرة في العالم، هذا الأثر الديني البارز ذو القيمة التاريخية. ولنعرف القيمة الدينية والروحية لهذا الدير، فبالقرب من هذا الموقع الفريد سلَّم الرب الوصايا العشر للنبي موسي كما جاء في سفر الخروج الإصحاح 20، وبُني الدير حول شجرة العليقة والتي فيها ظهر ملاك الرب بلهيب نار من وسط العليقة وإذا العليقة تتوقد بالنار والعليقة لم تحترق. “ناداه الله من وسط العليقة: موسي موسي” كما جاء في الإصحاح الثالث من سفر الخروج.. وقد سُمي بدير سانت كاترين نسبةً إلى القديسة كاترين وهي من الإسكندرية. وهذا الدير مدرج ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو 2002 وتم تسجيله دينيًا في هيئة الآثار برقم 121 لسنة 1993.

وعندما بدأت الدولة عملية تقنين الأراضي، تقدم الدير بمخطوطات ووثائق تاريخية قديمة تثبت ملكيته للأرض، وفي سبعينيات القرن الماضي، وحين بدأ الدير في إنشاء مباني خدمية وتعمير المنطقة حوله تشجيعًا للسياحة الدينية، طلب الدير الاعتراف الرسمي ببعض المنشآت والمباني خارج الدير. وبدلًا من الإشادة بهذه الخطوة وإذ بأحد أعضاء حكومتنا الرشيدة السنية يفجر مشكلة خلال السنوات الأخيرة حين قام اللواء خالد فودة محافظ جنوب سيناء برفع دعوى قضائية ضد الدير مختصمًا رئيس الدير وطالب بطرد رهبان الدير من 29 قطعة مع تعويض عشر ملايين حق انتفاع. وبدلًا من استدراك الأمر من حكومتنا، استمرأت التقاضي. وفي 28 مايو 2025، أصدرت محكمة استئناف الإسماعيلية حكمها في الدعوى المرفوعة، وخلاصة الحكم تعترف بالوضع الديني للدير، لكن الحكم لا يعترف بملكيته ولا بأحقية تابعي الدير الانتفاع بالدير والمواقع الدينية الأثرية بمنطقة سانت كاترين مع ملكية الدولة لهذه المواقع بوصفها من الأملاك العامة.

وتباينت التفسيرات حول تفاصيل الحكم وتبعاته، فمؤسسات الرئاسة أصدرت بيانًا تؤكد فيه مكانة الدير وحرصها عليه. وأكدت الحكومة في بيانها بالحفاظ على المكانة الدينية، فالخارجية المصرية أكدت أنه لا مساس بالدير والأماكن الأثرية التابعة له، مشددة على قيمته ومكانته الروحية. وهكذا وجدنا كل المسئولين يدورون حول الحكم والإشادة به من حيث الحفاظ على المكانة الدينية ويتركون جوهر الحكم الذي لا يعترف بملكية الدير.

فماذا نفعل مع حكومتنا الرشيدة السنية الفاشلة اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا والتي تداري فشلها الذريع باختلاق المشاكل المشكلة تلو الأخرى لتشغل الشعب عن فشلها؟ فمن مشكلة الإيجار القديم إلى مشكلة دير سانت كاترين، فالحكومة التي ترفض تهجير الفلسطينيين من أرضهم لا تجد غضاضة من أن تعمل على تهجير المصريين من بيوتهم وتلقي بهم إلى المجهول. ألم يكفها الارتفاع الجنوني للأسعار التي لم تعرفها البلاد منذ عقود واللهيب الذي تكتوي به جيوب المواطنين رغم دخولهم المتدنية، حيث يجدون صعوبة بالغة في العيش وسد الاحتياجات المعيشية الضرورية والارتفاع الجنوني في فواتير الخدمات من كهرباء وماء وغاز وبنزين وأدوية؟ اذ تفتق ذهنها عن قانون معدل لقانون الإيجار القديم لتكشف به ستر المصريين. لم تكتفِ بمشاكلها الداخلية وإذا بها تختلق مشاكل خارجية فيقوم أحد أعضائها (محافظ جنوب سيناء) باختلاق مشكلة مع دير ديني تمتد تبعيته إلى دولة صديقة هي اليونان الذي يتبعها الدير برفع دعوى قضائية ضد الدير.  وطبعًا المحافظ لم يقدم على فعلته إلا بالتشاور مع رئيس الحكومة ومع حكومته. وهنا أعربت الكنيسة اليونانية ورئاسة الدير عن تحفظها إزاء ما اعتبرته تراجعًا عن الوضع القانوني للدير وأعربت عن مخاوفها من أن توصيف الوضع بحق الانتفاع قد يفسد مستقبلًا على نحو يهدد استقرار الرهبنة في الدير، فالحكم القضائي معقد تقنيًا وإن كان يصون الطابع الديني الأرثوذكسي لكن دون الاعتراف بملكية الكنيسة اليونانية للدير. وفي الوقت نفسه لم ينطل على الحكومة اليونانية قيام الحكومة المصرية بالتشدق بالحكم بعبارات رنانة للتغطية على جوهر الحكم بعدم الملكية.

فما كان من الحكومة اليونانية إلا إن أعلنت يوم 28 يوليو 2025 منح دير القديسة كاترين في سيناء وضعًا قانونيًا رسميًا، وذلك بموجب مشروع قانون صادقت عليه الدولة اليونانية في خطوة وُصِفَتْ بأنها غير مسبوقة منذ أكثر من 15 قرنًا وأنها تضع حد لحالة قانونية غامضة، وقدمت مشروع القانون للوزارة المختصة وبدأت مناقشته رسميًا أمام اللجنة البرلمانية الدائمة للشئون التعليمية. ويتضمن القانون تنظيم الوضع القانوني لممثلية دير القديسة كاترين في اليونان مع الاعتراف الكامل باستقلاليته الكنسية والإدارية تقديرًا لدوره التاريخي والديني والثقافي. وأكدت وزيرة الشئون الدينية والتربية أن الدولة اليونانية تُظهِر التزامًا عمليًا بدعم رسالة الدير وصيانة مصالحة مشيرةً إلى أن هذا القانون يُعَدُّ مبادرة تاريخية تُمنح بموجبها مؤسسة دينية وثقافية استثنائية وضعًا قانونيًا واضحًا لأول مرة منذ خمسة عشر قرنًا، مضيفةً أن الدولة اليونانية تحمي كنزًا من التراث الروحي والثقافي الإنساني وتثبت أن اليونان كانت وستبقى مهد الأرثوذكسية.

يا حكومتنا المصرية… مش كفاية عدائك للشعب في الداخل بقراراتك وقوانينك المتضاربة غير المدروسة بل في الخارج بتحطي نفسك أيضًا في مواقف بايخة مع بلد صديقة باختلاق مشكلة مع دير سانت كاترين.

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا